حجم الخط:

محتوى الدرس (8)

المبحث الرابع: التربية في التراث الإسلامي

مقدمة:

لا يمكن للتربية أن تنجح في وظائفها ما لم تأخذ في الحسبان طبيعة المتعلم أو المتربي وقدراته وطبيعة نموه النفسي والانفعالي؛ حيث إن ذلك يؤثر على نمو المتربي وشخصيته، ولا يوجد نشاط تربوي يؤدي وظيفته أداءً سليمًا ما لم يتناسب ومستوى نضج المتربي وطبيعة نموه واحتياجاته من مختلف النواحي النفسية والسلوكية.

وبناءً على هذا، تسعى التربية للاستفادة من النظريات والمبادئ النفسية في بناء النظام التربوي؛ أي الاستفادة من قواعد علم النفس وأسسه في تصحيح مسار العملية التربوية؛ فعلم النفس أو السلوك يزخر بالكثير من النظريات التي تبنى عليها الأسس التربوية المختلفة في العملية التعليمية، وهناك العديد من النظريات التي تفيد في هذا المجال؛ فهو يحتوي على نظريات التعلم المختلفة، مثل: التعلم الشرطي، والتعلم بالاستبصار، وغيرها من النظريات، وكذلك نظريات الفروق الفردية والجماعية، والنظريات السلوكية والفطرية التي تمس الإنسان وسلوكه، والعوامل والمؤثرات التي تؤثر في هذا السلوك.

كما تسعى التربية إلى محاولة التعرف على النظريات والأبحاث الخاصة بالقدرات العقلية والمهارات المختلفة، والعوامل المختلفة التي تؤثر في تلك القدرات والمهارات، وكذلك العوامل والظروف التي تساعد على صقل تلك القدرات العقلية وهذه المهارات، وكيفية الاستفادة من المواهب، وكذلك توجيه النظر إلى أفضل السبل لحل المشكلات وتنمية التفكير الناقد لدى التلاميذ والطلاب، وكذلك كيف يمكن للتربية أن تراعي مراحل النمو المختلفة التي يمر بها الطفل، والخصائص النفسية والاجتماعية لكل مرحلة من هذه المراحل.

كما تحاول التربية أن تستفيد من النظريات النفسية المختلفة المتعلقة بالأنماط المختلفة لعملية التربية من حيث كونها: تربية تسلطية، أو تربية تلقائية، أو تربية تتسم بعدم المبالاة، أو تربية تقوم على الحرية المطلقة، أو القمع، أو الكرامة المتوسطة بينهما، أو تربية تراعي الرغبات والميول والدوافع، أو تربية تهمل هذه الجوانب.

[علاقة التربية بعلم النفس]:

ومن ثم فإنه يمكن القول: إن التربية تعتمد في أسسها ومبادئها على قواعد ومبادئ نفسية مستمدة من النظريات المختلفة التي يزخر بها علم النفس بفروعه المختلفة؛ وذلك لمساعدة المتربي على فهم ذاته وخصائصه، الأمر الذي يساعده على تقبل ذاته والتكيف مع ما يطرأ عليه من تغيرات، والقدرة على حل مشكلاته، ومن ثم كان علم السلوك من أكثر الأسس وظيفة في العملية التربوية.

وانطلاقًا من هذه العلاقة الوثيقة بين علم السلوك وعلم التربية، ووفق تلك النظرة الشمولية للتربية، ركزت ممارسات أعلام العلماء من السلف ومؤلفاتهم - كما يشهد بذلك التراث الإسلامي - على موضوعات التربية في إطار فهمهم لمصادر التشريع. وعلى هذا، يسعى هذا المبحث للكشف عن ذلك من خلال العنصرين الآتيين:

أولاً: أبرز العلماء والمؤلفات التربوية في التراث الإسلامي:

[بداية]:

حفلت عصور التاريخ الإسلامي بمسيرة طويلة وغنية بالتجارب والخبرات والإسهامات الواضحة في مجال التربية -سواء أكانت بصورة مباشرة أم ضمنية- وليس أدل على هذا من التراث التربوي الجم المتمثل في أمهات الكتب والأبحاث التربوية التي تعرض لمختلف مجالات الفكر والاجتهاد التربوي عند العلماء المسلمين والفلاسفة والمفكرين العرب.

