الفصل الرابع :
العصر العباسي الثاني (247- 656هـ) (861- 1258م)
تمتد هذه المرحلة من عام 247هـ/861م إلى عام 656 هـ/1258م. أي أكثر من 400عام.
1- ضعف الخلفاء، وسيطرة العسكريين على مركز الخلافة.
2- نشوء دويلات كثيرة نتيجة بروز قادة استقلوا في مناطقهم واعترف بهم الخليفة.
3- ظهور نتائج الحضارة الإسلامية السابقة، لهذا العصـر، على شكل علوم، وعمران، ورفاهية، وترف.
4- قيام حركات ادعاء النسب الهاشمي، والحركات الباطنية.
5- الغزو الصليبي لبلاد المسلمين.
6- الغزو المغولي، والقضاء على الخلافة العباسية وسقوط بغداد عام 656هـ/1258م[1].
[مخطط خلفاء العصر العباسي الثاني]

أهم أحداث فترة الدولة العباسية الثانية (247- 656 هـ/ 861- 1258م)
الفترة (247- 334 هـ/861- 945م) هي فترة سيطرة العسكريين الأتراك على الخلفاء الضعفاء، فهم الذين يختارون الخليفة، ويخلعونه، ويقتلونه كما يشاؤون، وكان الخليفة المعتصم هو الذي استقدم الترك لتعبئة الجيوش لهم.
وقد استقدمهم المعتصم من بلاد ما وراء النهر، وأسند لهم في البداية أمر سلامته الشخصية فجعل منهم حرسه الخاص، ثم أدخلهم في جيشه، واستطاعوا بشجاعتهم وبطولاتهم أن ينالوا تقدير الخليفة. فوصلوا إلى القمة والقيادة في أمور الحرب.
ولم يدر أنه بتصرفه هذا وقع وأوقع أولاده وأوقع الدولة الإسلامية في شر مرير على أيدي هؤلاء الأتراك-كما ذكرنا آنفًا-.
وقد بدأ شرهم يظهر في عهد المعتصم، فاعتدوا على كثير من الناس في بغداد، واعتدى الناس عليهم، وكثرت الشكوى، فبنى المعتصم مدينة سامراء (سرى من رأى) وانتقل إليها ونقل إليها جيشه.
وأخذ هؤلاء يخططون للوصول إلى السلطة في الدولة، حتى استطاعوا قتل المتوكل واكتمل سلطانهم في عهد المنتصر. فصارت لهم السيطرة الكاملة، فكانوا يعينون من شاؤوا ويخلعون من أرادوا، وتعرض الخلفاء لأشد إيذاء على أيديهم، فقتلوا وسجنوا وعذبوا وخلعوا.
وفي عهد المعتمد والمعتضد (256- 289هـ) شهدت الخلافة فترة صحوة واستعادت قوتها وهيبتها. وعاد الضعف بعد ذلك.
ثورة الزنج 255- 270 هـ/868- 883 م:
أثار الزنج وهم طائفة من عبيد أفريقية الخوف والرعب في حاضرة الدولة العباسية أكثر من 14 عامًا، كان يقودهم رجل فارسي يدعى علي بن محمد، من أهالي الطالقان، ادعى أنه من ولد علي زين العابدين بن الحسين، وادعى الغيب والنبوة، وجهر بعقائد الخوارج ودعى إلى تحرير العبيد فانضم إليه الكثيرون وقويت شوكته، قدم إلى العراق والبحرين ثم قدم بغداد عام 254 هـ/868 م، وبنى له مدينة سماها (المختارة)، انتشرت جيوشه في العراق وخوزستان والبحرين، واستولوا على سفن الحجاج، وكانوا يدمرون المدن ويذبحون سكانها. انتصروا على الجيش العباسي في كثير من المواقع، واستولوا على مدينة الأبلة الفارسية، والأهواز وعبادان والبصرة عام 257 هـ/870 م، وواسط عام 267 هـ/880 م، فخرج المعتمد العباسي يقود الجيوش بنفسه فأجلاهم عن الأهواز، ثم حاصر المختارة، وتمكن من قتل زعيمهم الخبيث وتفرق من معه، وانتهت الثورة عام 270 هـ/883 م. وسقط فيها مليونان ونصف (في رواية ابن طباطبا)[2]، ومليون ونصف (في رواية السيوطي)[3].
حركة القرامطة 277- 470 هـ/890- 1077 م:
وهم فرقة دينية باطنية، تستند في مبدئها الأساسي إلى أن لكل ظاهر باطن، فآيات القرآن لها ظاهر ولها باطن ولا يعرف هذا الباطن إلا الإمام العلوي، والمذهب الباطني ينحدر من الفكر الفارسي الخبيث الفاسد.
وهم فرقة ضالة منحرفة، ادعوا التشيع في بدايتهم إلى الإسماعيلية، ثم دعوا إلى أنفسهم وتفرقوا إلى فرق، وينسبون إلى مؤسس دولتهم حمدان بن الأشعث الملقب بـ (قرمط)، وهو يمني الأصل تلقى الباطنية من فارسي يدعى حسين الأهوازي، وقد تزعم الحركة في الكوفة سنة 277 هـ/890م، وامتد نشاطهم إلى الشام والخليج العربي ثم اليمن والحجاز.
استطاع الخليفة العباسي المعتضد أن يقضـي عليهم قضاءً مبرمًا في العراق ثم في سوريا بعد عدة حروب طاحنة وبقيت أكبر قوة لهم في البحرين والإحساء.
وكان أول دعاتهم في البحرين أبو سعيد حسين الجنابي (287- 301هـ) وبنى ابنه سليمان (301- 332هـ) مدينة الإحساء على أنقاض هجر عام 317 هـ/929 م، وجعلها عاصمته، وارتكب مذابح عظيمة في البصرة والكوفة.
وفي عام 317 هـ هاجم مكة والمدينة، فدخل مكة أيام الحج وارتكب مذبحة عظيمة فقتل الحجاج ورمى بجثثهم في بئر زمزم، ثم اقتلع الحجر الأسود، وجرد الكعبة من كسوتها وحمل ذلك إلى الإحساء. وظلت حوالي عشرين عامًا، ثم أعيدت بشفاعة حاكم مصر الفاطمي عام 339 هـ/950 م.
في عام 462 هـ/1069 م انتصر عليهم عبد الله العيوني بمساعدة العباسيين والسلاجقة فأخرجهم من أوال ثم من البحرين، وأخيرًا حدثت في الأحساء معركة الخندق فقضت على دولة القرامطة نهائيًا عام 470 هـ/1077 م، وحلت محلها الدولة العيونية.
الفترة (334- 447 هـ/945- 1055م) هي فترة سيطرة البويهيين على الخلفاء وهم شيعة من بلاد الديلم حاقدين على الإسلام، بدرت منهم أعمال منكرة ضد الإسلام.
تميزت هذه الفترة بسيطرة الشيعة على مناطق واسعة، حيث قامت لهم ممالك ودول، فالدولة البويهية حكمت العراق وفارس والري والكرج والأهواز. والدولة العبيدية (الفاطمية) دانت لها المغرب ثم مصـر وأجزاء من الشام. والدولة الحمدانية في الموصل والشام، والقرامطة حكموا البحرين والحجاز. والدولة السامانية قامت في بلاد ما وراء النهر.
في هذه الفترة وضعت أسس ومبادئ التشيع، ووضع عن آل البيت أقوال وأفعال لم تصدر عنهم أبدًا (نتيجة هيمنة الدول الشيعية)، وكثر القتال وزادت الفتن بين السنة والشيعة.
منذ عام 350 هـ/961 م مالت كفة الروم على المسلمين، فازداد هجومهم على بلاد الشام واحتلوا بعض أجزائها، وأبرز من تصدى لهم الدولة الحمدانية. ولكن تشيعهم وضعفهم شجع الروم على التمادي.
معركة ملاذكرد عام 463 هـ/1071 م:
وقعت بين السلاجقة المسلمين بقيادة آلب أرسلان، والروم البيزنطيين، انتصـر المسلمون انتصارًا عظيمًا، وسيطروا على آسيا الصغرى، فضموا إلى ديار الإسلام مساحة تزيد على 400 ألف كم2[4]. وطرد سلطان الروم من آسيا نهائيًا.
وتعد هذه المعركة نقطة تحول في التاريخ الإسلامي بصفة عامة وتاريخ غربي آسيا بصفة خاصة، لأنها يسرت القضاء على نفوذ الروم في أكثر أجزاء آسيا الصغرى. وفتحت الطريق لزحف جديد. وقد كان ذلك مثيرًا لأوروبا. فكان من العوامل التي سببت الحروب الصليبية[5].
الفترة (447- 656 هـ/1055- 1258م) هي فترة سيطرة السلاجقة على مركز الخلافة وهم مسلمون سنيون، من قبائل الغز التركية.
في هذه المرحلة ضعف أمر الشيعة بعد أن انقرضت أكثر دولهم: الحمدانية، السامانية، البويهية، القرامطة، وضعف العبيديون.
في هذه الفترة حصلت الحملات الصليبية الأوروبية الحاقدة على بلاد المسلمين (الأندلس، الشام، مصر)، واحتلوا بلاد الشام.
برزت دول في هذه المرحلة كان لها أثر كبير في محاربة الصليبيين، كدولة المرابطين ثم الموحدين (في المغرب والأندلس)، والدولة الزنكية ثم الأيوبية (في مصـر والشام)، وسيأتي الحديث عنها.