حجم الخط:

محتوى الدرس (6)

المبحث الثالث: أصول التربية الإسلامية

[مقدمة]:

تستند التربية الإسلامية إلى مجموعة من الأصول التي تنبثق منها كافة الأهداف والبرامج والمناهج والأساليب والمهمات التربوية، ومن أهم هذه الأصول:

أولاً: الأصول العقدية للتربية الإسلامية:

تقوم العقيدة الإسلامية على:

الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره؛ قال تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة: ٢٨٥].

بعض الآثار التربوية لهذه الأصول:

وفيما يلي بيان بعض من الآثار التربوية لهذه الأصول:

1 - فمن الآثار التربوية لعقيدة التوحيد في شخصية المؤمن أنها:

أ - تُحدِّد الهدف الكلي للمؤمن في الحياة؛ وهو: العبودية لله وحده؛ فيوجه المؤمن كل أعماله وطاقته في إطار هذا الهدف، ومن ثم يكون ولاؤه كله لله، وخوفه من الله، وحبه لله، ورجاؤه في الله؛ لأن حياته كلها متجهة نحو الله في استسلام وخشوع: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿ ١٦٢ لَا شَرِيكَ لَهُ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. وتحديد الهدف هو أساس العملية التربوية، وتقويمها يكون في إطار تحقق أهدافها.

ب - تُربِّي المؤمن على التوكل على الله، والتفويض الكامل لله، مع الأخذ بالأسباب وإتقان العمل، ويدل على ذلك قوله سبحانه: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطلاق: ٣].

ج - تحرر المؤمن من الخوف، وتزرع في نفسه الطمأنينة والرضا بقدر الله، فيواجه التحديات في الحياة بروح الإيمان، فلا يهرب من المسؤوليات، ولا يتوانى عن الجهاد، بل يقبل إقبال الواثق بنصر الله المطمئن إلى أنه دائمًا في رعاية الله طالما أنه ملتزم بكتابه الكريم وسنة رسوله الأمين .

د - تطهر النفس المؤمنة من القلق والحزن وسائر الآفات النفسية، وتحقق السلام الداخلي للنفس؛ لأن عقيدة التوحيد تصون النفس من التمزق بين ولاءات كثيرة لآلهة متعددة، كما تصونها من النفاق والمداهنة لآخرين يَعتَقِد فيهم ضعيف الإيمان أن بيدهم رزقه ونفعه، فيعمل على إرضائهم بشتى الوسائل، فيعيش في نفاق وخوف، أما المؤمن فالله وليه وناصره، وبمقدار خشوعه وخضوعه لمولاه لا يركن إلى آخرين، وبمقدار تذللـه لله في سجوده ينجيه الله من شرور الآخرين.

هـ - وغير ذلك من الآثار التربوية مثل: الخوف والرجاء والخشية ...إلخ.

2 - أما الإيمان بالملائكة فله آثار تربوية منها:

أ - العلم بعظمة الله تعالى وقوته وسلطانه؛ فإن عظمة المخلوق تدل على عظمة الخالق.

ب - شكر الله تعالى على عنايته ببني آدم؛ حيث وكّل ملائكة بأرزاقهم وحفظهم وكتابة أعمالهم وغير ذلك من مصالحهم.

ج - محبة الملائكة على ما يقومون به من عبادة الله تعالى؛ فهم يشتركون معنا في الوجهة والهدف.

د - محبة الملائكة لما يقومون عليه من مصالح البشر.

3 - وللإيمان بالكتب المنزلة على رسل الله آثار تربوية منها:

أ - العلم بعناية الله تعالى بعباده؛ حيث أنزل لكل قوم كتابًا يهديهم به.

ب - العلم بحكمة الله تعالى في شرعه؛ حيث شرع لكل قوم ما يناسب أحوالهم.

ج - شكر نعمة الله في ذلك.

4 - وللإيمان بالرسل دلالات تربوية منها:

أ - العلم برحمة الله تعالى وعنايته بعباده؛ حيث أرسل إليهم الرسل ليهدوهم إلى صراط الله تعالى، ويبينوا لهم كيف يعبدون الله.

ب - شكره تعالى على هذه النعمة الكبرى.

ج - محبة الرسل عليهم الصلاة السلام، وتعظيمهم، والثناء عليهم بما يليق بهم؛ لأنهم رسل الله تعالى، ولأنهم قاموا بعبادته وتبليغ رسالته والنصح لعباده.

5 - ومن الدلالات التربوية للإيمان باليوم الآخر:

أ - الحرص على طاعة الله رغبة في ثواب يوم القيامة، وتجنب معصيته خوفًا من عقاب اليوم الآخر.

ب - استحضار المؤمن حقيقة الحساب في الآخرة؛ فيحمد الله على التوفيق في الحسنات، ويندم على اقترافه السيئات، ومن ثم يسارع بالتوبة وتعديل سلوكه من السيئات إلى الحسنات، وفي هذا اطمئنان للطائع، وتراجع وندم للعاصي، وتعديل للسلوك إلى الأفضل.

ج - تحمل المسؤولية الشخصية؛ فكل إنسان مسؤول أمام الله عن أعماله، ولا يحمل إنسان وزر إنسان آخر، ولا يحصل على ثواب غيره، وفي هذا حث على الصلاح وتنفير من الفساد، فيتحقق للناس الخير الكثير.

د - إذا آمن الإنسان باليوم الآخر حق الإيمان عدَّل سلوكه، فتوخى الخير وابتعد عن الشر؛ لإيمانه بأن يوم الجزاء حق لا ريب فيه، وبهذا يربي المؤمن نفسه ويهدي غيره إلى ما ينفعه ويرضي الله.

6 - ولعقيدة الإيمان بالقدر تطبيقات تربوية منها:

أ- يرتبط الإيمان بالقدر بالسعي والعمل الدؤوب من جانب وبالتوكل والتفويض من جانب آخر، وهذا يحقق للمؤمن ثلاث ثمار: طاعة الرب جل وعلا فيما أمر، تحصيل ثمرة السعي والعمل، تحقيق الأمن النفسي والاطمئنان القلبي.

ب- يكتسب المؤمن بالقدر هدوء النفس؛ لأنه يؤمن بأن كل شيء بيد الله وحده، فلا ينزعج قلبه، ولا يحزن حزن اليأس، ولا يفرح فرح البطر المختال، وإنما تعتدل مشاعره اعتدال من يعي حكمة الله في تدبير أمور الخلق وتربيتهم على الرضا بقدر الله، ومن ثم يصبح المؤمن بالقدر من أقوى الأقوياء؛ لأنه لا يخاف غير الله، ولا يركع لغير الله، ولا يأبه بتهديدات البشر ما دام يطيع الله ويؤدي واجبه.

ج- يربي المؤمن بالقدر نفسه على أن يكون راضيًا هادئًا متواضعًا، فيطرد الإعجاب بالنفس عند حصول المراد، ويؤمن بأن ما حصل له إنما هو نعمة من الله بما قدره من أسباب الخير، كما يطرد القلق والضجر والتسخط عند فوات المراد؛ لأن السبب والمسبب كلاهما بقضاء الله وقدره، والخير والضر بتقدير الله تعالى الذي يعلم ما ينفع خلقه، ولله الحكمة في كل ما قدَّر.

ثانيًا: الأصول العبادية للتربية الإسلامية:

العبادة في الإسلام:

لا تقتصر على الواجبات كما سبق القول، وإنما تشمل كل عمل مشروع يتوجه به المسلم إلي ربه ويخلص له النية فيه قاصدًا طاعة المولى عز وجل، وهذا مجال واسع قد مَنّ الله فيه على عباده بالثواب العظيم في هذه الأعمال الصالحة، ولصعوبة حصر كل الأعمال الصالحة، كان التركيز بإيجاز على العبادات المفروضة، لما لها من التأثير الفعال في تربية الشخصية المسلمة:

بعض الآثار التربوية للعبادات المفروضة:

1 - فالصلاة يترتب عليها العديد من الآثار التربوية؛ منها:

أ‍- إذا أدى المسلم الصلاة بخشوع وإخلاص حسنت علاقته بربه وبالناس جميعًا، وبخاصة علاقته بالضعفاء ومن لا سند لهم من جاه أو مال.

ب- تنأى الصلاة كما يريدها الله عز وجل بالمسلم عن المعاصي والفواحش؛ فلا يكذب المسلم المصلي، ولا يزني، ولا يسرق، ولا يخون الأمانات، وهذا إيذان بقبولها إن شاء الله تعالى.

ج- تحفظ الصلاة طاقات الإنسان الحيوية؛ فلا يبددها في الملاهي والشواغل الصارفة له عن العبادة، وإنما يُسخر ما أنعم الله به عليه فيما يرضي خالقه جل وعلا، وفي هذا تربية للمسلم على ضبط نفسه، والمحافظة على مواعيده، والإتقان في عمله، والتوجه إلى الله في كل شيء، شاكرًا أنعمه راجيًا مغفرته وهداه.

د- ترتبط الصلاة بالطهارة جسميًا وروحيًا؛ فمع نظافة الأعضاء استعدادًا للصلاة ينظف المسلم نفسه من الأوهام والآفات ونزغات الشيطان، فيقبل على ربه خاليًا مما سواه، خالصًا من شواغل النفس وعلائق الدنيا، فتصفو روحه وتتحرر من الأكدار، فإذا ما أقبل بعد صلاته على الحياة من حوله، أقبل آمنًا قويًا منشرحًا وقد تزود بخير الزاد.

ه‍- تحقق صلاة الجماعة للمسلم الارتباط الدائم بالجماعة المسلمة؛ فيتعاطف مع إخوانه، ويساعدهم وينتمي إليهم، فيشعر بالأمان والاطمئنان، وفي هذا تربية اجتماعية تفيد الفرد والجماعة.

2 - أما الزكاة، فمن آثارها التربوية أنها:

أ- تحرر المسلمين من الأنانية والشح، وتكسبهم التعاطف مع الآخرين والإحساس بأحوالهم وآلامهم، وتقيم التكافل الاجتماعي على الاقتناع والتراحم مع الآخرين.

ب- تربي المسلمين على مراعاة مشاعر الآخرين واحترامهم وعدم التعالي عليهم؛ لأنها حق معلوم في مال الله الذي استخلفهم فيه؛ فللفقير كرامة يجب أن تراعى، والمزكِّي ليس متفضلاً عليه، وإنما يؤدي إليه حقه.

ج- تربي المسلم على الإسهام بماله في إصلاح مجتمعه طاعةً لله، وحرصًا على الجماعة المسلمة التي ينتمي إليها، وفي هذا إصلاح الدنيا والفوز في الآخرة.

د- تربي المسلم على أن يوازن بين نفسه والآخرين؛ فإذا كانت الرأسمالية تنحاز إلى الفرد، والاشتراكية تنحاز إلى الجماعة، فإن الإسلام -والزكاة أحد أركانه- يجمع بين الفردية والجماعة؛ لأن الزكاة تفيد الفرد وتفيد الجماعة؛ فلا استعلاء ولا أثرة من الفرد، ولا حقد ولا تهديد من الجماعة، وإنما حياة قوامها: الأمن، والإيثار، والتعاون، والتوازن.

3 - وللصوم آثار تربوية منها:

أ- يربي الصوم المسلم على ضبط احتياجاته والتحكم في شهواته، وتنظيم إشباع الحلال، وعدم الانسياق مع نداءات غرائزه كالحيوان، بل تطويعها لأوامر الله، وإخضاعها لسلطان عقله، وبهذا يملك المسلم نفسه ولا تملكه أهواؤه.

ب- يربي الصوم المسلم على الاتصاف بفضائل إنسانية كبرى؛ كالصبر، وقوة التحمل، والإحساس بآلام الآخرين، وكظم الغيظ، وكبح جماح النفس، وما يزال الصوم بالمسلم حتى تصير هذه الفضائل سمات ثابتة فيه يتسامى بها على غيره، فيربي إرادته حتى تقهر كل المعوقات التي تقف في طريقه.

ج- يربي الصوم في النفس تقوى الله، ويؤكد فيها التحرر من كل ما سوى الله؛ فيتحرر المسلم من سلطان العادة، ويقلع عما يرغبه بعض الوقت طاعة لربه، ومن السهل على نفس امتنعت عن الحلال بعض الوقت أن تجتنب الحرام كل الوقت، وفي هذا تربية وتهذيب، وتربية صحية للنفس والجسم، وراحة للأعضاء بعض الوقت، وهذا يتيح لها إصلاح فاسدها وتجديد أنسجتها.

د- يرتبط بالصوم الاعتكاف في رمضان، وفي الاعتكاف خلوة العابد المتبتل مع ربه؛ يناجيه ويستغفره على ما فرط في جنبه، وهي خلوة ضرورية للمراجعة والمحاسبة بعيدًا عن الثرثرة الاجتماعية التافهة، فيخرج الصائم من اعتكافه وقد منَّ الله عليه بخير الزاد.

4 - وللحج آثار تربوية منها:

أ- يُجرِّد الحجُ المسلمَ من علائق الدنيا جميعًا؛ لأنه -بحق- رحيل إلى الله تبارك وتعالى بملابس الإحرام، تلك الملابس التي تذكر الإنسان بموقفه أمام ربه يوم الحساب متجردًا من كل ما سوى العمل الصالح؛ فهو من هذه الناحية تربية روحية.

ب- يُربِّي الحجُ المسلمين على الارتباط العملي برباط الأخوة الإسلامية ونبذ روابط الجاهلية؛ فهو تربية اجتماعية هادفة.

ج- يحفظ الحج للجسم صحته، وللنفس سلامتها عن طريق: النظافة والطهارة، والمشي والهرولة، والضبط لبعض متطلبات النفس التي تمتنع عليها من الإحرام حتى الإحلال، وإذا ارتبط ذلك بالدعاء والتلبية وقراءة القرآن وأداء المناسك فإنه يعتبر تربية صحية ونفسية وروحية؛ لأنه ينمي في النفس جوانبها المادية والروحية.

د- يربي الحج المسلم على تحمل المصاعب وعلى الخشونة وترك الرفاهية، وعلى تنظيم الوقت ودقة المواعيد.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة