الفصل الرابع :
حضارات وأنبياء (مصر)
بعد طوفان نوح تفرق أبناء نوح كما ذكرنا، فسام وأبناؤه توزعوا في العراق والجزيرة واليمن وغيرها، أما حام وأبناؤه فانتقلوا إلى الهند، وبعضهم إلى إفريقيا، فتفرقوا هناك، فاستقر جماعة البوشمن في جنوب غرب أفريقية، وكانوا وثنيين، فسلط الله عليهم (الهتنتوت) ثم سيطر زنوج البانتو على الأوضاع، وهناك من لجأ إلى مجاهل وغابات أفريقيا، وسكن البربر في الشمال الغربي. وسكن المصريون القدماء شمالًا حول نهر النيل، وكانوا جميعهم على عبادة الأوثان.
كانت مصر من أخصب مناطق أفريقيا، لذا تكاثر سكانها، وقامت فيها دولة الفراعنة، التي أدعى حكامها الألوهية، وسخروا الشعب لبناء الأهرامات الضخمة والتماثيل، وسموها (حضارة) وليست بكذلك.
في هذه الفترة قدم إبراهيم وزوجه سارة إلى مصر، وأراد فرعون اصطفائها لنفسه، فأنقذها الله منه، فأعطاها هاجر هدية، وأمرهما بمغادرة مصر (كما ذكرنا سابقًا).
سلط الله على الفراعنة الظالمين رعاة من بلاد الشام، فقوي أمرهم وأخضعوا المنطقة، وأصبحوا ملوكًا، وعرفوا باسم (الهكسوس).
في هذه الفترة أقام يوسف وأهله في مصر وكان يحكمها الهكسوس، وكانوا مثل سابقيهم ظالمين ومستبدين، فرفضوا الحق، فسلط الله عليهم الفراعنة، بعد أن قوي أمرهم على يد (أحمس)، فسيطروا على مصر وامتد نفوذهم إلى حدود العراق في زمن (تحتمس الثالث) و(رمسيس الثاني) اللذين حاربا الدولة الحيثية في الشام وقضوا عليها، وزادت الخيرات فزاد كفرهم وفسوقهم.
بدأ الفراعنة في هذه الفترة بقتل ذكور بني إسرائيل؛ لأن الإسرائيليين أشاعوا أنه سيأتي لهم ابن يقضي على فرعون وقومه. قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴿ ٤ ﴾ ﴾ [القصص:4].
موسى بن عمران عليه السلام.. وعودة بني إسرائيل إلى الشام:
أرسل الله إلى هؤلاء جميعًا موسى، وهو من بني إسرائيل، وأنجاه الله من الذبح، حيث ألقته أمه بعد ولادته في البحر داخل صندوق بأمر الله، فوصل إلى قصر فرعون، فاتخذه ولدًا عندما أصرت زوجته آسيا على ذلك. وكان محرومًا من الإنجاب. فتربى وشب في قصور فرعون. قال تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿ ٧ ﴾ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ۗ ﴾ [القصص:7-8].
كبر موسى، وكان بفطرته يميل إلى قومه، وحدث قتال بين قبطي وإسرائيلي، فاستنصر الإسرائيلي بموسى الذي وكز القبطي وقتله، (وكان موسى قوي البنية)، وكادت الحادثة تتكرر، فعلم موسى أن خبره انتشر. قال تعالى: ﴿ وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ﴿ ٢٠ ﴾ ﴾ [القصص: 20].
فهرب إلى بلاد مدين. وهناك ساعد فتاتين على سقي أغنامهما، فعرض عليه أبوهما شعيب أن يزوجه إحدى ابنتيه مقابل أن يعمل عنده (8- 10 سنوات) فتم ذلك. وقرر موسى أن يعود بأهله إلى مصر. وفي منطقة سيناء أوحى الله إليه وبعثه إلى فرعون وملئه، ودعمه بأخيه هارون، وزوده بالمعجزات.
دعا موسى فرعون فكذب وعصى وادعى أنه هو الله. وأن معجزات موسى (وهي اليد البيضاء والحية) مجرد سحر. وحدد له يومًا ليجمع له السحرة ليغلبوه.
قال تعالى: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ ﴿ ١٥ ﴾ إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ﴿ ١٦ ﴾ اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ﴿ ٢٤ ﴾ فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَىٰ أَنْ تَزَكَّىٰ ﴿ ١٨ ﴾ وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ ﴿ ١٩ ﴾ فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَىٰ ﴿ ٢٠ ﴾ فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ ﴿ ٢١ ﴾ ﴾ ... الآيات [النازعات:15- 25].
في اليوم الموعود تغلب موسى على السحرة وتبين لهم ما كانوا عليه من الباطل فآمنوا بالله. فصلبهم فرعون وقتلهم، ثم اشتد أذاه وبطشه لبني إسرائيل، فعاقبه الله وقومه بالقحط وبالسنوات العجاف فلم يرتدعوا، وأنزل بهم عقوبات أخرى. قال تعالى: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴿ ١٣٣ ﴾ ﴾ [الأعراف:133].
اشتد ظلم فرعون وطغيانه، فأمر الله نبيه موسى أن يهاجر بقومه إلى الشام، فلحقهم فرعون وجنوده، فألجأوهم إلى البحر، فضرب موسى البحر بعصاه بإذن الله، فأصبح طريقًا سهلًا فعبر وقومه. وعندما حاول فرعون وجنده العبور عاد ماءً. فغرقوا وأهلكهم الله. وأما موسى ومن معه فقد وصلوا إلى الضفة الأخرى بأمان.
قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ ﴿ ٧٧ ﴾ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ ﴿ ٧٨ ﴾ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ ﴿ ٧٩ ﴾ ﴾ [طه:77- 79]. ثم طلب اليهود من موسى طعامًا فأنزل الله لهم المن والسلوى، وواصل المسير بهم حتى وصلوا إلى منطقة جبل سيناء.
صعد موسى الجبل وأقام عليه (40) يومًا، حيث كلمه الله وأنزل عليه التوراة والوصايا مكتوبة في ألواح من حجر. ثم عاد إلى قومه فوجدهم يعبدون عجلًا صنعوه من حليهم الذهبية، فغضب غضبًا شديدًا، وتخلص منه. وأمرهم أن يقتل بعضهم بعضًا عقابًا لهم، بأمر من الله. كما أخبرهم أن الله كتب عليهم التيه والضياع في صحراء سيناء (40) عامًا. وتُوفي هارون ثم موسى خلال هذه الفترة -كما ذكرنا سابقًا-.
بعد هلاك فرعون ضعفت دولة الفراعنة. فاحتل الفرس مصر سنة (305 ق. م)، ثم أخضعها الإغريق بقيادة الإسكندر المقدوني، ثم حكمها البطالمة، وبعدهم الرومان، وانتشرت فيها النصرانية وعرف سكانها بالأقباط، واستمروا كذلك حتى جاءهم الفتح الإسلامي، وأنقذهم من الضلال.
الفصل الخامس :
جزيرة العرب
العرب هم الجنس الأول الذي تلقى الإسلام. وحمل ألويته ودعوته. فجديرٌ بنا أن نتعرف عليهم. يطلق مسمى العرب على الأقوام التي عاشت في شبه الجزيرة العربية.
* وهذه الجزيرة يمكن أن نقسمها إلى قسمين[1]:
- قلب الجزيرة: وهي بادية، وأهم مناطقها نجد.
- دائر الجزيرة: وسكانها حضر، وأهم مناطقها: اليمن جنوبًا، وغسان شمالًا، الإحساء والبحرين شرقًا، الحجاز غربًا.
الجنس العربي هو أحد الأجناس السامية، ولعله أكثرها محافظة على خصائص الساميين، واللغة العربية هي أحد اللغات السامية. وقد قسم المؤرخون العرب إلى:
- عرب بائدة، وعرب باقية.
أي المندثرة والفانية. ومنهم عاد وثمود وطسم وجديس وأصحاب الرس وأهل مدين.
أنبياء الله إلى العرب البائدة هم:
أرسله الله إلى قوم عاد وهم عرب، سكنوا في منطقة الأحقاف (حضـرموت) وهي أول قبيلة عبدت الأصنام بعد الطوفان، وكانوا أصحاب قوة ومال. فعمروا وشادوا وزرعوا. ثم عتوا عن أمر ربهم، فأرسل لهم هودًا وهو منهم. فكذبوه.
قال تعالى: ﴿ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿ ٦٥ ﴾ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾ [الأعراف:65-66]. كثروا وانتشروا حتى إن قحطان بن عاد وذريته انتشروا في اليمن وعرفوا بـ (عاد الثانية) واستمروا في طغيانهم وعتوهم حتى أهلكهم الله. قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ﴿ ٦ ﴾ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴿ ٧ ﴾ فَهَلْ تَرَىٰ لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ ﴿ ٨ ﴾ ﴾ [الحاقة:6-8].
أرسله الله إلى قبيلة ثمود، الذين سكنوا في منطقة العلا (بين المدينة وتبوك)، وقد كانوا بعد هلاك عاد. وهم عرب أيضًا. وعبدوا الأصنام. أرسل الله إليهم نبيه صالحًا فدعاهم إلى التوحيد، فرفضوا، ثم طلبوا منه سخرية أن يخرج لهم ناقة من صخرة صماء، فحقق الله المعجزة، ومع ذلك استمر أكثرهم على الكفر. فقتلوا الناقة، وبعد ثلاثة أيام جاءتهم صيحة من السماء ورجفة شديدة من أسفلهم فأهلكتهم.
قال تعالى: ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ﴿ ١١ ﴾ إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ﴿ ١٢ ﴾ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا ﴿ ١٣ ﴾ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا ﴿ ١٤ ﴾ وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴿ ١٥ ﴾ ﴾ [الشمس:11-15].
أرسله الله إلى أهل مدين (أصحاب الأيكة)، وقد سكنوا شمال غرب جزيرة العرب (تبوك وجنوب الأردن)، وكانوا فاسدين عرفوا بقطع الطريق. وإنقاص الكيل والميزان، وعبدوا شجرة ضخمة وسط الأيكة، فعرفوا بأصحاب الأيكة.
قال تعالى: ﴿ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ۚ ﴾ [هود: 84].
فاستمروا في تكذيبهم، فأباد الله جماعة منهم بعذاب الصيحة، وجماعة أخرى بعذاب يوم الظُّلَّة. قال تعالى: ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ [الشعراء: 189]. وقال: ﴿ وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴿ ٩٤ ﴾ ﴾ [هود: 94].
من الأمم التي أهلكها الله في جزيرة العرب أهل حضورا (وسكنوا بحضرموت أو اليمامة)، وهم أصحاب الرس. قال تعالى: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ ﴿ ١٢ ﴾ ﴾ [ق: 12].
وهم الباقون حتى الآن، وهم بنو قحطان وبنو عدنان.
فبنو قَحطان: هم العرب العاربة (العرب الأصليين)، وموطنهم الأصلي جنوب الجزيرة ومنهم ملوك اليمن، والمناذرة والغساسنة، وملوك كنده، ومنهم الأزد (الذين تفرع منهم الأوس والخزرج).
أما بنو عدنان: فهم العرب المستعربة (الذين اكتسبوا اللسان العربي). وهم عرب الشمال، وموطنهم الأصلي مكة المكرمة، وهم ذرية إسماعيل بن إبراهيم، وأهم أبناء إسماعيل عدنان. ومنه انحدرت القبائل العربية:
