5- هارون الرشيد 170- 193 هـ/786- 808 م:
هو هارون الرشيد بن المهدي. درة التاج العباسي، ويعتبر بحق أحد عظماء الملوك في التاريخ، وفي عهده شمل الرخاء الإمبراطورية الإسلامية على نحو لم يتوافر من قبل. بلغت الدولة في أيامه قمة أوجها وعظمتها واستقرارها. واكتملت لها ألوان من العظمة والقوة والمجد العلمي. وكانت الدولة مهيبة الجانب عظيمة القدر. يقول السيوطي: (إن أيام الرشيد كانت كلها أيام خير. كأنها في حسنها أعراس وأعياد).
وكان شجاعًا، قاد الجيوش إلى بلاد الروم، فأخضعهم في عهد أبيه وهو في سن العشرين، وكان تقيًا يخشى الله في أموره كلها. حج تسعة مواسم، فشاع بين الناس أنه يحج عامًا، ويغزو عامًا. وكان يستمع إلى الوعاظ، فيبكي من خشية الله. فكان من أفاضل الخلفاء وفصحائهم وعلمائهم وكرمائهم. ومن فضائله رعايته للعلم وتأسيسه (بيت الحكمة) ذلك المعهد الذي كان المنار للثقافة والفكر في العالم آنذاك، والذي انبعثت منه الشعلة التي أضاءت الطريق للنهضة الأوروبية فيما بعد[1].
وقد أشيعت الشائعات المغرضة، الباطلة حول الرشيد، ووجهت له التهم بصفته أعظم خلفاء بني العباس، فأشاعوا عن لهوه وكأسه وعرضه.
كان عهده هادئًا مستقرًا، فلم تقم أي أحداث بارزة.
ثورة يحيى بن عبد الله (من ذرية الحسن بن علي): ثار في بلاد الديلم، وأخضع بعض الأقاليم سنة 176 هـ/792 م، فقضى عليه الرشيد سنة 180 هـ/796 م.
هبت للخوارج عاصفة قوية في عهد الرشيد كان يقودها رجل ذو بأس شديد، هو الوليد بن طريف (الشاري).
وقامت ثورته سنة 178 هـ في الجزيرة، واستطاعت جيوش الخلافة القضاء عليه بعد جهد جهيد.
الزنادقة: تغلبوا على جرجان وعاثوا فيها بالفساد، فقضي عليهم سنة 181 هـ/797 م.
نكبة البرامكة: وهم من أصل فارسي مجوسي. وكان لهم نفوذ كبير وسيطرة واسعة أيام الرشيد. حيث جعلهم أمراء ووزراء، فتحكموا بالدولة ومقدراتها. ثم قضى عليهم الرشيد. وأنهى وجودهم سنة 187 هـ/802 م، لأسباب غير واضحة، واختلف المؤرخون كثيرًا في تلك الأسباب.
ثورة خراسان: قامت ثورة عنيفة في خراسان قادها رافع بن ليث بن نصر بن سيار نتيجة استبداد وتعسف والي خراسان، فعزل الرشيد هذا الوالي وحبسه ولكن الثورة استمرت، وقد استمر رافع في سلطانه حتى خضع للمأمون.
فتح هرقلة: كان الغزو في بلاد الروم لا ينقطع، ويقوده الرشيد بنفسه أحيانًا، وفي عام 187 هـ/802 م. نقض الروم بعد أن ولوا عليهم نقفور، الذي كتب إلى الرشيد (من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب. إذا قرأت كتابي هذا، فاردد إلي ما حمل إليك من الأموال، وافتد نفسك، وإلا فالسيف بيننا وبينك). فغضب الرشيد غضبًا شديدًا. وكتب إليه: (من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قرأت كتابك يا ابن الكافرة. والجواب ما تراه دون ما تسمعه وسار إليه من فوره على جيش كبير). حتى دخل مدينة (هرقلة) وهي من أشرف مدن روما، وانتصـر عليهم، وأسر ابنة ملكهم، وغنم الكثير. وفرض عليهم الجزية. ونقض أهل قبرص فأخضعهم.
عهد من بعده لولديه الأمين ثم المأمون، وكان ذلك باب فتنة هوجاء هبت عقب وفاته بين الأخوين. فأكلت الآلاف من المسلمين.
وتُوفي الرشيد عام 193 هـ/808 م. دام حكمه ثلاثة وعشرون عامًا.
6- محمد الأمين 193- 198 هـ/808- 813 م:
هو محمد الأمين بن هارون الرشيد، وأمه زبيدة بنت جعفر بن المنصور، وليس في خلفاء بني العباس من أمه وأبوه هاشميان سواه.
كان أبوه قد أخذ البيعة له ثم لأخيه المأمون من بعده، ثم القاسم وولاه العراق.
وولى المأمون المشرق (خراسان) وكان الرشيد قد أخذ لهما البيعة في مكة وأقسمهما على عدم الاختلاف وأشهد عليهما جميع من حضر، ووضع كتاب البيعة في جوف الكعبة.
فقام الفضل بن الربيع (وزير الأمين الفارسي) بإغرائه بخلع أخيه المأمون ومبايعة ابنه موسى، ففعل، ومزق كتاب البيعة. فخرج عليه المأمون.
الصراع على السلطة ونهاية الأمين:
في عام 195 هـ/810 م، أرسل الأمين جيشين لقتال أخيه، فهزمها طاهر ابن الحسين قائد المأمون وفي 196 هـ/811 م ألحق بهم هزيمة أخرى منكرة.
ثم سار طاهر إلى بغداد فحاصرها وضيق في حصارها. فانفض أتباع الأمين من حوله. وزاد اتباع المأمون. ودخل جيش المأمون في بغداد سنة 198 هـ/813 م. فاستحر القتال بين الطرفين، فانهزم الأمين وفرَّ، ثم قتل في عام 198 هـ/813 م.
وقد كان الأمين كثير اللهو، ومحبًا للصيد، تاركًا أمور الدولة. وتروى عنه كتب التاريخ أنه كان خالعًا مسرفًا في التهتك والمجون[2].
استمرت خلافته خمس سنوات.