ولقد ذكر البروفيسور سباستيان جونتر -مدير معهد الدراسات العربية والإسلامية بجامعة جوتنجن، ورئيس الاتحاد الأوروبي للدراسات العربية والإسلامية - في حوار له عن العلماء المسلمين الأوائل أن فكرهم هو الذي أَثرى الفكر التربوي العالمي، وأنهم تناولوا مشكلات ما زالت تشغل التربويين حتى اليوم[1].

وفيما يلي استعراض -على سبيل المثال لا الحصر- لبعض من مؤلفات علماء السلف التي تناولت موضوعات التربية وقضاياها بشكل صريح؛ وذلك حسب الترتيب الزمني لوفاة الأعلام رحمهم الله:

1) المحاسبي (تـ: 243هـ):

وكانت ولادة المحاسبي في العصر العباسي الأول عام 165هـ، وهو أبو عبدالله الحارث بن أسد المحاسبي العنزي البصري المولد البغدادي المنزل والوفاة، وسمي بالمحاسبي لكثرة محاسبته لنفسه. وقد خلَّف ما يقرب من مئتي مصنف، منها: آداب النفوس، رسالة المسترشدين، الرعاية لحقوق الله، شرح المعرفة وبذل النصيحة، فهم القرآن، كتاب العلم، ماهية العقل ومعناه، المسائل في أعمال القلوب والجوارح، المسائل في الزهد، معاتبة النفس، المكاسب، الوصايا، رسالة التصوف، رسالة المراقبة، النصيحة للطالبين.

2) محمد بن سحنون (تـ: 256هـ):

وهو أبو عبدالله محمد بن سحنون، ولد بالقيروان سنة 202هـ، ونشأ في كنَفِ أبيه فقيه المغرب وإفريقيا: عبدالسلام سحنون التنوخي القيرواني شيخ المالكية، الذي اعتنى بتربيته وتأديبه وتعليمه، فأخذ حظه من القرآن الكريم والعلوم الضرورية، وتحوَّل إلى مجالس الدروس على يد ثُلَّة من شيوخ إفريقية، فحمل عنهم مروياتهم وأتقنها، ورحل إلى الأمصار وتعلم عدة علوم، وعاد إلى إفريقية مزودًا بتجربة وعلم غَزير ليشعَّ به على المَغرب وإفريقيا. وقد اشتغل بالتعليم في القيروان، وألَّف رسالة سماها: (آداب المعلمين)، وهي على صِغَر حجمها -إذ لا تتجاوز 26 صفحة - رسالة قيِّمة ونفيسة، بما تتضمَّنُه من آراء تربوية تعبِّر بوضوح عن أن الأمة الإسلامية عُنيت بقضايا التعلُّم والتعليم. ومن مؤلفاته أيضًا: آداب المناظرين، الجامع في فنون العلم والفقه، الرسالة الجنوبية، السير، التاريخ، أجوبة ابن سحنون.

3) ابن أبي الدُّنيا (تـ: 281هـ ):

عبدالله بن محمد بن عُبيد الأموي، أبوبكر بن أبي الدنيا، البغدادي، صاحب التصانيف المفيدة، وكان وعاظًا عارفًا بأساليب الكلام. صنّف الكثير من المصنفات؛ منها: العظمة، الصمت، ذم الدنيا، محاسبة النفس، مكارم الأخلاق وغيرها. مولده ووفاته ببغداد.

4) القابسي (تـ: 403هـ):

وهو أبو الحسن علي بن محمد خلف، المعروف بالقابسي نسبة إلى بلدة قابس بالقيروان التي ولد فيها عام 324هـ، وهو حافظ ومحدث وفقيه مالكي المذهب، ومن أشهر كتبه التربوية: (الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين).

5) ابن حزم الأندلسي (تـ: 456هـ):

وُلد أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم في مدينة المغيرة بقرطبة عام 384هـ، ولم يدع ابن حزم المثابرة على العلم والتأليف فيه حتى كمل من مصنفاته في شتى فنون العلم وِقْر (حِمل) بعير، ومنها:

الفصل في الملل والأهواء والنحل، التقريب لحد المنطق، ولكن اختلافه المذهبي (الشافعي ثم الظاهري) مع فقهاء الأندلس (المالكية)، وعدم لينه مع خصومه، أدى إلى إثارة العامة وبعض الحكام عليه؛ فأحرقوا كتبه وطاردوه حتى توفي بقريته.

6) ابن عبد البر (تـ: 463هـ):

وهو أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر القرطبي؛ حيث ولد في قرطبة عام 368هـ. كان حافظ المغرب، وله مؤلفات عديدة، منها في التربية: الرقائق، بهجة المجَالس وأنس المُجالس وشحذ الذهن والهاجس، أدب المجالسة وحمد اللسان، البستان في الإخوان، الجامع. أما أشهر كتبه في التربية فهو: (جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله).

7) الغزالي (تـ: 505هـ):

ولد أبو حامد محمد بن محمد بن أحمد الطوسي في طوس من أعمال خراسان بفارس عام 450هـ، وقد عُرف بالغزالي لأن أباه كان لا يأكل إلا من كسب يده في غزل الصوف، كما لُقب بحجة الإسلام لذوده عن حياض العقيدة الإسلامية بفكره وقلمه.

وللغزالي مؤلفات جمة في المنطق والفلسفة والفقه والتربية. ولعل أهم كتاباته وآرائه في التربية برزت في كتبه: فاتحة العلوم، أيها الولد، ميزان العمل، الرسالة اللدنيّة، إحياء علوم الدين، وهو من أكبر كتبه في الفقه والأخلاق والتربية، وعلى الكتاب مآخذ نبه عليها أهل العلم.

8) ابن الجوزي، أبو الفرج (تـ: 597هـ):

عبدالرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد المعروف بابن الجوزي؛ كان صاحب صيت في الوعظ، وله مؤلفات كثيرة في فنون متعددة، منها: تلبيس إبليس، صيد الخاطر، بحر الدموع، صفة الصفوة، وغيرها.

9) ابن جماعة (تـ: 733هـ):

وهو بدر الدين محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة بن علي بن حازم بن صخرة الكناني، ولد بحماه عام 639هـ، واشتغل ابن جماعة بالكتابة والتأليف، ومن أهم مؤلفاته:

تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، حجة السلوك في مهارة السلوك، المقتص في فوائد تكرير القصص، تنقيح المناظرة في تصميم المخابرة، المسالك في علم المناسك.

10) ابن تيمية (تـ: 728هـ):

وُلد تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية في مدينة حران بسوريا عام 661هـ، وكما تخطى ابن تيمية حدود الانتماء المذهبي إلى دائرة الانتماء الإسلامي الواسع، عُني بالتربية واتخذها أسلوبًا في تعديل السلوكيات، وبناء البشر، وتزكية النفوس، وإصلاح المجتمع وفق ما جاء في الكتاب والسنة. ومن ضمن مؤلفاته التي تربو على المئات:

السياسة الشرعية والحسبة في الإسلام، اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم.

11) ابن قيم الجوزية (تـ: 751هـ):

محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد، ولد في دمشق وتتلمذ على يد ابن تيمية، وله مصنفات مشهورة من أبرزها:

زاد المعاد، مدارج السالكين، بدائع الفوائد، إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، أو: الداء والدواء.

12) ابن رجب الحنبلي (تـ: 795هـ):

زين الدين عبدالرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن السَلامي، الحنبلي، الواعظ. ولد في بغداد. له مصنفات عديدة،منها: جامع العلوم والحكم شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم، شرح الترمذي، فتح الباري شرح صحيح البخاري -لم يتمه- اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى، كشف الكربة في وصف أهل الغربة، طبقات الحنابلة.


13) ابن خلدون (تـ: 808هـ):

وهو تقي الدين عبد الرحمن بن محمد، المعروف بابن خلدون، ولد بتونس عام 732هـ، ومن أهم أعماله: المقدمة، وهي لكتابه: العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر. ويعد ابن خلدون المؤسس الأول لما يطلق عليه اليوم (علم الاجتماع)، كما أنه يعد زعيم المؤرخين، وكبير المربين، وأحد الكتاب العبقريين.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة