المبحث الأول: الداعية القدوة
تعني القِدوة أو القُدوة: الأسوة بكل ما أو من يُقتدَى به. وهي الحالة التي يكون الإنسان عليها في اتباع غيره إن حسنًا وإن قبحًا، وإن سارًّا وإن ضارًّا؛ ولهذا قال تعالى: ﭽ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﭼ [الأحزاب: ٢١]، فوصفها بالحسنة. وتعرف القدوة أيضًا بأنها: حالة تَحمِل المقتدِي على التأثر بأخلاق القدوة (المقتدى به) وأعماله.
والقدوة نوعان: حسنة وسيئة؛ فالحسنة الاقتداء بأهل الخير والفضل والصلاح في كل ما يتعلق بمعالي الأمور وفضائلها من القوة والحق والعدل.
وقدوة المسلمين الأولى، صاحب الخلق الأكمل والمنهج الأعظم: رسولنا محمد ﷺ، وفي ذلك يقول الله عز وجل: ﭽ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﭼ [الأحزاب: ٢١].
ومن دقيق المعنى في هذه الآية الكريمة أن الله سبحانه جعل الأسوة في رسول الله ﷺ، ولم يحصره في وصف خاص من أوصافه أو خلق من أخلاقه أو عمل من أعماله الكريمة، وما ذلك إلا من أجل أن يشمل الاقتداء أقواله عليه الصلاة والسلام وأفعاله وسيرته كلها فيقتدي به، صلى الله عليه وسلم، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ويقتدي بأفعاله وسلوكه من الصبر والشجاعة والثبات والأدب وسائر أخلاقه، كما يشمل الاقتداء بأنواع درجات الاقتداء من الواجب والمستحب وغير ذلك مما هو محل الاقتداء.
والنوع الثاني: الأسوة السيئة: ويعني السير في المسالك المذمومة واتباع أهل السوء والاقتداء من غير حجة أو برهان ومن ذلك قول المشركين: ﭽ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ﭼ [الزخرف: ٢٣]، ولهذا رد عليهم القرآن بقوله: ﭽ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ﭼ [الزخرف: ٢٤]. وفي آية أخرى: ﭽ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﭼ [المائدة: ١٠٤].
وبعد التعرف على مفهوم القدوة، وأنواعها، يأتي هذا المبحث ليوضح للداعية كيف يصبح قدوةً صالحة فيما يدعو إليه، فلا يناقض قولُهُ فِعلَهُ، ولا فعلُه قولَه. ولتجلية أهمية هذا الأسلوب النبوي التربوي للداعية وضرورته، يعرض المبحث الحالي للعناصر الآتية:
أولاً: القدوة في القرآن والسنة:
1) القدوة في القرآن الكريم:
تعد القدوة من أهم الأساليب التربوية الناجعة، والتي تؤثر في المدعوين أكثر مما تؤثره الكلمات والحكايات؛ ولهذا اهتم القرآن الكريم بهذا الأسلوب أيَّما اهتمام، وتنوع عرضه بصور متنوعة وطرق مختلفة، وحث عليه؛ كل ذلك لأهميته في توصيل الرسالة الدعوية، وتحقيق الهدف المنشود من الدعوة إلى الله، ولعلنا نعرض بعض تلك الصور، فمن ذلك:
أ- التأسي بالرسل والأنبياء على العموم:
قال سبحانه وتعالى: ﭽ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﭼ [الأنعام: ٩٠]. فبعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى عددا من الأنبياء وقص قصصهم قال لنبيه محمد ﷺ: ﭽ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﭼ والمعنى هو: (فبالعمل الذي عملوا والمنهاج الذي سلكوا وبالهدى الذي هديناهم والتوفيق الذي وفقناهم «اقتده» يا محمد فاعمل وخذ به واسلكه فإنه عمل لله فيه رضًا، ومنهاج من سلكه اهتدى)[1].
ب- الاقتداء بالنبي ﷺ على الخصوص:
قال سبحانه وتعالى: ﭽ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﭼ [الأحزاب: ٢١]. قال القرطبي في معنى الأسوة: (الأسوة القدوة، والأسوة ما يتأسى به أي يتعزى به، فيقتدى به في جميع أفعاله ويتعزى به في جميع أحواله) [2].
ج- الحث على الاقتداء بمواقف الأنبياء وأتباعهم في الثبات على الحق والبراءة من الكفر وأهله:
قال سبحانه وتعالى: ﭽ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ ...ﭼ، ثم أكد هذا الاقتداء بقوله: ﭽ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﭼ [الممتحنة: 4-٦]. قال السعدي: (وليس كل أحد تسهل عليه هذه الأسوة، وإنما تسهل على من كان يرجو الله واليوم الآخر، فإن الإيمان واحتساب الأجر والثواب يُسهِّل على العبد كل عسير، ويقلل لديه كل كثير، ويوجب له الإكثار من الاقتداء بعباد الله الصالحين، والأنبياء والمرسلين؛ فإنه مفتقر ومضطر إلى ذلك غاية الاضطرار)[3].
د- القدوات تضاعف حسناتهم وسيئاتهم:
ولهذا حدَّث القرآن عن أزواج رسول الله ﷺ وهن في موطن القدوة لسائر المؤمنات؛ كما قال تعالى: ﭽ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴿ ٣٠ ﴾ ۞ وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا ﭼ[الأحزاب: ٣٠ - ٣١]. وقال ﷺ: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا»[4].
ه- اتباع المبادئ مُقدَّم على الاقتداء بالأشخاص:
جعل القرآن الكريم اتباع المبادئ مقدمًا على الاقتداء بالأشخاص، وهذا هو الفرق بين التقليد والاتباع؛ فالمقلد يحاكي ما يراه دون فهم لحكمة أو تعرف إلى دليل، أما المتبع فهو وإن قلد فتقليده مبني على علم بدليل ما يعمله، وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى: ﭽ قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ...ﭼ [يوسف: ١٠٨].
قال السعدي: (ﭽ قُلْ ﭼ للناس ﭽ هَٰذِهِ سَبِيلِي ﭼ أي: طريقي التي أدعو إليها، وهي السبيل الموصلة إلى الله وإلى دار كرامته، المتضمنة للعلم بالحق والعمل به وإيثاره، وإخلاص الدين لله وحده لا شريك له، ﭽ أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ ﭼ أي: أحث الخلق والعباد إلى الوصول إلى ربهم، وأرغبهم في ذلك وأرهبهم مما يبعدهم عنه، ومع هذا فأنا ﭽ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ ﭼ من ديني، أي: على علم ويقين من غير شك ولا امتراء ولا مرية. ﭽوَﭼ كذلك ﭽمَنِ اتَّبَعَنِي ﭼ يدعو إلى الله كما أدعو على بصيرة من أمره ﭽ وَسُبْحَانَ اللَّهِ ﭼ عما نسب إليه مما لا يليق بجلاله، أو ينافي كماله، ﭽ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﭼ في جميع أموري، بل أعبد الله مخلصًا له الدين) [5]. ويقول ﷺ: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة»[6].والحديث يشترط في اتباعنا لمن هم بعد رسول الله ﷺ أن يكون الأمر على رشاد، وهذا يقتضي عرض أفعالهم على المبادئ، فما توافق معها قبلناه مع تسليمنا بمكانة الشخص الذي نعرض لسيرته ومبلغ قدره.
و -علَّم سبحانه عباده أن يدعوه ليكونوا قدوة في التقوى:
قال سبحانه عن عباد الرحمن: ﭽ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﭼ [الفرقان: ٧٤]. قال مجاهد: (أئمة نقتدي بمن قبلنا، ونكون أئمة لمن بعدنا)[7].
قال تعالى: ﭽ وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ﴿ ٢٣ ﴾ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ۖ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﭼ [الزخرف: ٢٣-٢٤]. يقول السعدي: (وهذا الاحتجاج من هؤلاء المشركين الضالين، بتقليدهم لآبائهم الضالين، ليس المقصود به اتباع الحق والهدى، وإنما هو تعصب محض، يراد به نصرة ما معهم من الباطل) [8].
ح -الوعيد الشديد لمن يخالف قوله فعله:
قال تعالى: ﭽ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴿ ٢ ﴾ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﭼ [الصف: ٢-٣]. يقول السعدي: (لم تقولون الخير وتحثون عليه، وربما تمدحتم به وأنتم لا تفعلونه، وتنهون عن الشر وربما نزهتم أنفسكم عنه، وأنتم متلوثون به ومتصفون به، فهل تليق بالمؤمنين هذه الحالة الذميمة؟ أم من أكبر المقت عند الله أن يقول العبد ما لا يفعل؟ ولهذا ينبغي للآمر بالخير أن يكون أول الناس إليه مبادرة، وللناهي عن الشر أن يكون أبعد الناس منه) [9].
ط -تحذير من يحيد عن القدوة الصالحة ويتبع الظالمين:
قال تعالى: ﭽ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ﴿ ٢٧ ﴾ يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ﭼ [الفرقان: ٢٧ - ٢٨]. يقول ابن كثير: (إن الله يخبر عن ندم الظالم الذي فارق طريق رسول الله، والذي جاء به من الحق المبين، وسلك طريق غير سبيل المؤمنين، فإنه يوم القيامة يندم حيث لا ينفعه الندم، ويعض على يديه حسرة وأسفًا)[10].
