حجم الخط:

محتوى الدرس (5)

3 - جوانب التربية الإسلامية:

[بداية]:

ليس ثمة ريب في أن التربية الإسلامية شاملة ومتكاملة ومتوازنة؛ تشمل كل جوانب شخصية المسلم، وهذا يدعونا إلي التساؤل عن مجالات التربية الإسلامية، فإذا كان للتربية الإسلامية أهدافٌ واضحة ومحددة على النحو الذي ذكرناه، فإنه لا بد أن يكون لها مجالاتها، وهذه المجالات تشكل جوانب شخصية المسلم؛ بحيث لا يطغي جانب على آخر.

وجوانب الشخصية المسلمة التي تهتم بها التربية الإسلامية جوانب متعددة؛ منها: الجانب العقدي، والجانب الجسدي، والجانب العقلي، والجانب الاجتماعي، والجانب النفسي، والجانب الجمالي، وسوف نشير فيما يلي إلى بعض هذه الجوانب:

1) التربية العَقَدِيَّةُ:

[هدف التربية العَقَدِيَّةُ]:

إن التربية الْعَقَدِيَّةَ ما هي إلا مجال واحدٌ من مجالات التربية الإسلامية، إلا أنها أهم هذه المجالات؛ لأنها المحركة للفرد والقوة الدافعة إلى العمل، والموجهة إلي غايات وأعمال سامية.

والتربية العقدية هي أساس الدين وأساس بناء الأمة الإسلامية؛ فبقدر ما تكون العقيدة قوية في الأمة تكون هذه الأمة قوية متماسكة ملتزمة بالسلوك الذي تقتضيه هذه العقيدة.

وتهدف التربية العقدية إلى تكوين إنسان عالم رباني يتعلم لوجه الله لا لنيل الشهادات والحصول على الوظائف، ولا لكسب المال أو الجاه، بل يتعلم ليعمل بعلمه وليعلم الآخرين ما استطاع إلى ذلك سبيلا؛ قال تعالى: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران: ٧٩].

ومن أهم جوانب التربية العقدية:

العمل على وضع منظار إيماني على أعين المتعلمين بحيث يستطيعون رؤية عظمة الله وحكمته في كل شيء يحللونه أو يدرسونه في المجالات العلمية المختلفة، حتى يصبحوا كالعالم المتخصص الذي يقول: أينما توجهت ببصري في دنيا العلوم رأيت أدلة الله على التصميم والإبداع وعلى القانون والنظام تدل على وجود الخالق الأعلى.

ومن الجدير بالذكر أن نقول: إن تعلم العقيدة غير التربية العقدية؛ فتعلم العقيدة لا يربي الاعتقاد ولا يؤدي بمفرده إلي رسوخ العقيدة، ونقول أيضًا: إن التربية العقدية لا تختص بمرحلة تعليمية معينة وتنتهي بها، بل إنها تشمل كل مراحل التربية والتعليم.

وَثَمَّة وسائل عدة لتحقيق التربية العقدية:

يمكن إجمالها في الخطوات الآتية:

1. أن نحسن ونطور الطريقة التقليدية التي تقوم على التلقين الذي لا يبني في الإنسان حركة ولا تفاعلات ولا طاقات، وأن نتبع الطرق الفعالة التي تربي الإيمان الحيوي القوي الذي يدفع صاحبه إلى السلوك الإسلامي الحق.

2. أن نركز على الجوانب المؤثرة في العقيدة؛ ومنها:

- الإيمان بالله بوصفه خالق الكون والإنسان، وأنه سخَّر كل ما في الكون للإنسان لينعم به، وليعبده وحده دون غيره.

- الإيمان بالحياة في الدار الآخرة، وأنها الحياة الحقيقية، وأنها دار الجزاء من ثواب وعقاب، وأنها آتية لا محالة -وذلك بالأدلة المقنعة- وأن ذلك أمر تقتضيه الفطرة والعدالة.

- أن قوانين الشرع صادرة عن إرادة إلهية لتستقيم حياة الإنسان، وأن المنهج الذي أنزله الله هو سبيل الفلاح والنجاح والسعادة في الدارين.

تلك أهم الوسائل التي يمكن أن نرسخ بها الأساس العَقَدِي في أذهان أبنائنا وبناتنا وعقولهم ونفوسهم ووجدانهم في مراحل التعليم المختلفة، وهي صالحة لإنشاء جيل قوي يستطيع تحمل الأمانة والمسؤولية تجاه نفسه وأسرته وأمته ووطنه.

[أهمية التربية العَقَدِيَّةُ]:

وليس هناك أفضل من إنسان ينشأ على معتقد صحيح، وليست هناك تربية أصلح من تربية يكون أساسها عقيدة سليمة صحيحة، والعقيدة الإسلامية هي أصح العقائد على الإطلاق.

ولا يفوتنا في هذا المقام أن نقول: إن العمل بموجب العقيدة في حياتنا اليومية المتكررة أمر بالغ الأهمية؛ لأن الممارسة اليومية ترسخ العقيدة، ومن هنا فإنه يجب على المربين والمتعلمين أن يعملوا في حياتهم اليومية وفق عقيدتهم التي يدينون بها، وبهذا يكونون قدوة صالحة لغيرهم أيضًا.

2) التربية العقلية:

[أهمية التربية العقلية]:

الإنسان هو موضوع التربية، وتنصب التربية على العقل باعتباره (قوة مدركة في الإنسان خلقها الله فيه ليكون مسؤولاً عن أعماله). والعقل - طبقًا لما جاء في القرآن - من أجلّ نعم الله على الإنسان، ومن ثم فهو طريق الإنسان إلى الله، والقرآن ينوه بالعقل ويعول عليه، وباستقراء آيات القرآن نجد أن للعقل وظيفة واضحة تتحدد فيما يلي على أساس التحليل والتعليل والربط:

- التفكير في أحوال العالم، وسنة الله في الأرض، وأحوال الأمم والشعوب على مدار التاريخ؛ قال سبحانه: سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ۖ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب: ٦٢].

- التفكير في الحكمة من المعاملات -وما ينبني عليها من إحساس وشعور- مع الناس إدراكًا للعلل والأحكام.

- التفكير العلمي: والقرآن يدعو الإنسان إلى التفكير العلمي والتأثر والتدبر؛ قال سبحانه: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [آل عمران: ١٩٠]، وكثيرًا ما تنتهي بعض آيات القرآن بقوله: (لعلكم تتفكرون)، (لعلكم تعقلون).

[هدف التربية العقلية]:

ومنها تتلخص أهداف التربية الإسلامية في الجانب الفكري فيما يلي:

- تنمية الإنسان فكريًا بحيث يكون إنسان عابدًا صالحًا.

- استخدام الحواس في تنمية هذا الجانب.

- تنمية العقل الإنساني وقدراته المختلفة عن طريق الفكر العلمي التجريبي.

- الاهتمام بتربية البصيرة؛ وذلك عن طريق التقوى.

3) التربية الأخلاقية:

لا شك أن التربية الخلقية ركيزة أساس في التربية الإسلامية؛ لأنها مستمدة من النظرية الأخلاقية الإسلامية القائمة على الالتزام بالمسؤولية في الدنيا والآخرة؛ فالقيم والأخلاق الإسلامية هي التي تكوّن ضمير الإنسان ووجدانه وسلوكه، فيتسق مع فطرته وعقله اللذين يهديانه إلى الحلال والحرام. والأصول الأخلاقية القرآنية لا تدانيها الأصول الأرضية التي ترسمها الفلسفات الغربية أو الشرقية.

وقد اتفق علماء التربية الإسلامية على أنه ليس الغرض من التربية والتعليم حشو أذهان المتعلمين بالمعلومات وتعليمهم من المواد الدراسية ما لم يعلموا، بل الغرض أن نهذب أخلاقهم ونربي أرواحهم ونبث فيهم الفضيلة ونعودهم الآداب السامية.

وهدف التربية الإسلامية الأكبر في جميع مؤسساتنا التعليمية ينبغي أن يركز على غرس القيم الإسلامية والفضائل الخلقية في النفوس؛ لأنها الدعامة الأولى في بناء المجتمع الإسلامي السليم.

4 - خصائص التربية الإسلامية:

[بداية]:

للتربية الإسلامية التي تنبثق من القرآن والسنة خصائص تميزها عن غيرها من أنواع التربية الوضعية قديمها وحديثها، ويمكن الإشارة إلى أهم هذه الخصائص فيما يلي:

1) الربانية:

التربية الإسلامية ربانية المصدر وربانية الوجهة: ربانية المصدر لأنها ليست من وضع بشر يحكمه القصور والعجز والتأثر بمؤثرات الزمان والمكان والثقافة. أما ربانية الوجهة فلأن هدفها الأول هو ربط الناس بالله تبارك وتعالى حتى يعرفوه حق معرفته ويعبدوه حق عبادته، ومن ثم تُزوِّد هذه التربية الإنسان بالحقائق والمعايير الثابتة التي توجه عمله وتقيم حياته بجوانبها المختلفة، ومن ثم تعينه على عمارة الأرض وترقيتها وفق منهج الله؛ فالإسلام حكم الله: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا [المائدة: 50] .

2) الأخلاقية:

للأخلاق في الإسلام مكان رحيب وأثر عميق، وكما ندد الإسلام بالعلم الذي لا يثمر خلقًا ولا سلوكًا حسنًا، فقد فصَّل أيضًا آدابًا لكل شيء في الحياة - من آداب المائدة إلى بناء الدولة - ومن ثم لا انفصال في التربية الإسلامية بين الأخلاق والعلم والسلوك أو العمل؛ لأن الأخلاق لا تتجزأ، فهي واحدة حتى بين المسلمين وغيرهم.

3) الإنسانية:

تقوم التربية الإسلامية على اعتبار أن الإنسان مخلوق مكرم من ربه؛ فكرَّم الله الإنسان بأن جعله خليفة في الأرض، وأنه تعالى سخَّر له ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة. لذا ترعى هذه التربية فطرة الإنسان وكرامته وحقوقه وطبيعته وحاجاته، فتعدل في تكريم الإنسان، بغض النظر عن جنسه أو لونه أو لغته أو موطنه أو طبقته، بل حتى عن دينه نفسه؛ فلكل نفس في الإسلام حرمة تناسبها، ومكانة تليق بها؛ فالتربية الإسلامية تعطي كل ذي حق حقه.

4) العالمية:

ما دام الإسلام لكل إنسان، فهو عالمي الرسالة التي لا تعرف الحدود ولا الفواصل التي ترسمها على الأرض القوميات أو العرقيات، وكثيرًا ما يخبر القرآن الكريم أن الرسول أُرْسِلَ إلى الناس كافة، وأن القرآن الكريم قد تنزَّل عليه ليقرأه على الناس كلهم؛ وذلك حتى لا يُحْرَمَ أحد من البشر من خير أراده الله لعباده؛ فالإسلام دعوة عالمية إنسانية، وقد وُضِع في طبيعة الإسلام وأصوله ومبادئه ما يجعله بحق صالحًا للإنسانية في كل عصر ومصر وجيل، ومن أوضح الأدلة على ذلك أن تلاميذ الرسول كانوا من مختلف الدول والأعراق؛ فأبو بكر وعمر من قريش، وأبو ذر من تهامة، وأبو هريرة من دوس اليمنية، وبلال من الحبشة، وصهيب من الروم، وسلمان من فارس، وغيرهم كثيرون من كافة القوميات والأجناس جمعتهم أصول ومبادئ ومدرسة واحدة، ألا وهي مدرسة الإسلام. وفي ظل هذه الاختلافات والتفاعلات أسهمت التربية الإسلامية في تحقيق السلوكيات القويمة والمعاني السامية لعالمية الإسلام وإنسانيته؛ مثل: استخدام العقل، حب العلم، العدل، المساواة، السماحة، فضيلة العمل، الوفاء بالعهد، الرحمة، الكرامة، قول الحق، الصدق، التواضع، العفاف، الحلم، الحياء، الصبر، العفو، رعاية اليتيم، وغير ذلك من أنواع السلوك التي حث عليها الإسلام وربى المسلمين عليها، والبعد عن: الشرور والموبقات، والظلم، والكذب، والحسد، والربا، والسباب، والسخرية، والطعن في الناس، والتجسس، والغيبة، والنميمة، وغير ذلك من أنواع السلوك التي نهى عنها الإسلام وربى المسلمين على البعد عنها، ونفَّر منها، فحمل المسلمون الأوائل هذه السلوكيات التي تربوا عليها ونشروها بالقول والتطبيق الفعلي كما فهموا من قول الله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت: 33] .

5) الرحمة:

تدور التربية الإسلامية حول رحمة الخلق؛ فهي تريبة تعكس رحمة هذا الدين وسماحته؛ رحمة للناس وتخليصًا لهم من عبادة العبادة إلى عبادة رب العباد، وتخليص رقابهم من النار، تربية سمتها اللين والشفقة والرأفة؛ يقول الله تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: 159]، وأرسل الله نبيه محمدًا رحمة للعالمين؛ قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: 107]، وكانت رحمته بالكبار والصغار والنساء والأطفال والدواب والجماد منهجًا يَحتذي به المربون في تربيتهم، حتى المخالفون له نالتهم رحمته حتى أدخلتهم في دين الله أفواجًا.

6) التنوع:

التربية الإسلامية تربية متفائلة فاعلة واقعية، تخاطب العقل وتعتمد عليه في فهم الدين وعمارة الدنيا، فلا تعارض فيها بين العقل والنقل، ولا بين العلم والدين. ومن ثَمَّ، فهي تربية تدعو إلى الاجتهاد والتجديد، وتقاوم الجمود والتقليد، مستمدة من الشريعة التي شرعت لمصالح العباد في المعاش والمعاد، وقامت على حفظ الأديان والأنفس والعقول والأعراض والأنساب والأموال.

7) التكامل والشمول:

تتميز التربية الإسلامية بالتكامل فيما بينها؛ فهي تهدف إلى تكامل جوانب الشخصية الإنسانية: الإيمان، والجسم، والعقل، والنفس، والوجدان؛ فالإنسان وحدة متكاملة، وكذلك الكون والوجود. كذلك تتكامل التربية الإسلامية نفسها مع غيرها مثلما عبر الرسول عن موقف نبوته مع النبوات الأخرى فقال: «إن مَثَلي ومَثَل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟‍! قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين »[1].

8) الأصالة والمعاصرة:

تعتز التربية الإسلامية بذاتيتها وتميزها عن غيرها بمصادرها الربانية، وغاياتها الإنسانية، ووجهتها العالمية، وصبغتها الأخلاقية؛ الأمر الذي جعلها ترفض أن تذوب في غيرها وتفقد خصائصها لتسير في طريق غير طريقها المستقيم. ومع هذا الاعتزاز بأصالتها تؤمن بأهمية الاستفادة من الآليات والوسائل المعاصرة، وتوظيفها في تحقيق أهداف التربية الأصيلة.

9) التوازن:

تحقق التربية الإسلامية التوازن الدقيق في النظرية والتطبيق، وفي تنظيم المعرفة الإنسانية التي تفيد الفرد والمجتمع، والتربية الإسلامية توازن بين تنمية روحانية الفرد وتلبية حاجاته المادية والاجتماعية، وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [القصص: ٧٧]؛ فالإسلام جاء لعمارة الدنيا وتحصيل سعادتها، ولا يمكن تحصيل ذلك إلا من خلال الالتزام بأحكام الدين وشرائعه.

10) الرُّقيّ:

التربية الإسلامية تربية لِلرُّقِيِّ، ويتخذ هذا الرقي صورًا متعددة؛ فهي تربية للرقي العقلي؛ إذ أنها تؤهل الإنسان إلى البحث عن حقائق الأشياء والتعمق فيها، ورفع كفاءة التفكير لدى الأفراد بما يسهم في تقدم المجتمع، وهي تربية للرقي الروحي الذي يستهدف تعميق إحساس الإنسان بخالقه والكون والحياة، وكذلك تعميق إدراكه لهذه الصلة، والحد من تعلق الإنسان بمادية الكون واستغراقه في الارتباط بها، وهي تربية للرقي النفسي الذي يتمثل في طمأنينة الإنسان ورضاه، والصبر على المكاره، وضبط النفس عند التعرض للشدائد، ورفض الصَّغار والمذلة في الحياة، وهي تربية للرقي الخلقي الذي يرتفع بالإنسان إلى مرتبة الصلاح والتمييز بين ما هو خير وما هو شر، والبعد عن الشرور والمساوئ والعدوان على الآخرين، وهي تربية للرقي العلمي الذي يتمثل في تحسين مقدرة الإنسان على استخراج كوامن الطبيعة وفهم دقائقها وأسرارها، وتسخير كل ما من شأنه أن يتقدم بالمجتمع في إطار الإسلام بما لا يؤدي إلى الإضرار بالآخرين أو العدوان عليهم، وهي تربية للرقي الذوقي والجمالي بحيث يصبح الإنسان أقدر على استشعار القيم الجمالية التي يحويها الكون، وأقدر على تصور الجمال، وإبداع كل ما هو جميل، وهي تربية للرقي الجسمي الذي يستهدف تنمية الجسد وقوة الأعضاء؛ لكي يصبح الإنسان قادرًا على أداء وظيفته في الحياة والمتمثلة في عبادة الله، وتعمير الكون، والسعي إلى كل ما هو خير، وهي تربية للرقي الاجتماعي المتمثل في تحسين العلاقات والروابط بين الأفراد وكيانات المجتمع، وهكذا فإن الرقي في أي جانب من الجوانب هو خاصية من خصائص التربية الإسلامية، وينعكس أثره على الأفراد والمجتمع.

11) المرونة:

بما أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، ويتجاوب مع كل الاختلافات والمتغيرات، فإن هذه الخاصية للتربية الإسلامية تفرض على الشخصية المسلمة أمرًا في غاية الأهمية، وهو ما يتعلق بأن تُعْنى الشخصية الإسلامية دائما بتطوير نفسها وفق الثوابت التي لا ينبغي المساس بها، وذلك ضروري حتى تخرج المجتمعات الإسلامية من دائرة التخلف التي تردّت فيها، وذلك ما فعله المسلمون الأوائل حين امتدت رقعة الإسلام لتشمل شعوبًا وأممًا ومجتمعات وثقافات وحضارات متباينة في أديانها ولغاتها وطبائعها وأعرافها وعاداتها، مما حتم عليهم تلبية احتياجات هذا المزيج المتباين، علميًا وتربويًا، وأوجب عليهم مزيدًا من الاجتهاد في المواءمة، وتحرير النوازل، فعدلوا من أنفسهم وتجاوبوا مع المواقف والظروف والمعطيات التي استجدت عليهم، وكان ذلك كله منطلقًا من أصول التربية الإسلامية التي تربوا عليها.

12) الاستمرار:

إن عملية التربية والتنمية وتحقيق مهمتها الحضارية لا تتم في يوم وليلة أو بين عشية وضحاها، بل تأخذ زمنًا يطول أو يقصر على قدر الأهداف والغايات التي يُسْعَى إلى تحقيقها، وعلى قدر عزائم من يقومون بالتربية أنفسهم، ومدى إخلاصهم فيما يقومون به، وعلى قدر استعداد المتلقي ونشاطه وحماسه.

وتلك الديمومة -وهي من خصائص التربية الإسلامية - تكون مستغرقة لحياة الأفراد والمجتمعات على حد سواء، ومن ثم تنتقل عملية التربية الإسلامية السليمة من جيل إلى جيل دون توقف، وإذا ما توقف جيل عن أداء مهمته، أدى ذلك في الأعم الأغلب إلى تراجع حضاري، وهو ذاته ما حصل في العالم الإسلامي؛ لانقطاع عملية التربية، وتخلي أفراد المجتمع عن القيام بما أُنيط بهم من مهمات، أو أدائها بصورة ضعيفة لا تفي ولا تكفي، وهنا ينقلب تقدم المجتمع تخلفًا. ولقد ترتب على مبدأ الاستمرارية ما عُرِف عند بعض المفكرين بحتمية التواصل الحضاري؛ فالاستمرار ليس مقصورًا على المجتمع المحلي (الدول الإسلامية)، بل هو يتعدى ذلك في التربية الإسلامية إلى ربوع العالم؛ انطلاقًا من أمانة الدعوة الإسلامية التي يحملها كل مسلم في عنقه ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

13) المثالية والواقعية:

تبدو مثالية التربية الإسلامية واضحة في أنها استطاعت أن تنشئ في واقع الحياة البشرية عددًا كبيرًا من الشخصيات النموذجية الفذة منذ عهد الرسول ، ولقد تمثلت في تلك الشخصيات المثل العليا والإنسانية بصورة غير مسبوقة، رغم أن تلك النماذج لم تخرج عن طبيعتها، ولم تكلف أنفسها فوق طاقتها، بل قد زاولوا كل نشاط إنساني، ولكن كان ذلك بصورة الإسلام المثالية. ومعرفة هذه الحقيقة أمر بالغ الأهمية؛ إذ يعطي ذلك البشرية أملاً في إعادة المحاولة، بل إن مما ينبغي حينئذٍ التطلع إليه: التشبه بتلك الصورة المثالية.

وعلى الرغم من مثالية التربية الإسلامية إلا أنها واقعية في ذات الوقت؛ فأصولها ومبادئها وممارساتها تخاطب وتتعامل مع بشر يمشون على الأرض، لهم دوافعهم وشهواتهم، ولهم مطامع وآمال، ولهم مصالح وحاجات، وغير ذلك مما يقتضي مراعاة الأعذار، وتقدير ظروف النفس البشرية وحالاتها المختلفة.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة