ثالثًا: الأصول الفكرية للتربية الإسلامية:
تتمثل أهم الأصول الفكرية للتربية الإسلامية في نظرة الإسلام لكل من: الإنسان، والقيم، والمعرفة، والكون والحياة. وفيما يلي إبراز تلك القضايا بإيجاز شديد:
يُعد الإنسان محور اهتمام التربية؛ وذلك من حيث إعداده، وتنمية مختلف جوانب شخصيته: إيمانيًا، وجسميًا، وعقليًا، وأخلاقيًا، ووجدانيًا، ونفسيًا؛ تنمية شاملة ومتكامل. كما تسعى التربية جاهدة إلى ترقية الإنسان وتطويره عن طريق إكسابه المعلومات والخبرات والمهارات اللازمة، وأنماط السلوك المرغوب، وأطر التفاعل مع البيئة المحيطة.
ولقد كان الإنسان وما يزال مأخوذًا بسوء الفهم لنفسه؛ فتارة يرى نفسه أكبر الكائنات وأعظمها، وقد امتلأ كبرا وأنانية، كقوم عاد الذين استكبروا في الأرض وقالوا من أشد منا قوة، وينادي كما نادى فرعون: ما علمت لكم من إله غيري، أنا ربكم الأعلى، فيتحول إلى متأله يستهدف القهر والبطش والظلم والطغيان. وتارة يميل إلى جانب التفريط فيظن أنه أدنى وأرذل كائن في العالم، فيطأطئ رأسه أمام شجر أو حجر أو حيوان، ويرى السلامة في أن يسجد للشمس والقمر والنار.
أما التصور الإسلامي للإنسان فقد جاء شاملاً لكل جوانب إنسانيته، وحدد صورة الإنسان المسلم في مجموعة من الصفات التي يمكن تصنيفها في تسعة مجالات رئيسة على النحو التالي:
1- سمات تتعلق بالعقيدة؛ وتضم: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والبعث، والجنة والنار، والقضاء والقدر.
2- سمات تتعلق بالعبادات؛ وتضم: عبادة الله وأداء الفرائض من: صلاة، وصوم، وزكاة، وحج، وجهاد في سبيل الله بالنفس والمال، وذكر الله واستغفاره، والتوكل عليه، وقراءة القرآن.
3- سمات تتعلق بالعلاقات الاجتماعية؛ وتشمل: معاملة الناس بالحسنى، والكرم والجود، والإحسان، والتعاون، والاتحاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعفو، والإيثار، والإعراض عن اللغو، وحب الخير، وإغاثة الملهوف.
4- سمات تتعلق بالعلاقات الأسرية؛ وتضم: طاعة الوالدين وبرهما، والإحسان إليهما وإلى ذوي القربى، وحسن المعاشرة بين الأزواج، ورعاية الأسرة والإنفاق عليها، والتنشئة السليمة للأولاد.
5- سمات خلقية؛ وتضم: الصبر، والحلم، والصدق، والعدل، والأمانة، والوفاء بالعهد، والتواضع.
6- سمات انفعالية وعاطفية؛ وتضم: حب الله والخوف من عذابه، وحب الناس، وكظم الغيظ، وعدم الاعتداء على الآخرين، والرحمة، والشعور بالندم عند ارتكاب ذنب ما.
7- سمات عقلية معرفية؛ وتشمل: التفكر في الكون وخلق الله، وطلب المعرفة والعلم، وعدم اتباع الظن، وتحري الحقيقة.
8- سمات تتعلق بالحياة العملية؛ وتشمل: الإخلاص في العمل وإتقانه، والسعي بنشاط وجد في سبيل كسب الرزق.
9- سمات بدنية؛ وتضم: القوة، والصحة، والنظافة، والطهارة.
تُعرَّف القيم الإسلامية بأنها: مجموعة المبادئ أو السمات التي حث عليها القرآن الكريم والسنة النبوية، والتي تحدد شخصية المسلم وفق منهج متكامل، وتنظم سلوكه وعلاقته بالله وبالكون ومجتمعه ونفسه، وتعمل عمل المعايير أو الأطر المرجعية الموجهة للسلوك والضابطة له، وللقيم الإسلامية عناصر ومكونات جُمعت في قوله تعالى: ﭽ وَالْعَصْرِ ﴿ ١ ﴾ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴿ ٢ ﴾ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﭼ [العصر: ١ - ٣].
فالقيم الإسلامية ليست فكرًا فقط؛ لأن الفكر تأمل لا تأثير له في الواقع إذا اعتبرناه بمفرده، وليست وجدانًا أو دافعًا فقط؛ فهما بمثابة وقود حركة وقوة دافعة، وليست سلوكًا وتواصيًا فقط، وإنما تُعد القيم الإسلامية النقطة التي يجتمع عندها الفكر تأملاً وتدبرًا، والوجدان والدافع قوة محركة، والسلوك والتناصح عملاً صالحًا وحركة ذاتية.
فليس في القيم الإسلامية مواقف أو مظاهر متخاذلة أو رديئة، ولا يكتفي فيها بانفعال الباطن في صورة استحسان أو استهجان، ولكنها تدفع الإنسان دفعًا إلى إحداث حركة مؤثرة في السلوك. ولأن القيم الإسلامية تستمد أهميتها من الكتاب والسنة، فإنها: تقدم للفرد والمجتمع فلسفة وتصورًا فريدًا شاملاً ومميزًا للحياة، وتدعو للتقدم الحضاري (العلم والعمل)، وتحقق الصحة النفسية (الطمأنينة والتوافق والتكيف)، وترتقي بالنفس وتسمو بها.
إذا كان الفكر الحديث والمعاصر يفخر بإيمانه بأهمية العلم والمعرفة وإفساح المجال أمامهما، فإن الإسلام بتعاليمه كان له فضل السبق في تأكيد أهميتهما، وبيان فضلهما، والدعوة إلى طلبهما وتطبيقهما واستخدامهما في كل ما ينفع ويحقق الخير والتقدم للأمة. وقد جعل الإسلام الكون كتابًا للمعرفة، ووجه الأسماع والأبصار والأفئدة إلى بدائع صنع الله فيه، ودعا إلى التفكير في آياته، وكشف أسراره، وفهم نظمه وقوانينه، وحرر العقول من أسر الجمود والجهل والتبعية، وحث على البحث والدراسة والتعلم؛ فإن العلم الذي يدعو إليه الإسلام هو العلم بمفهومه الشامل الذي ينظم كل ما يتصل بالحياة، ولا يقتصر على مجال دون غيره. وعلى ذلك لم يعرف في الإسلام الصراع بين العلم والدين، ولا معاداة أحدهما للآخر، وإنما يعد العلم الحق داعيًا إلى الإيمان ودليلاً عليه؛ قال تعالى: ﭽ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﭼ [الحج: ٥٤]، فهذه معان ثلاثة مترتب بعضها على بعض: العلم يتبعه الإيمان تبعية ترتيب بلا تعقيب، ليعلموا فيؤمنوا، والإيمان يتبعه حركة القلوب من الإخبات والخشوع والخضوع لله تعالى، وهكذا يثمر العلم الإيمان بالله تعالى، فالإيمان هو نوع من العلم بالله، وما الكفر إلا جهل وجهالة.
[أدوات المعرفة في التربية الإسلامية]:
وقد تعددت أدوات المعرفة في التربية الإسلامية لتشمل: الوحي، والعقل، والحس؛ فالوحي هو أداة المعرفة في ميدان الغيب، والعقل والحس هما أداتها في ميدان الشهادة بقسميها: الآفاق والأنفس، وتتكامل أدوات المعرفة الثلاث لبلوغ الغايات وتحقيق الأهداف، ومن ثم فلا انفصال بين الوحي والعقل، فحين انفصل العقل عن الوحي جنح العقل إلى الاستبصار بالسحر، وقراءة الكف والنجوم والطالع، وضرب الحصى، وتحكُّم السحرة والعرافين والمشعوذين والدجالين، وحين طرح العقل منفصلاً عن الوحي أثمرت الحلول والتنبؤات لمشكلات العصر نتائج خاطئة وآثارًا مدمرة، وتداعت مساوئ العلم المجرد من الإيمان، فشقي الإنسان بالعلم وانتهت الحضارة إلى السقوط.
تتلخص نظرة الإسلام إلى الكون في أنه مخلوق لله خلقه لغاية وهدف، وما كان اللعب والعبث باعثًا على الخلق؛ قال تعالى: ﭽ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴿ ٣٨ ﴾ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﭼ [الدخان: ٣٨ - ٣٩]. كما أن الكون بكل ما فيه من عناصر وأجزاء يسير في حركة حسب سنن ونواميس دقيقة وعلاقات منتظمة، خاضع لإرادة الله وأمره ومشيئته، مسير ومدبر لا يملك من يقف أمام عناصره إلا التسليم بوحدة المدبر ووحدانيته؛ قال تعالى: ﭽ وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ ﴿ ٣٧ ﴾ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴿ ٣٨ ﴾ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ﴿ ٣٩ ﴾ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﭼ [يس: ٣٧ -٤٠]، وبالإضافة إلى النعم التي يزخر بها الكون، إلا أنه مسخر بكل ما فيه للإنسان. والتسخير لا يعني طغيان الإنسان، وتجاوز حدوده إفسادًا وقتلاً، وسفكًا ودمارًا، وإذا كان الأمر كذلك فإن العاقبة ونتائج ذلك سوف تكون وخيمة على الإنسان ومجتمعه في صورة مشكلات تتعرض لها بيئة هذا الإنسان ومجتمعه؛ قال تعالى: ﭽ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﭼ [الروم: ٤١].
أما الحياة: فقد جاء تصور الإسلام لها تصورًا فريدًا شاملاً ومميزًا؛ فالحياة وفقًا لهذا التصور ليست تلك المدة المحددة التي تمثل عمر الفرد أو عمر الأمة، إنما تمتد طولاً في الزمان، وعرضًا في الآفاق، وعمقًا في العوالم، وتنوعًا في الحقيقة؛ تمتد في الزمان لتشمل الحياة الدنيا المشهودة، والحياة الآخرة المغيبة عنا، وتمتد في المكان فتضيف إلى هذه الأرض دارًا أخرى: جنة ونارًا، وتمتد في العوالم فتشمل هذا الوجود المشهود والوجود المغيب الذي لا يعلم حقيقته إلا الله، ومعنى ذلك أنه ليس هناك طريق مستقل للحياة الدنيا وآخر للآخرة، إنما هو طريق واحد تصلح به الدنيا والآخرة، والمنهج الإيماني للحياة لا يجعل الدين بديلاً عن الدنيا، ولا طريق الآخرة غير طريق الدنيا، لكن الأصل أن تلتقي فيه الدنيا مع الآخرة، وأن يكون الطريق إلى صلاح الآخرة هو ذاته الطريق إلى صلاح الدنيا، ومن ثم يجمع المنهج الإسلامي بين العمل للدنيا والعمل للآخرة في توافق وتناسق، فلا يُفَوِّت الإنسان دنياه لينال آخرته، ولا يغفل آخرته لينال دنياه، فالعمل والإنتاج والتنمية فريضة الاستخلاف في الأرض، والإيمان والتقوى والعبادة والأخلاق تمثل الارتباطات والضوابط والدوافع لتحقيق هذا المنهج في الحياة. ومن الآيات الدالة على هذا التلاقي والترابط واللقاء بين الدنيا والآخرة قوله تعالى: ﭽ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﭼ [القصص: ٧٧].
فخلاصة القول: يمكن إيجاز نموذج العلاقات في التربية الإسلامية بين الخالق، والكون، والإنسان، والحياة على النحو الآتي:
* العلاقة بين الله والإنسان علاقة عبودية لله.
* العلاقة بين الإنسان والكون علاقة تسخير للكون.
* العلاقة بين الإنسان والحياة الدنيا علاقة ابتلاء واختبار.
* العلاقة بين الإنسان والحياة الآخرة علاقة مسؤولية وجزاء.
وعلى نظام التربية أن يعمل على إعداد الإنسان في ضوء هذه العلاقات حتى يتحقق له النمو، وكلما نجحت التربية في تحقيق ذلك أدت واجبها بنجاح، أما إذا فشلت فقد فقدت فاعليتها وأصبحت شكلاً بلا مضمون.