2) القدوة في السنة المطهرة:
كذلك اهتمت السنة المطهرة بأسلوب القدوة، وتنوُّع عرضها، وأولتها عناية واهتمامًا؛ وذلك لأهمية هذا الأسلوب في توصيل الرسالة الدعوية بأقل جهد، وأقصر طريق، وأخف مؤونة، ومن تلك الصور:
أ- الأمر بالاقتداء بالنبي ﷺ في هديه وعبادته:
يقول سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه: لقد رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ قام عليه فكبَّر وكبَّر الناسُ وراءَه. وهو على المِنبَرِ. ثم رفَع فنزَل القَهقَرى حتى سجَد في أصلِ المِنبَرِ. ثم عاد حتى فرَغ من آخِرِ صلاتِه. ثم أقبَل على الناسِ فقال: «يا أيُّها الناسُ! إني صنَعتُ هذا لتأتَمُّوا بي، ولتَعلَموا صلاتي»[11].
قال الإمام النووي: (فبين لهم ﷺ أن صعوده المنبر، وصلاته عليه، إنما كان للتعليم، ليرى جميعهم أفعاله ﷺ، بخلاف ما إذا كان على الأرض فإنه لا يراه إلاّ بعضهم ممن قرب منه)[12].
وقال ابن حجر: (الحكمة في صلاته في أعلى المنبر ليراه من قد يخفى عليه رؤيته إذا صلى على الأرض)[13]. وقال ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي» [14]. وقال ﷺ: «لتأخذوا عني مناسككم»[15].
ب- تشجيع المبادرات للخيرات ليكون المرء قدوة لغيره:
قال جرير بن عبدالله رضي الله عنه: جاء ناسٌ من الأعرابِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ عليهم الصوفُ. فرأى سوءَ حالِهم؛ قد أصابتهم حاجةٌ. فحثَّ الناسَ على الصدقةِ، فأبطأوا عنه حتى رُؤِيَ ذلك في وجهِه. قال: ثم إنَّ رجلاً من الأنصارِ جاء بصُرَّةٍ من وَرِقٍ، ثم جاء آخرُ، ثم تتابعوا حتى عُرِفَ السُّرورُ في وجهه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «من سنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حسنةً، فعُمِل بها بعده، كُتِبَ له مثلُ أجرِ مَن عمل بها، ولا ينقصُ من أجورِهم شيءٌ. ومن سنَّ في الإسلامِ سُنَّةً سيئةً، فعُمِل بها بعدَه، كُتب عليه مثلُ وِزرِ من عمل بها، ولا ينقصُ من أوزارِهم شيءٌ»[16]. وقال النبي ﷺ: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا»[17].
ج -عرض القدوات الصالحة للأمة للاقتداء بهم:
يقول خباب بن الأرت رضي الله عنه: شكونا إلى رسولِ اللهِ ﷺ وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لهُ في ظلِّ الكعبةِ، قلنا لهُ: ألا تستنصرُ لنا؟ ألا تدعو اللهَ لنا؟ قال: «كان الرجلُ فيمن قبلكم يُحْفَرُ لهُ في الأرضِ، فيُجْعَلُ فيهِ، فيُجاءُ بالمنشارِ فيُوضَعُ على رأسِهِ فيُشَقُّ باثنتيْنِ، وما يصدُّهُ ذلك عن دِينِهِ، ويُمْشَطُ بأمشاطِ الحديدِ ما دونَ لحمِهِ من عظمٍ أو عصبٍ، وما يصدُّهُ ذلك عن دِينِهِ، واللهِ ليُتِمَّنَ هذا الأمرُ، حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إلى حضرموت، لا يخافُ إلا اللهَ، أو الذئبَ على غنمِهِ، ولكنكم تستعجلونَ»[18].
وقال ﷺ: «اقتدوا باللذَيْنِ من بعدِي من أصحابِي: أبي بكرٍ وعُمَرَ، واهتدوا بهدي عَمّارَ، وتَمسّكوا بعهْد ابن مسعودٍ»[19].
لقد فطر الله الناس وجبلهم على طلب القدوة والبحث عن الأسوة، لتكون لهم نبراسًا يضيء سبيل الحق، ومثالاً حيًّا يبين لهم كيف يطبقون شريعة الله، لذلك لم يكن لرسالات الله من وسيلة لتحقيقها على الأرض إلا إرسال الرسل؛ يبينون للناس ما أنزل الله من شريعة؛ قال الله تبارك وتعالى: ﭽ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿ ٤٣ ﴾ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﭼ [النحل: ٤٣ - ٤٤].
ولهذا فحاجة الناس إلى القدوة وطلبهم لها نابعة من غريزة تكمن في نفوس البشر أجمع؛ هي: التقليد، وهي رغبة ملحة تدفع الطفل، والضعيف، والمرؤوس، والمتربي، والمدعو إلى محاكاة سلوك الرجل، والقوي، والرئيس، والمربي، والداعية، والعالم؛ كما تدفع غريزة الانقياد في القطيع جميع أفراده إلى اتباع قائده، واقتفاء أثره.
ولعل مما يقوي مشروعية طلب القدوة تلك الدوافع والأسس الفطرية والنفسية التي تدفع الناس للاقتداء بغيرهم، ولعلنا نختصرها فيما يلي:
1) الإعجاب: إن الإنسان عندما يعجب بسلوك معين، أو بشخصية، يجد انجذابًا نفسيًا داخليًا للاقتداء بها في عموم السلوك والأخلاق، أو في جزئيات معينة، وتجد أن الدافع لذلك هو حب التجانس مع هذه الشخصية نتيجة الإعجاب.
2) التنافس: يعتبر التنافس من العوامل التي تثير عملية الاقتداء والتأسِّي؛ لأن التنافس السوي يكون مبنيًّا على الرغبة في التماثل والتسابق دون أن يوافق ذلك رغبة في زوال ما عند الآخرين.
3) الشعور بالعجز: إن الشعور بالعجز أو النقص في بعض جوانب الشخصية يدفع المرء إلى الاحتذاء بمن يرى أنهم متفوقون عليه في ذلك الجانب الذي أخفق في تحقيقه، ويرى أن في تقليدهم مخرجًا وعلاجًا قد ينقله ويخرجه مما يعاني منه.
وعليه؛ فمنهج الإسلام يحتاج إلى بشر يحمله ويترجمه بسلوكه وتصرفاته، فيحوِّله إلى واقع عملي محسوس وملموس، ولذلك بعث الله نبيه ﷺ بعد أن وضع في شخصيته الصورة الكاملة للمنهج؛ ليترجم هذا المنهج ويكون خير قدوة للبشرية جمعاء. وهذا يوافق فطر الناس وحاجتهم وطلبهم للقدوة التي يحتذى بها.
أما بالنسبة للداعية إلى الله فلا بأس له أن يسعى لقيادة الناس وإرشادهم وتوجيههم؛ فلا بد من التوازن بين كراهية الصدارة والشهرة، ووجوب قيادة الناس؛ فلا ينبغي أن يفهم من كراهية الصدارة والشهرة أنه يراد به قتل الطموح، ولا تفضيل دنو الهمة والقعود والخمول والعجز والكسل والتهرب من المسؤولية، وترك العمل، والتخاذل عن الواجبات وفروض الكفايات؛ خاصة إذا تعينت على الأكفاء.
وقد جعل ابن القيم رحمه الله الفرق بين الأمرين كالفرق بين تعظيم أمر الله وتعظيم النفس؛ فالناصح لله المعظم لله يحب نصرة دينه، فلا يضره تمنِّيه أن يكون ذلك بسببه، وأن يكون قدوة في الخير. أما طالب الرياسة فهو ساعٍ في حظوظ دنياه، ولذا يترتب على قصده مفاسد لا حصر لها.
والمقصود أن الداعية المخلص يكره التصدر والإمارة والشهرة بطبعه؛ لإخلاصه وبعده عن الرياء، ولكنه في نفس الوقت هو صاحب المبادرة الخيرة، وهو فارس الميدان إذا تعين عليه التصدر؛ وقد حكى الله من دعاء المؤمنين قولهم: ﭽ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﭼ [الفرقان: ٧٤]، أي: أئمة هدى يقتدى بأفعالهم، وهذا لشدة محبتهم لله، وتعظيمهم لأمره، ونصحهم له، ليكون الدين كله لله، وليكون العباد ممتثلين لأمره.
وقال سبحانه وتعالى قاصًّا كلام يوسف عليه السلام: ﭽ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﭼ [يوسف: ٥٥]، وليس ذلك حرصًا منه على الولاية، وإنما هو رغبة في النفع العام، وقد عرف من نفسه الكفاية والأمانة والحفظ ما لم يكونوا يعرفونه، فقصده إصلاح أموال الناس، وهو جزء من رسالة الداعية إلى الله، الذي يكون همه الأول فعل الخير طلبًا لمرضاة الله تعالى، وليس قصده إرواء غليله، وإرضاء شهوته في الزعامة؛ فالضابط فيها هو النية والموازنة بين المصالح والمفاسد العامة. ففي الجملة: هاتان الآيتان توضحان أن الداعية هو الرائد والدليل، بل قد ينبغي له طلب هذه الوظيفة الشريفة، بل قد تتعين عليه للمصلحة. والأدلة والأقوال المحذرة لا تنطبق على داعية تصدّر لإرجاع قومه إلى الحق، حتى لو اشتهر وعرف فلا بأس.
ويجب التنبيه إلى أن هذا الأمر مزلق؛ لالتباس النية فيه كثيرًا، وصعوبة تمحيص القصد، وذلك علمه إلى الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور: ﭽ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﭼ [آل عمران: ٣٠].