حجم الخط:

محتوى الدرس (37)

الباب السابع: العهد العثماني والحديث (923- 1342هـ) (1517- 1923م).

«لتفتحن القسطنطينية، ولنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش».

رواه ابن حنبل في مسنده.

الفصل الأول : تاريخ الدولة العثمانية

[تمهيد]

المرحلة التاريخية (923- 1342هـ) من التاريخ الإسلامي نطلق عليها العهد العثماني، لأن الحكم العثماني امتد على أوسع رقعة من مساحة الأمصار الإسلامية، ولمدة خمسة قرون ظلت الدولة العثمانية تؤدي الدور الأول والوحيد في حماية المسلمين. وكانت مركز الخلافة الإسلامية لكونها أقوى دولة إسلامية آنذاك. بل ومن أعظم دول العالم، ورغم أنها ظهرت منذ عام 699 هـ/1299 م إلا أنها لم تكن خلافة، ولم يعلن العثمانيون خلافتهم حتى سلمهم إياها الخليفة العباسي في القاهرة سنة 923 هـ/1517 م.

ولما ضعف أمرها اجتمعت عليها الدول النصرانية، ولم يجتمعوا على شيء كاجتماعهم على المسألة الشرقية أو كيفية التهام الرجل المريض. كما كانوا يطلقون على الدولة العثمانية أبان ضعفها. فأخذوا يقتطعون من الدولة جزءًا بعد آخر حتى سقطت صريعة، وماتت آخر خلافة إسلامية، وتشتت أمر المسلمين وانقسموا فرقًا وشيعًا ودويلات.

ويعتبر تاريخ الخلافة العثمانية من التاريخ الغامض الذي تحيط به الشبهات، وذلك راجع إلى الانحراف في تدوينه، لأنه مدون من قبل أعدائهم، فالذين دونوه هم الغربيون وهم غير منصفين. أو العرب أبان فترة صراعهم مع العثمانيين أو الأتراك العلمانيين بعد سقوط الخلافة وكانوا خاضعين للنظام الجديد[1].

وحتى ننصف هذه المرحلة سنذكر جوانبها الإيجابية والسلبية حسب ما توصلنا إليه من خلال مراجع عدة.

Adobe Systemsحسنات الخلافة العثمانية:

1- توسعة مساحة الأرض الإسلامية: ويكفي أنها فتحت القسطنطينية، ونتذكر هنا حديت الرسول صلى الله عليه وسلم: «لتفتحن القسطنطينية، ولنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش». وقد تقدمت في أوروبا حتى أنها وصلت إلى النمسا وحاصرتها أكثر من مرة، كما أنها استولت على كل جزر البحر المتوسط وجذبت لها الإسلام.

2- الوقوف في وجه الصليبيين على مختلف الجبهات: فتقدموا في أوروبا الشرقية لتخفيف ضغط النصارى على الأندلس ولكن الأندلس سقطت لشدة ضعفها، وأنهوا الوجود البرتغالي في بلاد المسلمين. وجدير بالذكر أن الزحف البرتغالي كان من خططه السيطرة على البحر الأحمر واجتياح الحجاز والاستيلاء على قبر الرسول صلى الله عليه وسلم. ولكن الوجود العثماني منعهم، ووقفوا في وجه الأسبان عندما حاولوا الاستيلاء على بلاد المغرب بعد سقوط الأندلس. ودعموا المسلمين ضد الروس في أواسط آسيا ومنطقة البحر الأسود.

3- الإمبراطورية العثمانية تواجه الصهيونية: كان حلم اليهود منذ زمن بعيد إقامة وطن لهم في فلسطين. وفي هذه الفترة زاد نشاطهم، ويذكر أنهم قدموا عروض خيالية مغرية للسلطان عبد الحميد الثاني لنيل موافقته، فواجهوا الرفض بكل قوة وإصرار. كما أن العثمانيين منعوا اليهود من الإقامة بمنطقة سيناء بمصر.

4- الإمبراطورية العثمانية حاربت الشيعة الرافضة المتمثلين في الدولة الصفوية، وقد كان المسلمون في بلاد الخليج والعراق يعانون أشد المعاناة من هؤلاء الرافضة.

5- عملوا على نشر الإسلام: وقد أسلمت أكثر قبائل الشـركس على أيديهم، ونشروا الإسلام في البلاد التي وصلوها في أوروبا وأفريقيا.

6- أن دخول العثمانيين في بعض الأمصار الإسلامية حماها من بلاء الاستعمار الذي ابتليت به غيرها.

7- كانت تضم أكثر أجزاء البلاد الإسلامية (تجاوزت مساحتها 20 مليون كم2).

8- كانت أوروبا تحارب العثمانيين على أنهم مسلمون لا بصفتهم ترك، فدافعها كان الحقد الصليبي، وهي ترى أنهم أحيوا الجهاد الإسلامي من جديد.

9- كانت تمثل المسلمين، فهي مركز الخلافة، ولا يوجد سوى خليفة واحد في ديار المسلمين. لذا فهو رمز للمسلمين وينظرون إليه نظرة تقدير وإجلال واحترام.

Adobe Systemsسيئات الخلافة العثمانية:

1- في قمة السيئات نظام الحكم المطلق الذي يضع مقدرات هذه الإمبراطورية الفسيحة في يد شخص واحد هو السلطان، وسلطانه بلا حدود.

2- الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية، فمالية الدولة فاسدة، ولا توجد ميزانية ولا إصلاحات، والرشوة تملأ كل مكان، والحرية مفقودة، والمصادرات تهدد كل مالك، والجواسيس منتشرون في كل مكان بينما السلطان لا يهمه إلا هواه وشهواته.

3- توالي السلاطين المنحرفين الطغاة على الحكم، وشهد القرن 13 هـ/19م مجموعة من أشد الخلفاء استبدادًا وأعنفهم بطشًا، بدأت بمصطفي الرابع، فمحمود الثاني، فعبد المجيد الأول، فعبد العزيز، فمراد الخامس، وأخيرًا عبد الحميد الثاني.

4- إضعاف العرب (خوفًا من بروزهم) فعزلوهم عن الوظائف المرموقة وأهملوهم تمامًا، فأصبح العرب في هذه الفترة جهلاء، مرضى، متخلفون، فقراء.

5- إهمال اللغة العربية التي هي لغة القرآن والحديث الشـريف وهما المصدر الأساسي للتشريع.

6- عدم الوعي الإسلامي الصحيح لديهم، وعدم فهم الإسلام على أنه منهج حياة متكامل، فكان كثيرون منهم لا يعرفون من الإسلام سوى العبادات.

7- كانوا يحرصون على تغيير الولاة باستمرار، وخاصة في أواخر عهدهم خوفًا من استقلالهم بولاياتهم. وهذا يؤدي إلى عدم معرفة الوالي الجديد بالمنطقة، وبالتالي إهمال شئونها.

8- عرف بعض السلاطين قتل إخوتهم خوفًا من المنافسة.

9- كان بعضهم يتزوجون من النصرانيات لجمالهن فقط، ورغم جواز ذلك، فإن فيه إساءة كبيرة للأمة، لأنها قد تأثر على زوجها أو أبنائها السلاطين، أو تكون عين لقومها ضد المسلمين.

10- سار العثمانيون على الحكم الوراثي كالأمويين والعباسيين، وكلهم مخالف للسنة.

11- أعطوا العسكريين أكثر من حقهم، مما دعاهم إلى التسلط والتدخل في شؤون الحكم، حتى أفسدوا وطغوا.

12- كان العثمانيون يكتفون من البلاد المفتوحة بالخراج ويتركون السكان على وضعهم القائم من العقيدة واللغة والعادات، فالحرص على نشر الإسلام لم يكن بالقدر المطلوب.

13- عندما أصبحت الخلافة ضعيفة في أواخر عهدها، ركز الجميع على النواحي السلبية فقط، فسلطت عليها الأضواء إلى أن سقطت الدولة.

Adobe Systemsالأناضول قبل العثمانيين:

كانت بلاد الأناضول (آسيا الصغرى) من أملاك الإمبراطورية البيزنطية (رومانيا الشرقية) قبل الإسلام. وصلت الفتوحات الإسلامية إلى أجزائها الشرقية، من أطراف أرمينيا وحتى ذرا جبال طوروس. وعجز المسلمون منذ عام 50 هـ أيام معاوية عن فتح القسطنطينية. وتكرر الغزو مرات عديدة بلا نتيجة.

بعد معركة ملاذكرد عام 463 هـ/1071 م والتي انتصر فيها السلاجقة انتصارًا مبينًا على الروم انساحوا في بلاد الأناضول وكونوا لهم إمارات، أبرزها إمارات سلاجقة الروم.

وقعت الأناضول في قبضة المغول، فسيطروا على سلاجقة الروم، فصاروا حربًا مع المغول ضد المسلمين، وذلك عام 641 هـ/1243 م[2].

بعد هزيمة المغول في عين جالوت 658 هـ/1259 م. سار الظاهر بيبرس إلى سلاجقة الروم والمغول وألحق بهم هزيمة كبيرة تأديبًا لهم سنة 675 هـ/1276 م، مع ضعف المغول تفككت دولة سلاجقة الروم إلى إمارات كثيرة، ضعيفة ومتناحرة (انظر الخريطة)، قضت عليها الدولة العثمانية في أوقات متفاوتة ووحدت المنطقة تحت رايتها.

7

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة