حجم الخط:

محتوى الدرس (6)

الفصل الثالث : الهجرة وبناء الدولة الإسلامية

Adobe Systemsالتآمر على قتل الرسول صلى الله عليه وسلم:

انزعجت قريش من هجرة المسلمين وخافت أن ينضم محمد إلى أتباعه. فيقيم لهم مركزًا حصينًا هناك، فاجتمعت قريش في دار الندوة، وتشاورت في قتل الرسول صلى الله عليه وسلم. فأشار أبو جهل باختيار شاب من كل قبيلة من قريش ومعه سيف ثم يضـربونه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل وتقبل بنو عبد مناف الدية، فاتفقوا على ذلك. فيحكي الله خبر هذه المؤامرة فيقول: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴿ ٣٠ ﴾ ﴾ [الأنفال:30].

Adobe Systemsمراحل الهجرة إلى المدينة:

الخروج من مكة:

جاء جبريل وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما اتفق عليه القوم، وأمره بالهجرة تجمع الكفار حول بيته، فخرج إليهم وذر التراب على رؤوسهم فغشيوا. قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴿ ٩ ﴾ ﴾ [يس:9].

ذهب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر وخرجا معًا. ونام عليٌّ مكانه، فلما استيقظ الكفار دخلوا فوجدوا عليًّا. مضـى الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه إلى غار ثور، وجَدَّت قريش في طلبهما، حتى وصلوا إلى باب الغار. فقال أبو بكر: لو نظر أحدهم إلى قدميه لأبصـرنا، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما. لا تحزن إن الله معنا». قال تعالى: ﴿ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ ﴾ [التوبة:40].

كان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما بالأخبار. وأسماء بنت أبي بكر تأتي بالطعام والشراب، ولبثا في الغار ثلاث أيام ثم سارا إلى المدينة.

قصة سراقة بن مالك:

جعلت قريش لمن يأتي بالرسول مائة ناقة، فجد الناس في طلبه، وكان منهم سراقة، وكان قصاص أثر، فوجد الرسول صلى الله عليه وسلم ولما اقترب منهم، دعا عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، فغاصت قدما فرسه في الأرض. وتكرر ذلك، فقال: (إن الذي أصابني بدعائكما، فادعوا الله لي، ولكما أن أرد الناس عنكما)، فدعا له الرسول صلى الله عليه وسلم. ووعده حينها بسواري كسرى، (وتحققت له هذه النبوءة بعد فتح فارس).

قصة أم معبد:

مروا بخيمة أم معبد الخزاعية، ولم يكن عندها طعامٌ أو شرابٌ. فمسح الرسول صلى الله عليه وسلم بيده ضرع شاةٍ عازبة مريضة جاهدة، فتدفقت حليبًا فسقاهم وشرب، ثم واصلوا السير.

دخول الرسول إلى يثرب (سنة 13 من البعثة، 1هـ، 622م):

كان الأنصار وهم الأوس والخزرج يترقبون وصول الرسول صلى الله عليه وسلم بشوق. ولما وصل خرجوا إليه فرحبوا به، فما فرحوا بشيء كفرحهم به، نزل الرسول صلى الله عليه وسلم بقباء خمسة أيام. فأسس مسجد قباء، وهو أول مسجد أسس بعد النبوة. ثم ركب نحو يثرب، فلما دخلها بادر أهل كل حي من أحيائها بأخذ خطام راحلته، وهو يقول: «خلوا سبيلها، فإنها مأمورة» حتى بركت في موضع بني النجار، فنزل عند أبي أيوب، وأقام عنده.

وضع أسس المجتمع الإسلامي:

[تمهيد]

لم يقم المسلمون مجتمعًا إسلاميًا في مكة. لكونهم قلة مضطهدة، وبدأ الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة بوضع هذه الأسس العظيمة لخير مجتمع يترقبه التاريخ.

وأهم أسس هذا المجتمع الجديد:

1- بناء المسجد النبوي:

بركت الناقة عند موضع المسجد، فأمرهم ببنائه، وبنى معهم، وكان ينقل اللبن والحجارة بنفسه، وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وجعل عُمده الجذوع، وسقفه الجريد، وبنى حُجَر أزواجه إلى جانبي المسجد، فلما انتهي بنى بعائشة في شوال. وكان المسلمون يلتقون في هذا المسجد للعبادة والتعلم والقضاء والبيع والشـراء والاحتفالات، وكان عاملًا كبيرًا في التقريب بينهم.

2- المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار:

آخى النبي بينهم، فاقتسموا البيوت والأموال، وكانت لهذه المؤاخاة قوة أخوة النسب، وبهذه المؤاخاة خلق الرسول صلى الله عليه وسلم وحدة دينية بدل الوحدة القبلية.

3- معاهدة التعاون بين المسلمين وغير المسلمين:

كان بالمدينة ثلاث طوائف: المسلمون، والعرب الغير مسلمين، واليهود (بنو النضير وبنو قريظة وبنو قينقاع)، فوضع الرسول صلى الله عليه وسلم معاهدة لضمان الأمن والسلام، ولخلق جو من التعاون والتسامح بين هذه الطوائف.

4- وضع الأسس السياسية والاقتصادية والاجتماعية:

الإسلام دين ودولة. فكان لزامًا وضع هذه الأسس، فاتجهت آيات كثيرة من القرآن في هذه الفترة إلى التشريع في كافة هذه الجوانب، كما شرح الرسول صلى الله عليه وسلم كل ذلك بقوله وعمله[1].

فعاشت المدينة الحياة الفاضلة، السامية، فأخوة صادقة، وتكافل تام بين أفراد المجتمع. تكون بذلك أول مجتمع إسلامي وضع الرسول عليه السلام أسسه الخالدة.

الفصل الرابع : الجهاد في سبيل الله

Adobe Systemsسبب الجهاد والقتال:

[مدخل]

لا توجد آية واحدة في القرآن الكريم، أو حادثة واحدة في تاريخ صدر الإسلام تشير إلى أن الإسلام انتشر بالقوة، أو أن القتال في الإسلام كان لحمل الناس على اعتناقه، وإنما كان القتال لرد العدوان وحماية الدعوة وحرية الدين.

بعد مضي ستة شهور من الهجرة، كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد وطد الجبهة الداخلية، ونظم أمورها، وبدأ يستعد للجبهة الخارجية، والقتال المنتظر.

تدرج الجهاد:

في البداية جاء الأمر للمسلمين بالكف والصفح عن المشركين، فلما قويت شوكتهم أذن لهم بالجهاد ولم يفرضه عليهم. قال تعالى: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴿ ٣٩ ﴾ ﴾ [الحج:39]. ثم فرض عليهم قتال من يقاتلهم. قال تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ﴾ [البقرة:190]. ثم فُرِض قتال المشركين كافة: ﴿ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً ﴾ [التوبة:36].

يقول المؤرخون إن الرسول صلى الله عليه وسلم اشترك في (27) غزوة، وقاتل في (9) منها، وأنه أرسل ما يقرب من (60) سرية.

وسنكتفي هنا بالحديث عن الغزوات والسرايا ذات الأثر في سير الإسلام.

أول لواء في الإسلام[2]:

كانت بقيادة حمزة في (30) مهاجرًا، وقد اعترضوا عيرًا لقريش، ولم يتقاتلوا، ثم بعث لواء بقيادة أبي عبيدة بن الجراح، ثم لواء عليه سعد بن أبي وقاص. وكانت عير قريش تفوتها. وكان ذلك في عام (1 هـ).

Adobe Systemsالغزوات في عام (2هـ/623م):

غزوة الأبواء:

أول غزوة خرج فيها صلى الله عليه وسلم بنفسه مع مجموعة من المهاجرين يعترض قافلة لقريش ففاتته، ثم خرج في غزوات بوط وودان والعشيرة لاصطياد قوافل قريش ففاتته كلها، وأبقى بعض الصحابة لانتظار عودة قافلة أبي سفيان العظيمة من الشام.

بعث عبد الله بن جحش:

بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم في (18) مهاجرًا إلى نخلة (بين مكة والطائف) يرصدون عير قريش، فمرت بهم عير، فقتلوا أميرها عمرو بن الحضـرمي، وأسروا اثنين. واستولوا على القافلة، فكان ذلك أول قتل وأسر في الإسلام. فأنكره الرسول صلى الله عليه وسلم لكونه في الأشهر الحرم. واشتد إنكار قريش، فقالوا: (أحل محمد الشهر الحرام)، فأنزل الله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ ﴾ ...الآية [البقرة:217].

وقعة بدر الكبرى (17 رمضان 2هـ/623م):

سبب المعركة:

كان لابد من هذه المواجهة بين محمد وصحبه وبين قريش فهو بالإضافة إلى تهديد أوثان قريش وزلزلة مكانتها الدينية، يهدد أيضًا تجارتها الصاعدة والهابطة بين مكة والشام.

وحدثت حادثة صغيرة كانت هي السبب المباشر لهذه المعركة. عادت قافلة أبي سفيان من الشام، فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم في (314) مهاجرًا لملاقاتها. فعلم أبو سفيان وحث قريشًا على إنقاذ قافلتهم. ولما علم الرسول صلى الله عليه وسلم استشار الصحابة، فتكلم المهاجرون وأحسنوا فكررها، فعلم الأنصار أنه يعنيهم. فقال سعد بن معاذ: «امضِ بنا حيث شئت؛ فوالله لئن استعرضت بنا البحر لخضناه»، وتكلم غيره. فأشرق وجه الرسول صلى الله عليه وسلم. وخرجوا. غيَّر أبو سفيان طريق القافلة فنجا. ولكن أبا جهل صمم على الخروج ومعه (950) رجلًا. عسكروا في بدر، استنصـر الرسول صلى الله عليه وسلم ربه، وبالغ في التضرع ومما قال: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك. اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض بعد..» فأنزل الله: ﴿ بَلَىٰ ۚ إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴿ ١٢٥ ﴾ ﴾ [آل عمران:125]. ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه بالصبر والثبات.

فعاليات المعركة ونتائجها:

ونشبت المعركة وقد بدأت بالمبارزة. أنزل الله ملائكته تقاتل مع المؤمنين. فنصـر الله جنده، وقتل فيها أكابر صناديد قريش كأبي جهل، وأمية بن خلف، وعتبة وشيبة ابن ربيعة، والوليد بن عتبة وغيرهم. فقتلوا سبعين وأسروا سبعين، واستشهد من المؤمنين أربعة عشر. فقسَّم الرسول صلى الله عليه وسلم الغنائم، وأما الأسرى فقد أشار عمر بقتلهم، وأشار أبو بكر بمفاداتهم، فأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم برأي أبي بكر، فنزل الوحي معاتبًا الرسول صلى الله عليه وسلم، موافقًا لرأي عمر. قال تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿ ٦٧ ﴾ ﴾ [الأنفال:67]. ونزلت سورة الأنفال في وصف هذه الغزوة.

أهمية غزوة بدر:

- كانت موقعة بدر ذات أثر كبير في إعلاء شأن الإسلام، فهي الغزوة الأولى التي انتصر فيها المسلمون انتصارًا حقيقيًا حاسمًا فكانت أساسًا متينًا لمستقبل الإسلام، ولذلك سماها القرآن (يوم الفرقان) لأنها فرقت بين الحق والباطل. فأعزت أهل الحق وأذلت أهل الباطل.

- وقد وضعت سورة الأنفال التي نزلت في هذه المعركة أدق التعاليم الإسلامية للحروب مثل: الاستعداد لملاقاة العدو، الوحدة وعدم التنازع، الثبات في المعركة، ذكر الله عند الشدائد خاصة.

- وهناك تشريعات إسلامية ارتبطت بغزوة بدر: كالمشورة، والتحذير من البحث عن الأهداف المادية في الحروب، والحرص على إعلاء كلمة الله، وتشريع توزيع الغنائم، لكل هذا كانت لغزوة بدر أهمية خاصة.

ظهور المنافقين:

ظهر المنافقون بعد معركة بدر، وعلى رأسهم عبد الله بن أبيّ بن سلول، واستمر عملهم الخفي ضد الإسلام.

خروج السرايا والغزوات:

خرج الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة بجيشه لمحاولة الاستيلاء على قوافل قريش، وتارة كان صلى الله عليه وسلم يرسل سرايا لنفس الغرض.

غزوة بني قينقاع:

وهم من يهود المدينة. نقضوا العهد فهددوا المسلمين فحاصرهم الرسول صلى الله عليه وسلم، فقذف الله في قلوبهم الرعب، ثم استسلموا فأجلاهم عن المدينة دون سلاح.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة