حجم الخط:

محتوى الدرس (9)

ثانيًا: تربية الشخصية السوية في ضوء التصور الإسلامي:

أنموذج من التراث الإسلامي:

الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه

تعد شخصية الإنسان موضوع التربية الإسلامية ومحورها الأساس، ومن ثم استهدفت التربية الإسلامية تربية الشخصية السوية تربيةً متكاملةً تحقق وظيفة الإنسان بصفته خليفة في الأرض. ونعرض فيما يلي صورة حية تؤكد فاعلية التربية الإسلامية في تربية جوانب الشخصية المسلمة كما بدت في حياة: الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اجتهادًا وممارسةً قولاً وعملاً.

أ) التربية الجسمية:

لأن الجسم القوي هو عدة المسلم التي تمكنه من أداء الفرائض الأساس والتكاليف الشرعية، تبدت عناية الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه بالتربية الجسمية، سواء على مستوى القول أو على مستوى الممارسة والتطبيق في بعض المظاهر المهمة؛ كالحث على إعطاء الجسم حقه من الغذاء والنظافة والملبس والشهوة، والأخذ بالقواعد الصحية السليمة في المأكل والمشرب، والتداوي من الأمراض، والبعد عن الأماكن الموبوءة والأشخاص القابلين لنقل العدوى، وممارسة الرياضة البدنية بأنواعها المختلفة: كالسباحة، والرماية، وركوب الخيل، والمصارعة.

فقد بلغ اهتمام عمر بن الخطاب رضي الله عنه بضرورة إعطاء الجسم حقه من الغذاء أنه أسقط حد القطع عن السارق عام المجاعة، ورفض أن يطبق الحد على غلمة حاطب بن أبي بلتعة إذ سرقوا ناقة لرجل من مزينة وانتحروها وأكلوها، وقال عمر لعبد الرحمن بن حاطب: «لولا أني أظن أنكم تجيعونهم حتى أن أحدهم أتى ما حرم الله عز وجل لقطعت أيديهم، ولكن والله لئن تركتهم لأغرمنك فيهم غرامة توجعك» ثم قال عمر للمزني: «كم ثمن ناقتك؟ قال: كنت أمنعها من أربعمائة، فقال عمر لعبد الرحمن بن حاطب: فأعطه ثمانمائة»[1].

وكان عمر رضي الله عنه يحث الإنسان المسلم على النظافة والزينة؛ وذلك عندما جاءته امرأة برفقة زوجها وهي تقول: «لا أنا ولا هذا» فعرف كراهيتها له، فنظر إليه فإذا هو أشعث أغبر، فأرسله ليستحم ويأخذ من شعره وأظافره ويصلح من شأنه، فلما عاد أنكرته، ولما عرفته قبلت به وعادت إلى بيتها، فقال عمر رضي الله عنه: «هكذا فاصنعوا لهن، فو الله إنهن ليحببن أن تتزينوا لهن كما تحبون أن يتزينَّ لكم».

وقد حرص عمر رضي الله عنه كذلك على توجيه الإنسان المسلم في غذائه وملبسه وشهوته وفق الضوابط الإسلامية، ومن هذه الضوابط أن يكون ما يتغذى به الإنسان المسلم حلالاً طيبًا، وألا يفرط في الطعام، وأن يكون إشباعه لشهواته من طريق الحلال؛ فقد روى مالك في الموطأ أن عمر بن الخطاب بعد أن شرب لبنًا أعجبه، ثم علم أنه من الصدقة، أدخل يده في جوفه واستقاءه. كما نهى عمر رضي الله عنه الإنسان عن الإفراط في الطعام لئلا يؤدي إلى السمنة التي قد تكون مرضًا يحول دون قيام المسلم بواجباته العبادية والجهادية والمعيشية، فيقول عمر: «إياكم والبطنة من الطعام؛ فإنها مكسلة عن الصلاة، مفسدة للجسم مورثة للسقم، وإن الله عز وجل يبغض الحبر السمين، وعليكم بالقصد في قوتكم فإنه أدنى من الإصلاح وأبعد من السرف وأقوى على عبادة الله عز وجل، ولن يهلك عبد حتى يؤثر شهوته على دينه».

كما تبدى حرص عمر رضي الله عنه على مراعاة الرغبات الغريزية في الإنسان وضرورة إشباعها ولكن بالطريقة الشرعية؛ فقد رُوي أنه كان لا يدع مجاهدًا يغيب عن زوجته أكثر من أربعة أشهر أو ستة، كما كان يجند في جيوش المسلمين غير المتزوجين ويدع المتزوجين ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

ومن مظاهر العناية بالتربية الجسمية:

الأخذ بقواعد الصحة البدنية وممارسة العادات الصحية السليمة في المأكل والمشرب؛ كنظافة الأيدي والأواني المستخدمة في الطعام، وكيفية المحافظة عليه، واختيار الثياب الصحية، فكان عمر رضي الله عنه يختار من الثياب ما هو أصح للجسم وأنشف للعرق، وكان ينصح المسلمين بحمامات الشمس والسواك والصوم لتكون وسائل مهمة في المحافظة على صحة الجسم؛ فقد روي عنه أنه قال: «استقبلوا الشمس بجباهكم فإنها حمام العرب»[2].

كما روي عنه رضي الله عنه أنه أحجم عن قدوم الشام بجنوده لما علم بانتشار الوباء بها في سنة سبع عشرة من الهجرة، وكتب إلى أبي عبيدة بن الجراح يستخرجه من المكان الموبوء، ولما طلب أبو عبيدة استعفاءه من الخروج، كتب إليه عمر ثانية أن يرفع الناس إلى أرض مرتفعة نزهة بدلاً من الأرض التي أنزلهم بها والتي تتميز بفساد الريح وخمومها، فنزل أبو عبيدة بالناس حتى نزل الجابية ورفع عن الناس الوباء، ولكنه كان قد أصابه الطاعون فأودى بحياته رضي الله عنه[3].

ومنع عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأة مجذومة كانت تطوف بالبيت حتى لا تؤذي الطائفين من الأصحاء، وقال لها: يا أمة الله لا تؤذي الناس، لو جلست في بيتك! ففعلت، ثم مر بها رجل بعد ذلك، فقال لها: إن الذي نهاك قد مات فاخرجي، فقالت: ما كنت لأطيعه حيًا وأعصيه ميتًا[4].

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يمارس ألوانًا مختلفة من الرياضات؛ كالمصارعة، وركوب الخيل، والسباحة.

وكتب إلى المسلمين في الأمصار الإسلامية يأمرهم بأن يعلموا أولادهم الرياضة البدنية؛ كالسباحة، والرمي، وركوب الخيل[5].

ب) التربية العقلية:

لأن على العقل مدار التكليف والبحث وتكشف ما في النفس والكون من أسرار حرص عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الاهتمام بالعقل، والحفاظ عليه من كل ما يعطل أداءه لوظائفه، والحث على تربيته وتنميته بوسائل مختلفة.

ففيما روي عنه رضي الله عنه قوله: «حَسَبُ المرء دينه، ومروءته خلقه، وأصله عقله»[6].وقوله: «إن يكن لك عقل فلك مروءة»[7].

ومن أجل الحفاظ على عقل المسلم وأدائه لوظائفه كان عمر رضي الله عنه يأمر بالابتعاد عن كل ما يخرج العقل عن طبيعته المميزة المدركة كشرب الخمر؛ فقد روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر، قال: سمعت عمر بن الخطاب على منبر رسول الله يقول: «أما بعد أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر، وهي من خمس: من العنب والتمر والعسل والشعير، والخمر ما خامر العقل»[8]. وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال عمر: «ما خمرته فعتقته فهو خمر»[9].

كما رفع عمر رضي الله عنه حد شارب الخمر من أربعين جلدة إلى ثمانين صيانة للعقل المسلم، ويروي الإمام مالك في الموطأ: أن عمر بن الخطاب استشار في الخمر يشربها الرجل، فقال له علي بن أبي طالب: «نرى أن تجلده ثمانين؛ فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، أو كما قال، فجلد عمر في الخمر ثمانين»، و بذلك كان عمر أول من ضرب في الخمر ثمانين[10].

واستخدم عمر رضي الله عنه في تربية العقل جهودًا ووسائل عدة منها: طلب العلم، والفهم، والاجتهاد، وإعمال العقل بالتفكير، والعمل بالعلم. فكان يكتب إلى قضاته وولاته في الأمصار الإسلامية يحثهم على إعمال العقل واستخدام الفكر اجتهادًا فيما يعرض عليهم من القضايا، فيكتب إلى شريح قاضيه على الكوفة قائلاً: «انظر ما تبين لك في كتاب الله فلا تسأل عنه أحدًا، وما لم يتبين لك في كتاب الله فاتبع فيه سنة رسول الله ، وما لم يتبين لك فيه السنة فاجتهد رأيك»[11].

ويكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري واليه على البصرة كتابًا يقول له فيه: «أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك؛ فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك، البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالاً، ولا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق؛ فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، الفهمَ الفهمَ فيما يتلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم اعرف الأمثال والأشباه وقس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أقربها إلى الله وأشبهها بالحق»[12].

ج) التربية الأخلاقية:

اهتمَّ عمر رضي الله عنه اهتمامًا واضحًا بتربية الشخصية المسلمة على القيم والفضائل وحسن الخلق، وضرورة تطابق النية مع السلوك، والقول مع الفعل؛ حتى تكون الشخصية المسلمة خَيِّرَةً تحقق السعادة لنفسها وغيرها.

