حجم الخط:

محتوى الدرس (14)

ثالثًا: أهمية القدوات:

[بداية]:

القدوة الحسنة من الوسائل المهمة جدًا في تبليغ الدعوة إلى الله وجذب الناس إلى الإسلام وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، كما أن القدوة الطيبة للداعي وأفعاله الحميدة وصفاته العالية وأخلاقه الزاكية تجعله أسوة حسنة لغيره، يكون بها أنموذجًا يقرأ فيه الناس معاني الإسلام فيقبلون عليه وينجذبون إليه؛ لأن التأثر بالأفعال والسلوك أبلغ وأكثر من التأثر بالكلام وحده. إن الإسلام انتشر في كثير من بلاد الدنيا بالقدوة الطيبة للمسلمين التي كانت تبهر أنظار غير المسلمين وتحملهم على اعتناق الإسلام؛ فالقدوة الحسنة التي يحققها الداعي بسيرته الطيبة هي في الحقيقة دعوة عملية للإسلام يستدل بها سليم الفطرة راجح العقل من غير المسلمين على أن الإسلام حق من عند الله.

ومن السوابق القديمة في أهمية السيرة الحسنة للداعي وأثرها في تصديقه والإِيمان بما يدعو إليه: ما جاء عن عبد الله بن سلام، قال: لما قدم رسول الله المدينة انجفل الناس إليه، وقيل: قدم رسول الله ، فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استبنت وجه رسول الله عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به أن قال: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا والناس نيام تدخلون الجنة بسلام»[1].

فعبد الله بن سلام استدلَّ بسَمْت رسول الله ووجهه المنير الكريم الذي يكون عليه أهل الصدق والأخلاق الكريمة، استدلَ بذلك على صدقه فيما يدعو إليه . كما أن الداعية إلى اللَّه تعالى بحاجة شديدة جدًّا إلى تطبيق ما يقول ويدعو إليه حتى يقتدي به الناس؛ ولهذا بيّن ابن القيم رحمه اللههذه المسألة، وحذَّر من عدم التزامها؛ حيث قال: (علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم ويدعونهم إلى النار بأفعالهم؛ فكلما قالت أقوالهم للناس: هلموا، قالت أفعالهم: لا تسمعوا منهم؛ فلو كان ما دعوا إليه حقًّا كانوا أول المستجيبين له. فهم في الصورة أدلاء وفي الحقيقة قطاع الطرق)[2].

ويمكن إجمال أهمية القدوات في الأمور الآتية:

[أثر المثال الحي]:

1 - إن المثال الحي والقدوة الصالحة يثيران في نفس البصير العاقل قدرًا كبيرًا من الاستحسان والإعجاب والتقدير والمحبة، فيميل إلى الخير، ويتطلّع إلى مراتب الكمال ويحاول أن يعمل مثله حتى يحتل درجة الكمال والاستقامة.

[شاهد الحال]:

2 - إن القدوة الحسنة المتحلِّية بالفضائل تُعطي الآخرين قناعة بأن بلوغ هذه الفضائل والأعمال الصالحة من الأمور الممكنة التي هي في متناول القدرات الإنسانية، وشاهد الحال أقوى من شاهد المقال.

[نظرة المدعوين]:

3 - إن الأتباع والمدعوّين الذين يربّيهم ويدعوهم الداعية ينظرون إليه نظرة دقيقة دون أن يعلم هو أنه تحت رقابة مجهرية؛ فرُبّ عمل يقوم به من المخالفات لا يلقي له بالاً يكون في نظرهم كبيرًا؛ لأنهم يعدُّونه قدوة لهم. وقد يراه الجاهل على عملٍ غير مشروع أو محرم فيظن أنه على حق، ولا شك أن الأمر خطير، والنجاة من ذلك أن يعمل الدعاة بالعلم، وليتقوا اللَّه تعالى.

ولكي ندرك خطورة ذلك الأمر نتأمل هذه القصة: يروى أن أبا جعفر الأنباري صاحب الإمام أحمد عندما أُخبر بحمل الإِمام أحمد للمأمون في الأيام الأولى للفتنة عبر الفرات إليه فإذا هو جالس في الخان، فسلم عليه، وقال: يا هذا أنت اليوم رأسٌ والناس يقتدون بك، فوالله لئن أجبتَ إلى خلق القرآن ليجيبنَّ بإجابتك خلق من خلق الله، وإن أنت لم تجب ليمتنعنَّ خلق من الناس كثير، ومع هذا فإن الرجل -يعني المأمون- إن لم يقتلك فأنت تموت، ولا بد من الموت، فاتق الله ولا تجبهم إلى شيء. فجعل أحمد يبكي ويقول: ما قلت؟ فأعاد عليه فجعل يقول: ما شاء الله، ما شاء الله[3].

وتمر الأيام عصيبة على الإمام أحمد، ويمتحن فيها أشدّ الامتحان ولم ينس نصيحة الأنباري، فها هو المروذي أحد أصحابه يدخل عليه أيام المحنة ويقول له: (يا أستاذ قال الله تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: ٢٩]، فقال أحمد: يا مروذي اخرج انظر أي شيء ترى؟! قال: فخرجتُ إلى رحبة دار الخليفة فرأيت خلقًا من الناس لا يحصي عددهم إلا الله، والصحف في أيديهم والأقلام والمحابر في أذرعتهم، فقال لهم المروذي: أي شيء تعملون؟ فقالوا: ننظر ما يقول أحمد فنكتبه، قال المروذي: مكانكم. فدخل إلى أحمد بن حنبل فقال له: رأيت قومًا بأيديهم الصحف والأقلام ينتظرون ما تقول فيكتبونه. فقال: يا مروذي أضل هؤلاء كلهم؟! أقتل نفسي ولا أضل هؤلاء)[4].

[إيصال المفاهيم]:

4 - إن مستويات الفهم للكلام عند الناس تتفاوت، ولكن الجميع يستوون أمام الرؤية بالعين المجردة، وذلك أيسر في إيصال المفاهيم التي يريد الداعية إيصالها للناس المقتدين به، ومما يدل على ذلك أن البخاري بوّب بابًا قال فيه: (باب الاقتداء بأفعال النبي ثم ساق الحديث: اتخذ النبي خاتمًا من ذهب فاتخذ الناس خواتيم من ذهب، فقال النبي : «إني اتخذت خاتمًا من ذهب»، فنبذه وقال: «إني لن ألبسه أبدًا»، فنبذ الناس خواتيمهم[5].قال ابن بطّال: (فدلّ ذلك على أن الفعل أبلغ من القول)[6].

ولهذا أمثلة كثيرة؛ فإنه خلع خاتمه فخلعوا خواتيمهم في هذه القصة، ونزع نعله في الصلاة حينما أخبره جبريل أن فيهما أذىً فنزعوا، ولَمّا أمرهم عام الحديبية بالتحلّل وتأخّروا عن المبادرة رجاء أن يأذن لهم في القتال وأن ينصرفوا فيكملوا عمرتهم، قالت له أم سلمة: اخرج إليهم واذبح واحلق، ففعل فتابعوه مسرعين[7]، فدلّ ذلك كله على أهمية القدوة وعظيم مكانتها.

[انحراف الداعية]:

5 - إن النبي قد حذّر الدعاة من المخالفة لِمَا يقولون؛ فبيّن في الحديث الشريف حال الدعاة الذين يأمرون الناس وينهونهم وينسون أنفسهم؛ قال: «أتيت ليلة أُسري بي على قومٍ تُقرض شفاههم بمقاريض من نار، كلَّما قرضت وفت، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: خطباءُ أمتكَ الذين يقولون ما لا يفعلون، ويقرؤون كتاب اللَّه ولا يعملون به»[8].

ولا يقتصر الخطر على الداعية وعلى دينه، بل يتعدّى إلى كل من يدعوهم.

وإن مما يذكر في هذا الشأن أن انحراف الداعية وخروجه عن النهج الصحيح هو في الوقت نفسه سببٌ في انحراف كل من تأثر به أو سمع منه؛ وما ذلك إلا بسبب أن سلوك الداعية وتصرفاته كلها مرصودة من قبل الناس، وجميع أفعاله وأقواله موضوعة تحت المجهر.

فليحتطِ الداعية لهذا الأمر المهم، ويراقب أفعاله وأقواله.. وليُرِ اللَّه تعالى من نفسه خيرًا.

[الأنبياء قدوات]:

6 - إن جميع الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم كانوا قدوة حسنةً لأقوامهم، وهذا يدل على عِظَم القدوة الحسنة وأهميتها؛ ولهذا قال شعيب عليه الصلاة والسلام لقومه: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود: ٨٨].

[بيت الداعية]:

7 - إن الناس كما ينظرون إلى الداعية في أعماله وتصرفاته ينظرون إلى أسرته وأهل بيته، وإلى مدى تطبيقهم لِمَا يقول، وهذا يفيد ويبيّن أن الداعية كما يجب عليه أن يكون قدوة في نفسه يجب عليه أن يُقوِّم أهل بيته وأسرته، ويلزمهم بما يأمر به الناس، ويدعوهم إليه؛ ولهذه الأهمية كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا صعد المنبر فنهى الناس عن شيء، جمع أهله فقال: «إني نهيت الناس كذا وكذا، وإن الناس لينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، وايم الله، لا أجد أحدًا منكم فعله إلا أضعفت له العقوبة ضعفين» [9].

رابعًا: صفات القدوة:

[بداية]:

لن يكون الداعية قدوة لمدعويه حتى تتوافر فيه جملة من الصفات الكريمة، والمواهب العالية، التي تيسر عليه مهمته وتجعله مقبولاً عند غيره. وهذه الصفات في جملتها لا بد أن تكون مقتبسة من إمام الدعاة نبينا محمد ، ولعلنا نذكر الصفات الكلية والأساس التي تدخل تحتها عدة صفات، فمن ذلك:

1- الإخلاص:

وهو أن يبتغي الداعية في عمله وجه الله، وأن يكون الباعث الحقيقي للعمل هو مرضاة الله، لا أن يعمل العمل من أجل أن يكون قدوة لمدعويه - إلا عند الحاجة إليه- وفي هذا مزلق خطير ينزلق فيه بعض الدعاة؛ وهو أن يتكلف العمل من أجل أن يكون قدوة للناس، وينسى حاجة نفسه إليه، وإخلاص النية فيه. كما لا يغيب عن ذهن القدوة أن الإخلاص أصل في قبول العمل كما قال : «إنما الأعمال بالنية، وإنما لا مرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»[10]. ولأهميته وضرورته أمر به الحق تبارك وتعالى، فقال في كتابه الكريم: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة: ٥]، وقوله تعالى: قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي [الزمر: ١٤]، لذلك ينبغي على القدوة أن يتزود بالإخلاص في دعوته وعبادته وذكره لله، وفي جهاده وسائر أعماله، وما يقوم به من وعظ وإرشاد وتوجيه ونصح، وما يقدمه من خدمات لأمته ومجتمعه، وبقدر ما يملك من تطبيق وعمل صادق مخلص يكون نجاحه في عمله، وثقة الناس به تزداد؛ لأنه يعمل بما يقول مخافة الله عز وجل بعيدًا عن أغراض النفس ونظر الناس، يبتغي وجه الله وتحقيق مرضاته؛ قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر: ٢].

2- الاستقامة على الإيمان:

يوجد الكثير من الصالحين في مجتمعاتنا، ولكن القليل من يخلص العمل ويستقيم على الإيمان ويسير في ركب عباد الرحمن، ولا خير ولا صلاح في شخص حاد عن الإيمان ولم يستقم على دين الله؛ لأنه سرعان ما ينعطف أمام التحديات وأمام الإغراءات، لذلك ينبغي الاستقامة على أمر الدين؛ وخاصة القدوة ومعلم الناس الخير؛ قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت: ٣٠]، فالقدوة مشغول في مجاهدة نفسه واستقامتها وسياستها، وهذا المطلوب الأعلى والنهج الأسمى في بناء القدوات المستقيمة في حياتها وفق معتقداتهم الإيمانية؛ كما قال سفيان الثقفي قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال: «قل آمنت بالله، ثم استقم»[11].

3- استقلال شخصية القدوة:

إن استقلال الشخصية ركن رئيس وسمة بارزة من سمات القدوة؛ فهو شخص متحرر من التبعية والتقليد الساذج، فيكون مؤثرًا لا متأثرًا، فلا يليق بمن هو في موقع المسؤولية والقدوة أن يكون إمعة يخضع لضغوط الجهال والسفهاء، فيميل معهم حيث مالوا.

4- الاعتدال والتوسط في أمور الحياة:

ينهج القدوة منهج التوسط في جميع أمور الحياة مع مراعاة الآداب الشرعية، ولا سيما في اللباس والمظهر والمأكل والاقتصاد وعلاقاته الاجتماعية مع الناس، والتوسط يعني الاعتدال والاستقامة، مما يجعل الناس ينظرون إلى هذه الشخصية المتعادلة المستقيمة نظرة إعجاب فتدخل في قلوبهم لأن مظهر القدوة وتعامله مع الآخرين ينسجم مع المنهج الذي يدعو إليه، قال تعالى: وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: ١٤٣].

5- التقوى:

التقوى هي الأصل الكبير الذي تقوم عليه شرائع الدين وتوجيهاته وآدابه وأخلاقه، فالقلب الذي يستشعر مخافة الله ويستسلم لإرادته ويتبع المنهج الذي اختاره الله ويتوكل عليه وحده هو المؤهل للقيادة وأن يكون قدوة للناس.

والتقوى تجعل القلب طاهرًا لا يعمل عملاً إلا وهو مراعٍ لله طالبًا رضاه؛ قال تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا [الطلاق: ٥]، ولأهمية التقوى كان يسأل ربه ذلك، كما قال : «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى»[12].

6- العلم:

حتى يكون الداعية قدوة حسنة لمدعويه، لا بد أن تكون أعماله صحيحة موافقة لكتاب الله وسنة رسول الله ، وهذا لا يتأتى إلا بطلب العلم منهما والحرص على تطبيقه. ولقد بوب البخاري رحمه الله بابا هو (العلم قبل القول والعمل) [13] لقوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد: ١٩]، فبدأ بالعلم. وأورد ابن حجر قول ابن المنير: أراد به أن العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، فهو مقدم عليهما، لأنه مصحح للنية المصححة للعمل. والخطاب وإن كان متناولا للنبي فهو متناول لأمته، وخاصة الدعاة منهم[14].

7- المكانة:

لا بد أن يكون للقدوة مكانة في قلوب من يقتدون به، فإذا لم يثق الشباب بقدوتهم ولم يحبوه كان الانتفاع به قليلاً إن لم يكن معدومًا. وغالبًا ما يكون الباعث لدى الشباب لتقليد شخص ما والاقتداء به هو الإعجاب بما يتميز به من صفات الكمال. والإنسان عندما يعجب بسلوك معين، أو بشخصية يجد انجذابًا نفسيًا داخليًا للاقتداء بها في عموم السلوك والأخلاق، أو في جزئيات معينة، وتجد أن الدافع لذلك هو حب التجانس مع هذه الشخصية نتيجة الإعجاب. ومن هذا المنطلق تأثر كثير من الشباب بالفنانين والرياضيين؛ لأن وسائل الإعلام دأبت على إظهارهم بصور الأبطال الفاتحين، والعظماء البارزين، فأعجب بهم الشباب، وأحبوهم وقلدوهم، بل لقد اعتبرهم البعض -للأسف الشديد- المثل الأعلى في الحياة.

8- الأخلاق الحسنة:

كلما كانت أخلاق الداعية أقرب إلى الأخلاق النبوية الكريمة، كان أكثر نفعًا وأكثر محبة وإلفًا في قلوب المدعوين، فتتم الفائدة، وتكمل به القدوة. وبعض الأخلاق أكثر تأثيرًا في نفوس المدعوين، وأكثر جذبًا لاهتماماتهم من بعضها الآخر؛ مما يحتم على الداعية تفقد تلك الأخلاق وتمثلها.

خامسًا: الوسائل المعينة للداعية على تمثل صفات القدوة:

[بداية]:

ثمة وسائل معينة ومساعدة للداعية إلى الله على تمثل صفات القدوة، هو بحاجة إلى استحضارها دائمًا، وأن تكون ماثلة أمام عينيه، متذكرًا لها إبّان دعوته؛ فهي بمثابة دوافع معنوية للداعية تدفعه وتحثه على تمثل صفات القدوة الحسنة، وتمنعه من الحيد عن جادتها كلما فترت النفس وأرادت استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير. ولعلنا نشير إلى أهم هذه الوسائل:

أهم هذه الوسائل:

1) الاستعانة بالله سبحانه وتعالى

والإكثار من دعائه، والتضرع إليه؛ كما قال سبحانه وتعالى حاكيًا دعاء عباده: رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان: ٧٤].

2) المطالعة المستمرة في حياة السلف الصالح

والعلماء، والدعاة من القدوات السابقة الذين سطروا للأمة أروع النماذج في كل نواحي الخير.

3) صحبة القدوات العاملة

فهم خير معين للثبات على الخير، والارتقاء بالنفس إيمانيًا، وخلقيًا، وعلميًا، والتزام كل نواحي الخير؛ حيث يعيش الداعية في مناخ النصيحة والتربية، والتذكير، والتواصي، ونقل الخبرات والتجارب.

4) تذكر الأجر والحسنات

لمن دل على الخير وكان سببًا في لزوم الناس للخير، مستشعرًا النصوص الربانية والنبوية في ذلك؛ كقوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت: ٣٣]، وقوله : «من سنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حسنةً، فعُمِل بها بعده، كُتِبَ له مثلُ أجرِ مَن عمل بها. ولا ينقصُ من أجورِهم شيءٌ، ومن سنَّ في الإسلامِ سُنَّةً سيئةً، فعُمِل بها بعدَه، كُتب عليه مثلُ وِزرِ من عمل بها، ولا ينقصُ من أوزارِهم شيءٌ»[15]. وقوله : «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا»[16].

5) تعلم العلم النافع وتعليمه للناس

فإنه خير سبيل لتمثل صفات القدوة الصالحة، مستشعرًا قوله : «أتيت ليلة أُسري بي على قومٍ تُقرض شفاههم بمقاريض من نار، كلَّما قرضت وَفَتْ، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: خطباءُ أمتكَ الذين يقولون ما لا يفعلون، ويقرؤون كتاب اللَّه ولا يعملون به»[17].

6) التأمل في نعيم الجنة

وأنها درجات ورتب ومنازل، ولا شك أن للقدوات الصالحة أكبر الحظ والنصيب من تلك الدرجات العالية والرتب العلية والمنازل الرفيعة؛ وذلك لأنهم سعوا في تعبيد العباد لرب العباد، وتلك هي الغاية من الوجود الإنساني في هذه الحياة الدنيا؛ قال : «إنَّ أهلَ الجنَّةِ ليتَراءَونَ في الغُرفةِ كما يتَراءَونَ الكَوكبَ الشَّرقيَّ أوِ الكَوكبَ الغَربيَّ الغاربَ في الأُفقِ والطَّالعَ، في تفاضُلِ الدَّرجاتِ، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ أولئِكَ النَّبيُّونَ؟ قالَ: بلَى، والَّذي نفسي بيدِهِ أقوامٌ آمنوا باللَّهِ ورسولِهِ وصدَّقوا المُرسَلينَ»[18].

ويقول : «ذَرِ الناسَ يَعملُونَ؛ فإنَّ الجنةَ مِائةُ درَجةٍ، ما بيْنَ كلِّ درَجتيْنِ كمَا بين السماءِ والأرضِ، والفِردوسُ أعْلاها درجةً وأوْسَطُها، وفوقَها عرْشُ الرحمنِ، ومِنها تَفَجَّرُ أنهارُ الجنةِ، فإذا سألتُمُ اللهَ فاسْألُوهُ الفِردوسَ»[19]. وأي عمل أعظم من أن يكون الداعية إلى الله قدوة حسنة للناس؟! ولهذا متى ما استشعر الداعية إلى الله هذه الوسائل، واستحضر تلك الفضائل، ومنّى نفسه بتلك المنازل الرفيعة، والدرجات العلية، كان مسارعًا للخيرات، مسابقًا لتمثل صفات القدوات.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة