المبحث الأول: التربية الإيمانية للداعية
التربية الإيمانية تعني إنماء الإيمان وزيادته وتعاهده وترقيته، (والإيمان قول وعمل؛ قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح)[1]، والتربية الإيمانية تُعنى بتعميق معاني الإيمان في القلب، وتحقيق السلوك الإيماني في الجوارح، فهي عناية قلبية وتربية عبادية.
ومن المؤكد أن تحقق التربية الإيمانية في سلوك الداعية هو من أولى مقومات تربية الداعية لنفسه، وكلما قوي إيمان الداعية قويت ثقته بالله، وعظم يقينه وأشرقت نفسه، ولهذا أثر بالغ على صدق لهجته وحسن دعوته وثباته على الصراط القويم.
أولاً: أهمية تقوية الداعية صلته بربه عز وجل:
قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﭽ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴿ ١ ﴾ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿ ٢ ﴾ نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ﴿ ٣ ﴾ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ﴿ ٤ ﴾ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ﭼ [المزمل: ١ - ٥].
فعبء الدعوة ثقيل، وحملها كبير، وقدرة الفرد تعجز عن تحمله والقيام به لولا توفيق الله تعالى وعونه، ولذلك كان لابد للداعية أن يتعرض لتوفيق ربه، وأن يستمد منه عونه، ويطلب منه مدده، ولن يتحقق ذلك إلا بحسن الصلة بالله والتقرب إليه وحسن التوكل عليه، حتى يكون بين العبد وبين الله حال يصبح معها من أوليائه، فلا يُسلمه معها إلى أعدائه، كما أنه لا يستقيم للداعية أن يدعو الناس إلى الله وإلى حسن الصلة به، وهو مقصر في حق ربه مقطوع الصلة به! قال الله تعالى على لسان نبيه شعيب عليه السلام جامعاً هذين الأمرين: ﭽ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﭼ [هود: ٨٨].
ثانيًا: من المظاهر التي تدل على توثيق الداعية صلته بالله:
- إخلاص النية له سبحانه في دعوته؛ فلا يرجو من ورائها إلا رضا الله عز وجل، ولا يتطلع منها إلى مكاسب شخصية أو منافع دنيوية.
- عظم محبة الله عز وجل في قلبه، والإكثار من عبادته وذكره؛ فالداعية الوثيق الصلة بالله يحرص على طاعته والتقرب إليه، محافظ على المفروضات سبَّاق إلى النوافل والمسنونات.
- إتقانه لدعوته وإحسانه فيها، استشعارًا منه لعظم الرسالة وحجم الأمانة التي أمر الله بتبليغها للناس، ومراقبة الله في أدائها على الوجه الذي يرضيه.
- حياة قلبه وسرعة تأثره بآيات الله ومواعظه.
يقول الله تعالى: ﭽ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿ ٢ ﴾ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿ ٣ ﴾ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﭼ [الأنفال: ٢ - ٤].
وبمجاهدة الداعية نفسه لتحقيق الإيمان وتعظيم الصلة بالله تهون عليه الصعاب، وتخف الآلام، وتُنتزع من قلبه آفات القلب من حب الشهرة والجاه، والخشية من الناس، ويزداد رغبه فيما عند الله.
ولتحقيق هذه الصلة بالله يسلك الداعية ثلاث سبل: تزكية نفسه، وتنقية قلبه، وتربية نفسه على العبادة.
التزكية في اللغة: مصدر زكَّى الشيء يزكيه، ولها معنيان: المعنى الأول: التطهير؛ يقال: زكَّيت الثوب إذا طهَّرته. والمعنى الثاني: الزيادة؛ يقال: زَكَى المال يزكو إذا نمى.
وكلا المعنيين اللغويين مقصود في الشرع؛ لأن تزكية النفس شاملة للأمرين: تطهيرها وتخليتها من الأدران والأوساخ الحسية والمعنوية، وتنميتها وتحليتها بالأوصاف الحميدة والفاضلة. فتزكية النفس تدور على أمرين: التخلية، والتحلية.
والمقصود بالتخلية:
تطهير القلب من أدران الاعتقادات الباطلة والتصورات الرديئة والذنوب والمعاصي.
والمقصود بالتحلية:
تحلية النفس بحسن المعتقد وجمال التصور ومكارم الأخلاق وطيب الشمائل. وهما عمليتان تسيران جنبًا إلى جنب؛ فالمؤمن مطالب (بالتنقِّي من العيوب -كالرياء والكبر، والكذب والغش، والمكر والخداع والنفاق، ونحو ذلك من الأخلاق الرذيلة- ومطالب بالتحلِّي بالأخلاق الجميلة من: الصدق، والإخلاص، والتواضع، ولين الجانب، والنصح للعباد، وسلامة الصدر من الحقد والحسد وغيرهما من مساوئ الأخلاق، فإن تزكيته يعود نفعها إليه، ويصل مقصودها إليه، ليس يضيع من عمله شيء)[2].
ووردت تزكية النفوس في القرآن الكريم في نصوص متعددة دلَّت على بالغ العناية بذلك الأمر:
1. دعا إبراهيم عليه السلام ربه أن يبعث في ذريته رسولا يبلغهم الوحي، ويعلمهم الشرع، ويزكيهم؛ قال تعالى: ﭽ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﭼ [البقرة: ١٢٩]. ووصف الله رسالة نبيه ﷺ في الأميين بقوله: ﭽ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﭼ [الجمعة: ٢].
2. التزكية رسالة الأنبياء؛ قال الله تعالى: ﭽ اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ﴿ ١٧ ﴾ فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَىٰ أَنْ تَزَكَّىٰ ﴿ ١٨ ﴾ وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ ﭼ [النازعات: ١٧ - ١٩].
3. ربط الله الفلاح بتزكية النفس؛ قال سبحانه ﭽ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّىٰ ﭼ [الأعلى: ١٤]، وبعد أن أقسم أقسامًا متعددة -أحد عشر قسمًا- في سورة الشمس، كان جوابها: ﭽ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴿ ٩ ﴾ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﭼ، قال تعالى: ﭽ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴿ ١ ﴾ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ﴿ ٢ ﴾ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ﴿ ٣ ﴾ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ﴿ ٤ ﴾ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ﴿ ٥ ﴾ وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ﴿ ٦ ﴾ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴿ ٧ ﴾ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴿ ٨ ﴾ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴿ ٩ ﴾ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﭼ [الشمس: ١ - ١٠].
4. جعل الله الجنة جزاء من تزكى؛ قال تعالى: ﭽ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّىٰ ﭼ [طه: ٧٦].
5. جاء في القرآن معنى جليل في أن من ينتفع بتزكية النفس هو المزكّي نفسه، وهذا حث للعبد أن يعتني بتزكية نفسه؛ قال الله تعالى: ﭽ وَمَنْ تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ﭼ [فاطر: ١٨].
6. زكاة النفس فضل وهبة يمنحها الله من يشاء؛ قال الله عز وجل: ﭽ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﭼ [النور: ٢١]، وفي الحديث أنه ﷺ كان يقول عند هذه الآية: «اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها»[3].
والداعية أولى الناس بتزكية نفسه وتطهيرها، فكيف يزُكي الداعية إلى الله نفسه؟
في النقاط التالية إشارة إلى أهم الوسائل لتحقيق ذلك:
1. تحقيق توحيد الله تعالى وتعظيم قدره وتقوية الإيمان به؛ قال ابن القيم رحمه الله: (فأصل ما تزكو به القلوب والأرواح: التوحيد)[4]، ويكون ذلك بالتفكر في خلقه، وتعلم أسمائه وصفاته، وتعظيم آياته وشرعه، والخشية منه حق الخشية؛ قال تعالى في قصة موسى وفرعون: ﭽ فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَىٰ أَنْ تَزَكَّىٰ ﴿ ١٨ ﴾ وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ ﭼ [النازعات: ١٨ - ١٩].
2. الاقبال على القرآن وتلاوته وتدبره والعمل بما فيه، فعن أَبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأُترُجَّة، ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الرَّيحانَة، ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحَنْظَلَةِ، ليس لها ريح وطعمها مر»[5].
3. المحافظة على الفرائض، وإقامتها على أكمل وجه؛ يقول الله تعالى: ﭽ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّىٰ ﴿ ١٤ ﴾ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ ﭼ [الأعلى: ١٤ - ١٥]، وبذل الصدقة كما قال تعالى: ﭽ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﭼ [التوبة: ١٠٣]، ثم الحرص على النوافل والسنن والإكثار منها، فعبادة الله زكاة النفس وطهارتها، وكلما أحسن الداعية التعبد لله أفاض الله عليه من حبه وتوفيقه.
4. كثرة الذكر وترطيب اللسان به، قال النبي ﷺ: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر مثل الحي والميت»[6].
5. كثرة القراءة في سير الصالحين؛ فإن قراءتها تقوي الهمة، وتشد العزم، وفي سير الصالحين العطرة منهج علمي وتطبيق عملي لتزكية النفوس وإصلاحها.
وبالعموم فإن تزكية النفوس لا تكون إلا بالمنهج الشرعي والهدي النبوي الذي جاء به نبينا محمد ﷺ، وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله في كتاب مدارج السالكين: (وتزكيةُ النفوس أصعبُ من علاج الأبدان وأشدُّ، فمن زكَّى نفسه بالرياضةِ والمجاهدة والخلوةِ التي لم يجئ بها الرسل، فهو كالمريضِ الذي يعالجُ نفسَه برأيِه، فالرسلُ أطباءُ القلوب، فلا سبيل إلى تزكيتها وصلاحها إلا من طريقهموالتسليم لهم)[7].
وفي مقابل هذا، فإن الداعية ينبغي عليه أن يتنبه لسد المنافذ التي قد تفسد عليه أثر تلك الوسائل؛ لأن القلب الذي يتلقى الوسائل والعوائق واحد ولا يمكن انفصاله أو تجزئته؛ إذ لا يكفي أن يأتي الإنسان بالوسائل بل لا بد من الحذر من العوائق، ومن أعظمها: الركون إلى الدنيا وإيثارها على الآخرة، واتباع الهوى، وجملة المعاصي والآثام مثل: النظر إلى المحرمات، أو سماع المحرمات، وإطلاق اللسان فيما لا يعني، فضلاً عما حرم الله تعالى، وانظر كيف أن الله قرن اجتناب المحرمات بزكاة النفس في قوله تعالى: ﭽ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ﭼ [النور: ٣٠].
القلب محط نظر الرحمن جل وعلا، قال رسول الله ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم»[8]. وسلامته أساس النجاة يوم القيامة؛ قال تعالى: ﭽ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ﴿ ٨٨ ﴾ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﭼ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]، وقد سمي القلب قلبًا لسرعة تقلبه؛ قال ﷺ: «إنما سُمي القلب من تقلبه، إنما مثل القلب كمثل ريشة معلقة في أصل شجرة يقلبها الريح ظهراً لبطن»[9].وهو شديد التقلب كما وصفه النبي ﷺ بقوله: «أشد تقلبًا من القدر إذا اجتمعت غليانًا»[10].
والله سبحانه وتعالى هو مقلب القلوب ومصرفها كما جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء»[11]، ولهذا كان من دعائه ﷺ: «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك»[12].
والقلب مَلِك الأعضاء وصلاحه صلاح لسائرها، قال النبي ﷺ: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب»[13].
و(التربية الإسلامية تولي الاهتمام الأكبر في تقويم السلوك إلى إصلاح القلب وتثبيت الإيمان فيه، فإذا استقام السلوك الداخلي استقام تبعًا له الخارجي لا محالة، بخلاف العناية بتقويم السلوك الظاهر فقط؛ فإنه يعتبر بناء على غير أساس، وكل بناء على غير أساس عرضة للانهيار)[14]. قال ابن رجب رحمه الله : (فأفضل الناس من سلك طريق النبي ﷺ وخواص أصحابه في الاقتصاد في العبادة البدنية والاجتهاد في الأحوال القلبية؛ فإن سفر الآخرة يقطع بسير القلوب لا بسير الأبدان)[15]. وقال شيخ الإسلام رحمه اللهلله: (والدين القائم بالقلب من الإيمان علماً وحالاً هو الأصل، والأعمال الظاهرة هي الفروع وهي كمال الإيمان)[16].
وقال ابن القيم رحمه الله: (ومن تأمل الشريعة في مصادرها ومواردها علم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب، وأنها لا تنفع بدونها، وأن أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح، وهل يميز المؤمن عن المنافق إلا بما في قلب كل واحد منهما من الأعمال التي ميَّزت بينهما؟! وهل يمكن أحد الدخول في الإسلام إلا بعمل قلبه قبل جوارحه؟! وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم، فهي واجبة في كل وقت)[17].
وتعد أعمال القلوب هي الأصل الذي تنبني عليه جميع العبادات، وهي الأصل الذي يؤثر في الإيمان زيادة ونقصانا، ويؤثر في التوحيد بقاء وزوالا، وأعمال القلوب هي: الحركات والمشاعر التي يتبناها القلب نحو خالقه سبحانه، وهي الإقرارات والتصديقات التي يقولها القلب بلسان حاله، وهي الموافقات الفعلية للأوامر والنواهي التي جاء بها الدين للعباد، ومن أمثلة أعمال القلوب: الخشية، والإنابة، والخوف والرجاء، والمحبة، والتوكل، والشكر، والمراقبة والمحاسبة، والإخلاص واليقين، وغيرها.
والله عز وجل قد ذكر في القرآن أوصافا في ذم القلب القاسي، والمقفل والمريض، والأعمى والأغلف، والمطبوع المختوم عليه، ومتى ما أهمل الداعية قلبه ولم يكن من أولوياته واهتماماته، ولم يستشعر خطورة إهماله والانشغال عنه؛ كان قلبه معرضًا للعطب والهلاك، فكيف للداعية أن يدل القلوب إلى الله وقلبه في منأى عنه؟!
ومما ينبغي أن يدركه ويحذره الداعية: آفات القلب ومفسداته؛ وهي محصورة في محورين كبيرين هما: مرض الشبهة، ومرض الشهوة؛ فإن شفاء القلوب منهما موقوف على ما يزيلهما، وسلامة القلب في تخليته مما يفسده ويعطبه بالبعد عن الشرك بالله أصغره وأكبره، وعدم التعلق بالبدعة، والحذر من مخالفة السنة، وترك اتباع الشهوات، والتوبة من مواقعة السيئات، والفرار من الشبهات، وترك الغفلة.
ج -تربية الداعية نفسه على العبادة:
امتدح الله أقوامًا بأنهم من العابدين؛ فقال عز وجل: ﭽ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ﭼ [الأنبياء: ٧٣]، فأثنى عليهم لاجتهادهم في عبادة ربهم، والعبادة هي الغاية التي خلق الله الثقلين من أجلها، وتعبيد الناس لله هو غاية دعوة المرسلين ومن سار على نهجهم من الدعاة المصلحين؛ قال تعالى: ﭽ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﭼ [الذاريات: ٥٦]، وقد أمر الله بها النبي ﷺ حتى الممات؛ فقال سبحانه: ﭽ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﭼ [الحجر: ٩٩].
وكم يحتاج الداعية إلى الله قبل دعوته إلى أن يربي نفسه على العبادة لله، ومما يعينه على ذلك:
- استشعار أهمية العبادة للداعية وأنها خير عون له في دعوته، ولذلك أمر الله سبحانه وتعالى بها الرسول ﷺ عند إرادة إلقاء القول الثقيل عليه، وهو خير الدعاة وأفضلهم؛ فقال: ﭽ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴿ ١ ﴾ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿ ٢ ﴾ نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ﴿ ٣ ﴾ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ﴿ ٤ ﴾ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ﭼ [المزمل: ١ - ٥].
- استشعار أن العبادة مجلبة لمحبة الله عز وجل، وبتلك المحبة يفلح الداعية؛ كما في الحديث القدسي: «إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه»[18]. فيصبح لا يمشي إلا لله، ولا يبطش إلا لله، ولا يسمع إلا لله، ولا يبصر إلا لله، وكل عمله لله، فيحب كل ما يقربه إلى الله، ويكره كل ما يبعده عن الله.
- كما أن محبة الله تقود إلى محبة الآخرين للداعية؛ وذلك لأن الله رضي الله عنه سيحبه، وإذا أحبه الله أحبه جبريل، ثم تحبه ملائكة السماء، ويطرح له القبول في الأرض؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلانا فَأَحْبِبْهُ، فَيُحِبُّهُ فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانا أَحِبُّوهُ، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القَبُول في الأرض »[19].
- معرفة أهمية العبادة للداعية في وقايته من الفتن، يقول الرسول ﷺ «بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا»[20].
ومما يعين الداعية على تربية نفسه على العبادة:
1) القراءة في فضائل العبادات؛ فإن ذلك سيقوده للمسارعة إليها، والاجتهاد فيها.
2) تعويد النفس منذ البدايات على التزام العبادة وعدم التفريط فيها.
3) قراءة سير العباد والزهاد في دواوين سير أعلام النبلاء وكتب الأعلام.
4) التنويع في العبادات وعدم إملال النفس منها.
5) الحرص على الاستمرار والديمومة عليها؛ فأحبها أدومها وإن قل، وكان عمله ﷺ دِيْـمَة؛ أي يداوم عليه.
6) أن يحرص على استدراك ما فات منها، وقضاء ما يقضى.
7) مصاحبة الصالحين من أهل العبادة الذين يعينونه عليها.
8) وبعد ذلك كله يرجو قبولها من الله مع خوف الرد وذهاب الأجر؛ يقول الله تـعـالى: ﭽ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ﴿ ٦٠ ﴾ أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﭼ [المؤمـنـون:٦٠ - ٦١ ]، قالت عائشة رضي الله عنها لـرسـول الله ﷺ: هم الذين يشربون الخمر، ويسرقون؟ قال: «لا يا بنت الصديق، أو يا بنت أبي بكر، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون ألا يقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات»[21].
ثالثًا: مقتضيات العبودية بين الرب والعبد:
العبودية هي أعلى مقامات المخلوق، ولذلك حينما نـادى الله سبحانـه وتعالى رسـولـه ﷺ في مقـام الإسـراء -وهو مقـام عـالٍ- نـاداه بلفـظ العبودية؛ فقـال: ﭽ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ﭼ [الإسراء: ١]، ومتى ما استشعر الداعية أنه عبد لله ليس له غير باب سيده وفضله وإحسانه، وإذا أهمله سيده وتخلى عنه هلك، فلم يؤوه أحد، ولم يعطف عليه أحد، بل يَضيع أعظم ضيعة؛ متى ما استشعر الداعية ذلك أضحى لسان حاله حينئذ يقول: اللهم إني لا غنى بي عنك طرفة عين، وليس لي من أعوذ به، وألوذ به غير سيدي الذي أنا عبده.
كما أنه متى ما التزم الذل والخضوع والإنابة إلى الله عز وجل وامتثل أمره، واجتنب نهيه وداوم الافتقار إليه، واللجوء إليه، والاستعانة به والتوكل عليه، وأدرك معنى قوله ﷺ: «ناصيتي بيدك»[22]؛ أي أنت المتصرف فيََّ، تُصرِّفُني كيف تشاء، فكيف يكون لي في نفسي تصرف؟! فمَن كانت نفسه بيد ربه وسيده، وناصيته بيده، وقلبه بين إصبعين من أصابعه، وموته، وحياته، وسعادته، وشقاوته، وعافيته وبلاؤه كله إليه سبحانه، ليس للعبد منه شيء، بل هو في قبضة الله عز وجل، وشهد أن ناصيته ونواصي العباد كلها بيد الله وحده يصرفهم كيف يشاء، من كان هذا حاله واستشعاره لم يَخفْهُم بعد ذلك، ولم يرجهم، ولم يُنْزِلْهُمْ منزلة المالكين بل منزلة عبيد مقهورين، فمن شهد نفسه بهذا المشهد، صار فقره وضرورته إلى ربه وصفًا لازمًا له، وهنا يستقيم توحيده وعبوديته وتوكله. ويكون بذلك قد حقق حق الله عليه من العبودية، ويكون قد أدَّى ما عليه من مقتضاها[23].
والله جل وعلا واسع الفضل، جزيل العطاء، إحسانه للمحسن أجل وأوفى؛ فهو جل وعلا يقول: ﭽ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﭼ [الرحمن: ٦٠] فيكرم عبده الصالح بولايته، ويفيض عليه من هدايته ومحبته ورحمته ورزقه، ويملأ قلبه رضًا وتسليمًا لما يقضيه ويقدره، ويعطيه القوة على مجابهة الشدائد والمحن في الدنيا.