الباب الرابع: العهد الأموي(41- 132هـ) (661- 749م).
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم».
أخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه وابن حنبل.
تنسب الدولة الأموية إلى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وكان أمية هذا سيدًا من سادات قريش في الجاهلية. وكان هو وعمه هاشم بن عبد مناف متنافسين على الرئاسة والشرف.

(عبد مناف)
الجد الأعلى للأسر الإسلامية الحاكمة (في القرون الأولى)
وتاريخ بني أمية أصابه الكثير من التشويه، وكان ذلك من قبل العباسيين خصومهم السياسيين (الذين دُوِّن التاريخ في أيامهم)، ومن الشيعة والخوارج أعدائهم التقليديين، ومن قبل العوام الذين يتناقلون التاريخ بالألسن، فتعرضوا لاتهامات اتخذت عدة أشكال:
1- الاهتمام بالأحداث التاريخية التي تضع من مكانتهم، وتحط من قدرهم كمعاداتهم للإسلام في البداية، وتأخرهم في دخول الإسلام، ونسوا دورهم العظيم بعد إسلامهم كدورهم في الفتوحات.
2- تسليط الأضواء على النكبات التي حصلت في عهدهم، مثل فاجعة كربلاء ومقتل الحسين وأهله، ووقعة الحرة، واستباحة حرمة المدينة، وضرب مكة والكعبة بالمنجنيق، وقتل عبد الله بن الزبير، وثورة زيد بن علي بن الحسين ومقتله، وإغفال ما حصل في تلك الأحداث من خطأ، وخروج على الخليفة، وشق عصا الطاعة.
3- التركيز على نقاط ضعف النفس البشرية، من بعضهم، وترك كل جوانب الخير، ويتجلى ذلك بالذات في حق عثمان، وأبي سفيان، ومعاوية، وتصوير بعض ولاتهم بكل صور التعصب والباطل، كما حصل مع الحجاج وزياد بن أبيه.
4- أشيعت شائعات سامة ضد بعض الخلفاء أمثال يزيد بن معاوية والوليد ابن يزيد.
والذي نقوله أن المنهج الإسلامي تدهور قليلًا بعد العهد الراشدي، وبدأت زاوية الانحراف تزيد مع الزمن، والمجتمع المسلم عاش حياة قريبة من العهد الراشدي، وإن تأثر قليلًا نتيجة ما جاء من الغنائم والأموال، ودخول الإماء والسبايا للقصور والبيوت.
بنو أمية لهم فضائل كثيرة، أغفلها بعض المؤرخين، منها:
1- كان معاوية صحابيًا جليلًا، وإن اجتهد في الوقوف ضد الخليفة علي ابن أبي طالب، ولم يوفق في اجتهاده، فإنه يبقى عدلًا، والصحابة كلهم عدول.
وكان مروان بن الحكم من الطبقة الأولى من التابعين، وروى عن كثير من الصحابة كعمر بن الخطاب وعثمان وغيرهم، وعبد الملك كان من أهل العلم والفقه، وقد كان من علماء المدينة قبل أن يتولى الخلافة، وكان عمر بن عبد العزيز من أئمة الاجتهاد، ويُعد من الخلفاء الراشدين.
2- كان بنو أمية يقدمون أهل العلم والفضل غالبًا، ولا يتدخلون في شؤون القضاء.
3- تمت على أيديهم أعظم الفتوحات الإسلامية، فوصلوا إلى الصين شرقًا، وبلاد الأندلس وجنوب فرنسا غربًا، فبلغت الدولة الإسلامية في عهدهم أقصى اتساع لها عبر التاريخ[1].
4- وتميز عهدهم بإحياء الأرض، وشق القنوات، وبناء المدن، وازدهار العمران والتنمية، ويجب أن لا ننس حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم..». وهم عاشوا في القرن الذي يلي قرن الرسول صلى الله عليه وسلم.
الخلافة الأموية (41- 132هـ) (661- 749م):
- قامت بعد انتهاء الخلافة الراشدة بمقتل علي في رمضان (40هـ/661م). ويعد بدء الدولة الأموية من تنازل الحسن بن علي لمعاوية في (25 ربيع الأول 41هـ/661م).
- وانتهت الدولة بهزيمة الخليفة مروان بن محمد في معركة الزاب في جمادى الأولى عام (132هـ/749م).
فدامت الدولة (91) عام، وتوالى عليها أسرتان، وحكمها (14) خليفة. وكانت دمشق هي عاصمة الأمويين.
1- معاوية بن أبي سفيان (41- 60هـ/661- 679م).
2- يزيد بن معاوية (60- 64هـ/679- 683م).
3- معاوية بن يزيد (64هـ/683م) (40 يومًا فقط).
(64- 73هـ/683- 692م) فترة تداخل إمارة الأمويين مع خلافة عبد الله بن الزبير.
4- مروان بن الحكم (64- 65هـ/683- 684م).
5- عبد الملك بن مروان بن الحكم (65- 86هـ/684- 705م).
6- الوليد بن عبد الملك (86- 96هـ/705- 714م).
7- سليمان بن عبد الملك (96- 99هـ/714- 717م).
8- عمر بن عبد العزيز بن مروان (99- 101هـ/717- 719م).
9- يزيد بن عبد الملك (101- 105هـ/719- 723م).
10- هشام بن عبد الملك (105- 125هـ/723- 742م).
11- الوليد بن يزيد بن عبد الملك (125- 126هـ/742- 743م).
12- يزيد بن الوليد بن عبد الملك (126- 126هـ/743م).
13- إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك (126- 127هـ/743- 744م).
14- مروان بن محمد بن مروان (127- 132هـ/744- 749م).

معاوية بن أبي سفيان (41- 60هـ) (661- 679م):
نسبه: هو معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس.
حياته: أسلم عام الحديبية (6هـ/627م)، وأخفى إِسلامه، وأظهره عام الفتح (8هـ/629م) عندما أسلمت قريش، شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنين والطائف، وأعطي من غنائمها الكثير، وعُد يومها من المؤلفة قلوبهم، ثم حسن إسلامه.
وكان أحد كتاب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، روى عن الرسول صلى الله عليه وسلم (163) حديث، قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعله هاديًا مهديًا، واهدِ به» رواه الترمذي. تُوفي الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عنه راضٍ. شهد اليرموك، وفتح دمشق تحت راية أخيه يزيد، وفتح قيسارية وبعض سواحل بلاد الشام.
جعله عمر بن الخطاب واليًا على بلاد الشام كلها، واستأذن عمر في غزو الروم بحرًا فرفض، غزا أرض الروم ووصل إلى عمورية (قرب أنقرة)، سمح له عثمان بالغزو بحرًا بعد إلحاح منه، فغزا قبرص وفتحها عام (28هـ/648م)، شارك في أعظم معركة بحرية خاضها المسلمون وهي معركة ذات الصواري عام (31هـ/651م).
خلافه مع علي رضي الله عنه:
عندما بويع علي بن أبي طالب بالخلافة.. عزل ولاة الأقاليم، فرفض معاوية العزل، ورفض البيعة، فجرت بينهما معركة صفين، ثم قتل علي على يد أحد الخوارج، فبويع ابنه الحسن، الذي ما لبث أن تنازل لمعاوية حقنًا لدماء المسلمين، وتوحيدًا لكلمتهم، فأصبح معاوية هو الخليفة الشرعي بدءًا من عام (41هـ/661م) (الذي سمي بعام الجماعة).
استقرت الأمور، واستتب الأمن الداخلي، وعادت الفتوحات بعد توقفها بسبب الخلافات الداخلية.
شملت الفتوحات في العهد الأموي ثلاث ميادين:
- ضد الروم في آسيا الصغرى: وقد امتدت فشملت حصار القسطنطينية وبعض جزر البحر المتوسط.
- الشمال الأفريقي: وقد امتدت حتى المحيط ثم عبرت مضيق جبل طارق. وامتدت إلى إسبانيا.
- الميدان الشرقي: امتد شرق العراق، ثم تفرع شمالًا تجاه ما وراء النهر وجنوبًا فشمل بلاد السند.
كانت الفتوحات في عهده واسعة، وعلى جبهتين رئيسيتين:
- بلاد الروم (تركيا): عُمِلت ثغور دائمة هناك، وكانت الحملات مستمرة، وكان الهدف فتح القسطنطينية، حوصرت عام (50هـ/670م) - ثم من (53-61هـ/ 672- 680م) ولم تفتح.
كون معاوية أسطولًا ضخمًا مجهزًا في البحر المتوسط (1700 سفينة)، وحقق به عدة انتصارات، ففتح جزيرة جربا (بتونس) عام (49هـ/669م)، وجزيرة رودوس عام (53هـ/672م)، وجزيرة كريت عام (55هـ/624م)، وجزر بحر إيجه قرب القسطنطينية عام (57هـ/680م).
- في أفريقيا: فتحت بنزرت عام (41هـ/661م)، وفتحت قمونية (قرب القيروان) عام (45هـ/665م)، وسوسة في العام نفسه، وفتح عقبة بن نافع سرت ومغداس وطرابلس وأعاد فتح ودان، ودخل فزان وقفصة، وبنى مدينة القيروان سنة (50هـ/670م). وأخيرًا وصلت الفتوحات إلى المغرب الأوسط (الجزائر). فكان عقبة بن نافع الفهري من أعظم القادة في هذا الميدان.
الجبهة الشرقية تشمل: بلاد ما وراء النهر، والسند.
أما بلاد ما وراء النهر (أو ما بين النهرين)، فهي البلاد الواقعة بين نهري سيحون وجيحون، وأهم ممالكها:
طخارستان (عاصمتها بلخ)، صفانيان (عاصمتها شومان)، الصغد (سمرقند وبخارى)، فرغانة (عاصمتها جخندة)، خوارزم (عاصمتها الجرجانية)، أشروسنه (عاصمتها بنجكث)، الشاش (عاصمتها بنكث)[2].
ومعظم سكان تلك الجهات أمم وثنية، غزا المسلمون بلاد ما وراء النهر عام (41هـ/661م)، ففتحوا سجستان عام (43هـ/663م)، وبعض طخارستان في (45هـ/665م)، ووصلوا إلى قوهستان، وفي عام (55هـ/624م)، وصل عبيد الله بن زياد إلى تلال بخارى، وفي عام (44هـ/664م) غزا المسلمون بلاد السند والهند. وكان سكان تلك البلاد ينكثون مرة بعد أخرى، ولم تستقر الأوضاع نهائيًا إلا في عهد الوليد بن عبد الملك.


في عهد معاوية قامت للخوارج عدة ثورات في الكوفة والبصـرة، فقُضِـيَ عليها، وكان والي البصرة زياد بن أبيه وابنه عبيد الله شديدين جدًا عليهم.
والخوارج بدو أجلاف، شديدو الإيمان، شديدو البأس، يرون أن الناس اثنين مؤمن وكافر، فمن رأى رأيهم مؤمن، ومن خالفه كافر، ورموا عثمان وعليّ ومعاوية بالكفر، فهم حاربوا كل من ليس من جماعتهم، واستباحوا دماء المسلمين، وتسببوا في الكثير من الويلات. ويلاحظ أن أزهى انتصاراتهم كانت خلال عهد الدولة الأموية. وأهم فرقهم الأزارقة، النجدات، الإباضية، العجاردة، والصفرية[3].
أخذ معاوية البيعة لابنه يزيد في حياته، فعارضه بعض الصحابة مثل الحسين ابن علي وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وواجهته مصاعب جمة ومشاكل ومعارضات شديدة. حتى تمكن من هذا الأمر.
سار معاوية في الناس سيرة حسنة، وحرص على جمع الكلمة. ولم يبق معارضًا له إلا عدد من الخوارج وتأثيرهم ضعيف. كان عهد معاوية من أنضـر عهود الخلافة الإسلامية، كان الأمن الداخلي مستتبًا، وكل العناصر المعادية له مغلوبة، وفتوحاته الخارجية مستمرة على كل الجبهات، مجلله بالانتصارات، كما كانت سابقًا.
تُوفي في رجب 60هـ/679م، فكانت خلافته عشرين عامًا. وهو أول من وضع البريد في الإسلام، وأول من اتخذ ديوان الختم.
يزيد بن معاوية 60- 64 هـ/679- 683 م:
هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. وصل إلى الخلافة بعهدٍ من أبيه، فبايعته الأمصار في حياة أبيه، ما عدا نفرًا من المدينة، وقد حاول يزيد إجبارهم، فبايع ابن عمر وابن أبي بكر وابن عباس، أما الحسين وابن الزيير فقد رحلا إلى مكة، ولم يبايعا، وكانا يطمعان في الخلافة.
حدثت فتوحات في أفريقية فقط، وهدأت في باقي الجهات بسبب الأحداث الداخلية والفتن. ففي أفريقيا واصل عقبة بن نافع الفتوحات غربًا، ففتح بلاد المغرب كلها ووصل إلى المحيط الأطلسي، ويروى أن عقبة خاض بفرسه في البحر وقال: (يا رب لولا هذا البحر لمضيت مجاهدًا في سبيلك). ولو كنت أعلم بعده أرضًا وناسًا لخضته إليهم.
ثورات الشيعة كانت ثورات متصلة خلال العهد الأموي، بواعثها كراهية الأمويين، وهدفها إسقاطهم، بل وإضعاف المسلمين جميعًا.
فاجعة كربلاء 10 محرم 61 هـ/680 م[4]:
لم يبايع الحسين بن علي يزيدًا، وطلبه أهل العراق ليبايعوه وألحوا عليه، فخرج إليهم، وأخذ معه أهل بيته وخاصة جماعته، وقد نصحه كثيرون من أصحاب الرأي والمعرفة بعدم الخروج فلم ينتصح (ولعله اجتهد في ذلك فأخطأه التوفيق في اجتهاده) لقيته خيل عبيد الله بن زياد والي البصرة والكوفة، فعدل إلى كربلاء، وهناك خيروه بين الاستسلام أو القتال فاختار القتال، فنشب القتال، فقاتل الحسين وأصحابه قتالًا مستميتًا، إلى أن قتل وكل أصحابه ومعظم أهل بيته، وحمل رأسه مع أهل بيته إلى يزيد، فبكى لما حدث، وأكرم نساء الحسين، ورحلهم إلى المدينة.
وكانت هذه فتنة أيسر ما نقول عنها إنها وسعت باب الفرقة والتهمت الآلاف والملايين من المسلمين، ولا يزال بابها مفتوحًا حتى كتابة هذه السطور.
وقعة الحرة واستباحة المدينة (ذو الحجة 63 هـ/683م):
وصل خبر كربلاء إلى المدينة، فأعلن عبد الله ابن الزبير خلع يزيد، وأخذ البيعة لنفسه، فبايعه أهل المدينة، فأرسل يزيد جيشًا دخل المدينة بعد إمهالها، وواصل الجيش إلى مكة، وكان ابن الزبير قد فر إليها، فحوصرت مكة ورمي البيت بالمنجنيق، ثم مات يزيد أثناء حصار مكة، فرحل الجيش الأموي إلى الشام.
كانت في ربيع أول 64 هـ/683 م، دامت خلافته 4 سنوات.
معاوية (الثاني) بن يزيد 64 هـ/683 م:
تولى بعد أبيه، ولمدة 40 يومًا فقط، ثم تنازل لمرضه وضعفه، واعتزل في بيته، حتى مات بعد 3 أشهر.