والذي يتأمل بعض أقوال عمر بن الخطاب رضي الله عنه بشيء من الإمعان يجد أنه يردُّ الأخلاق إلى أصل واحد هو الدين، والدين مصدره القرآن والسنة، وهذا يعني أن الأخلاق عنده هي الدين، ويتضح هذا من قوله: «كرم الرجل دينه، وحَسَبُه خُلُقه وإن كان فارسيًا أو نبطيًا»[13]، وقوله: «حَسَبُ المرء دينُه، ومروءته خُلُقه، وأصله عقله» [14].

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرى أن هناك حاسة أخلاقية موجودة في النفس الإنسانية بالفطرة، فيقول: «الشجاعة والجبن غرائز تكون في الرجال، ويقاتل الشجاع عما لا يعرف، ويفر الجبان عن أمّه»[15]. وهذا يعطي التربية مكانةً مهمةً في تنمية هذه الحاسة الأخلاقية وتربيتها، بحيث تسعى التربية الأخلاقية إلى إبراز الفضائل وتثبيتها وتنميتها، وإزالة الرذائل واستئصالها من الشخصية المسلمة.

ومن ثم يحث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الإنسان المسلم على أن يعمل جاهدًا على تغليب الأخلاق الفاضلة والصالحة لديه، وأن يدع الأخلاق السيئة، حتى لا تسري عدوى الأخلاق السيئة على الأخلاق الحسنة فتفسدها، فيقول: «قد يكون في الرجل عشرة أخلاق؛ تسعة صالحة وواحد سيء، فيفسد التسعةَ الصالحةَ ذلك السيءُ»[16].

كما يحث عمر رضي الله عنه الإنسان المسلم على حسن الخلق، فيقول: «أحبكم إلينا أحسنكم أخلاقًا»، وينهى عمر عن سوء الخلق، فيقول: «إياك والغضب والغلق والضجر والتأذي بالناس»[17]، فهو ينهى عن ضيق الصدر وقلة الصبر، يقال في سوء الخلق: «رجل غلق»، أي: غلق الخير.

وفيما يتعلق بالتطابق بين النية والسلوك في الحكم على الالتزام بالأخلاق نرى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يركز على السلوك الخلقي الظاهر؛ لأن النية لا يعلمها إلا الله، فيقول في أحد كتبه إلى واليه على البصرة أبي موسى الأشعري: «إن الله تولى من العباد السرائر وستر عليهم الحدود إلا البينات والأيمان»[18]. يريد أن من ظهر منه علانية خير قبلناها منه ووكلنا سريرته إلى الله سبحانه وتعالى؛ فإن الله لم يجعل أحكام الدنيا على السرائر بل على الظواهر، والسرائر تبع لها، وأما أحكام الآخرة فعلى السرائر، والظواهر تبع لها، ولعل هذا يفسر لنا قول عمر: «من أسر شيئًا أخذ بسريرته، ومن أعلن شيئًا أخذ بعلانيته، فأظهروا لنا أحسن أخلاقكم والله أعلم بالسرائر، فإنه من أظهر شيئًا وزعم أن سريرته حسنة لم نصدقه، ومن أظهر لنا علانية حسنة ظننا به حسنًا»[19]، وقوله: «من أظهر لنا خيرًا ظننا به خيرًا وأحببناه عليه، ومن أظهر لنا شرًا ظننا به شرًا وأبغضناه عليه»[20].

ومن ثم فالمعيار الذي يرجحه عمر بن الخطاب رضي الله عنه للأخلاق هو السلوك وتجربة الناس ومعاملتهم في هذه الحياة؛ لأن سرائرهم يعلمها الله. وحين أثنى رجل على آخر أمامه سأله: «أصحبته في السفر أو عاملته؟» فلما أجاب نفيًا، قال: «فأنت القائل بما لا تعلم»[21].

ومع اهتمام عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالسلوك الخلقي الظاهر إلا أنه لا يهمل النية بصفتها دافعًا للسلوك الأخلاقي، وهذا ما نلحظه في كتاب عمر نفسه إلى أبي موسى الأشعري واليه على البصرة، حينما يقول له: «من خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تخلق للناس بما يعلم الله أن ليس من نفسه شانه الله؛ فإن الله تعالى لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصًا، فما ظنك بثواب عند الله عز وجل في عاجل رزقه وخزائن رحمته»[22].

ويشير قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه السابق إلى أهمية تطابق النية مع السلوك والقول مع الفعل، فيقول: «ومن تخلق للناس» أي: أظهر للناس في خلقه خلاف نيته؛ لأن قوله: «تخلق» يريد أظهر الخلق تصنعًا، ومن أظهر الخلق تصنعًا وافتعالاً بما يعلم الله أنه ليس من خلقه «شانه الله».

[د) التربية السياسية]:

وبتأملنا لنموذج خلافة عمر الذي سقناه في الصفحات السابقة ندرك كيف كانت خلافة الصدر الأول -أو خلافة الخلفاء الراشدين- مثالاً للخلافة الصحيحة الشرعية، وأنها النموذج الذي تستنبط منه الأسس والمبادئ التي يجب أن يبنى عليها نظام الحكم الإسلامي، وبمعنى آخر: هي النموذج العملي للتربية السياسية في الإسلام.

والتربية السياسية كما بدت في حياة عمر رضي الله عنه كانت تقوم على عدة دعائم أو مقومات هي: المساواة، والعدل، والشورى، وحقوق المسلم على الحاكم، وواجباته؛ فكان إذا أعياه أن يجد في القرآن أو السنة حكم ما نزل به نظر هل كان لأبي بكر رضي الله عنه فيه رأيٌ، فإن وجد أخذ به، وإلا جمع رؤوس الناس وعلماءهم فاستشارهم، فإن اجتمعوا على أمر أخذ به. كما حرص عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أن يوسع قاعدة العمل بالشورى، فلم يقتصر على العلماء والقراء الذين كانوا أصحاب مشورته، بل كان إذا نزل به الأمر المعضل دعا الفتيان فاستشارهم يقتفي حدة عقولهم، وكان يستشير المرأة فربما أبصر في قولها الشيء يستحسنه فيأخذ به.

أما حقوق الرعية في اختيار الحاكم ونقده وتقويمه والاتصال المباشر به، فقد برزت في حياة عمر رضي الله عنه بشكل واضح؛ فلم يعتبر عمر رضي الله عنه نقد الرعية ومحاسبتها للحاكم حقًا لها فحسب، بل كان يزيد على ذلك فيجعل أحب الناس إليه من يواجهه بعيوبه: «أحب الناس إليَّ من رفع إليَّ عيوبي»[23]، ولم يعرف عنه أنه احتجب عن رعيته أو اتخذ من دونهم بابًا، وقد أعرب عن ذلك الهرمزان عندما أتى به المسلمون مأسورًا إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو نائم في المسجد، فيسأل الهرمزان عن حراسه وحجابه، فيقولون: ليس له حارس ولا حاجب، فيقول الهرمزان: (ينبغي له أن يكون نبيًا) فقالوا: «بل يعمل بعمل الأنبياء»[24].

وللرعية كذلك الحق في التعليم؛ لأنه في مقدمة الحقوق التي يجب على الرعية والحاكم في الإسلام القيام بها حتى تتمكن الرعية من المشاركة السياسية بوعي وفهم، فقبل اتساع الفتوحات الإسلامية كان الراشدون يُعلِّمون بأنفسهم مع غيرهم من الصحابة، وكانوا يعلمون من فوق المنبر في المسجد وفي مجالسهم وفي كل مكان يتيسر فيه أمر التعليم، ولما اتسعت الفتوحات وانتشر الإسلام كانوا يرسلون بالمعلمين إلى الأمصار، كما كانوا يعهدون بالولاية والقضاء إلى كبار الصحابة حتى يكون التعليم في مقدمة مهامهم الأساس.

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينص في كتبه إلى المسلمين في الأمصار على أن مهمة ولاته هي التعليم؛ نرى ذلك مثلاً فيما كتبه إلى عامة المسلمين في الأمصار قائلاً: «إني لم أستعمل عليكم عمالاً ليضربوا أبشاركم وليشتموا أعراضكم ويأخذوا أموالكم، ولكني استعملتهم ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم»[25]، ويخطب عمر رضي الله عنه الناس يوم الجمعة، فيقول: «اللهم إني أَشهَدُ على أمراء الأمصار، فإني إنما بعثتهم ليعلموا الناس دينهم وسنة نبيهم»[26].

وكان الولاة الذين يبعث بهم عمر رضي الله عنه إلى الأمصار الإسلامية يؤكدون للمسلمين أن مهمتهم الأساس هي التعليم؛ نرى ذلك فيما أعلنه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه عندما أرسله عمر رضي الله عنه واليًا على البصرة، فقال: «إن أمير المؤمنين بعثني أعلمكم كتاب ربكم وسنة نبيكم»[27]. ومن ثم، فمهمة الولاة وواجبهم الأساس أن يكونوا أئمة ومربين ولا يكونوا جباة عاتين.

ولا شك أن مثل هذه الممارسات - في مختلف جوانب تربية الشخصية - قد هيَّأت لعملية التربية والتعليم مناخًا رائعًا من الحرية الفكرية، وحققت مزيدًا من النشاط والاجتهاد في مجال العلم والفقه.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة