المبحث الثاني: المهمات التربوية للداعية
لا شك أن الدعوة إلى الله من أفضل الأعمال وأحسنها وأقربها إلى الله؛ لما فيها من تعبيد الناس لرب الناس، وإخضاع المخلوق للخالق، كما أن فيها فرصًا كثيرة للتزود من الحسنات ورفع الدرجات وتكفير السيئات؛ كما قال سبحانه وتعالى: ﭽ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﭼ [فصلت: ٣٣]. وحتى يقوم الداعية بواجبه على أكمل وجه فلا بد أن يبدأ بنفسه - كما سبق في الفصل الثاني- ثم بمن يعول بدءًا من الأسرة إلى المجتمع الكبير، وهذا ما سيبينه هذا المبحث في العناصر الآتية:
لا يختلف اثنان أن من أهم الشرائح الدعوية المستهدفة شريحة الأسرة، وهم من أولى الناس دخولاً في النصوص الواردة والمرغبة في فضل الدعوة إلى الله، بل ربما دعوتهم أوجب من دعوة غيرهم؛ ولهذا جاءت النصوص الشرعية العظيمة في تعظيم حقهم من الدعوة إلى الله على الخصوص، وأنهم أولى الناس إنقاذًا من النـار؛ كما قـال تعالى: ﭽ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﭼ [التحريم: ٦]، كما أنهم أولى من سيُسأل عنهم المربي أو الراعي يوم الدين، يوم يقوم الناس لرب العالمين، كما قال ﷺ: «كلُّكم راعٍ فمسؤولٌ عن رعيتِه، فالأميرُ الذي على الناسِ راعٍ وهو مسؤولٌ عنهم، والرجلُ راعٍ على أهلِ بيتِه وهو مسؤولٌ عنهم، والمرأةُ راعيةٌ على بيتِ بعلِها وولدِه، وهي مسؤولةٌ عنهم، والعبدُ راعٍ على مالِ سيدِه وهو مسؤولٌ عنه، ألا فكلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِه»[1]. وليس الأبعد بأولى من الأقرب، بل الأقرب أولى لعظم حقه وسهولة تبليغه، ولهذا جاء في القرآن الكريم: ﭽ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﭼ [الشعراء: ٢١٤]، وهذا وإن كان خطابًا لرسول الله ﷺ، ولكن معناه يشمل الداعية إلى الله، فعليه أن ينذر الأقربين إليه، مبتدئًا بأفراد أسرته وأقاربه ومن يعرفه، ولا بد أن يعي الداعية أن مسؤوليته على أسرته تشمل القيام بشؤونهم المادية من توفير الطعام والشراب والسكن، ونحو ذلك من الأشياء المادية، كما تشمل شؤونهم الدينية؛ بتعليمهم ما يلزمهم من أمور الإسلام ودعوتهم إليه؛ قال تعالى مثنيًا على نبيه إسماعيل عليه السلام: ﭽ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ﭼ [مريم: ٥٥].
وعليه؛ فينبغي أن يستشعر الداعية إزاء أسرته أنه بين فرصة ومسؤولية؛ فالفرصة متمثلة بالأجور والحسنات المضاعفة، والدرجات العالية، والمقامات الرفيعة إزاء ما يقدمه من دعوة وإصلاح لأسرته يكون هو سببًا فيه. وفي المقابل عليه أن يستشعر أنها مسؤولية عظيمة وأمانة ثقيلة؛ لا يجوز له أن يفرط فيها ويهملها، أو لا يحملها بحقها ولا يجعلها من أولوياته وأهدافه، فما بالنا بمن هو على العكس من ذلك: يهيئ لهم سبل الفساد ويذللها لهم ولا يبالي بانحرافهم وهلكتهم؟!
ومن المهمات المنوطة بالداعية إزاء أسرته ما يلي:
1) غرس الإيمان وتقويته في قلوبهم
وذلك بتقوية تعظيم الله في نفوسهم، وتحرير قلوبهم من التعلق بغير الله، وتقوية التقوى في نفوسهم، وتقوية مراقبة الله تبارك وتعالى، والعناية بأعمال القلوب لديهم، وحثهم على الفرائض والنوافل، وحضهم على الاعتناء بالقرآن الكريم تلاوة وحفظًا وتدبرًا وعملاً، ووعظهم وتذكيرهم بالدار الآخرة، والاعتناء بدراسة سير السلف الصالح معهم.
2) تقوية البناء العقلي والعلمي لديهم
وذلك بغرس الشعور لديهم بالحاجة للتعلم، مع تعليمهم العلوم الضرورية وتفقيههم في الدين، وغرس تعظيم النصوص الشرعية لديهم، وتحقيق التكامل العلمي، وتنمية مهاراتهم العقلية؛ كالقراءة الذكية، والتعبير اللغوي السليم، والاستماع الناقد، والاستنباط السليم، كما يعلمهم أسس التفكير العلمي وطرق حل المشكلات، وينمي لديهم كذلك الاتجاهات العقلية السليمة مثل: الحياد، والموضوعية، واحترام آراء الآخرين وأفكارهم، كما يجتهد في تخليصهم من معوقات التفكير السليم؛ كالتعصب، والمبالغة والغلو، والتعميم الخاطئ، والالتزام بالأفكار الذائعة، كما يدربهم على أشكال التفكير السليم، وينمي لديهم الإبداع والابتكار والقدرة على التعلم الذاتي.
3) تنمية الأخلاق الحسنة لديهم
وذلك بتنقية نفوسهم من الأخلاق السيئة، والسعي في تحقيق العفة لديهم والبعد عن الفواحش، وتربيتهم على حفظ اللسان والمنطق، كما يحرص على غرس الجدية والعزة والشجاعة والوقار ومعالي الأمور والمروءة في نفوسهم، كما يربيهم على السمت والهدي الحسن والأدب مع الأكابر، ورعاية آداب المجالس، وكذا يربيهم على الرجولة والخشونة والبعد عن الترف، كما يربيهم على العزيمة واغتنام الأوقات والبعد عن الكسل، ويحبب في نفوسهم حب النظام في الحياة والتفكير، مع الاعتناء بدراسة شمائل النبي ﷺ معهم ودراسة أبواب الأدب والسلوك.
4) تنمية الجانب الاجتماعي لديهم
وذلك بربط الأولاد بالرفقة الصالحة، وتعويدهم على تحمل المسؤولية، وإعدادهم للحياة المادية، وتنمية مشاعر البر والصلة لديهم؛ لاسيما بر الوالدين وصلة الأرحام، وتنمية القدرة على بناء العلاقات الاجتماعية الناجحة، وتنمية الشعور بالمسؤولية الاجتماعية وأهمية التعاون والعمل الجماعي، ويربيهم على الاهتمام بأحوال المسلمين ويعزز لديهم شرف الانتماء للأمة الإسلامية.
5) تحقيق الاستقرار النفسي والصحة النفسية لديهم
وذلك بإشباع حاجاتهم النفسية، وتوجيه انفعالاتهم وضبطها، وتوجيه عواطفهم وضبطها، كما يحرص على وقايتهم من الانحرافات والاضطرابات النفسية، وتهذيب دوافعهم وإشباعها بالطرق المشروعة، ويسعى في تقوية إراداتهم، وغرس الثقة في نفوسهم.
ينبغي للداعية أن يستشعر عالمية الدعوة إلى الله مستحضرًا قوله تعالى: ﭽ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﭼ [الأعراف: ١٥٨]، وقوله: ﭽ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴿ ٨٧ ﴾ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ﭼ [ص: ٨٧ - ٨٨]، وقوله: ﭽ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ﭼ [الفرقان: ١]. وهذا يقوده إلى عدم اختزال دعوته في أسرته والمقربين منه، بل ينبغي أن يوسع دائرة المستهدفين في دعوته بدءاً بنفسه وأسرته -وقد تطرقنا لذلك فيما سلف- ثم أقربائه وعشيرته؛ فهم من أولى الناس بدعوته، متذكرًا قول ابن عباس رضي الله عنهما عندما نزلت هذه الآية: ﭽ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﭼ [الشعراء: ٢١٤]: ورهطك منهم المخلصين، خرج رسول الله ﷺ حتى صعد الصفا، فهتف: «يا صباحاه»، فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد، فاجتمعوا إليه، فقال: «يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب»، فاجتمعوا إليه، فقال: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟»، قالوا: ما جربنا عليك كذبًا، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»، قال: فقال أبو لهب: تبا لك أما جمعتنا إلا لهذا؟! ثم قام فنزلت هذه السورة: ﭽ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﭼ[2]. ثم تتسع الدائرة لتسع جيرانه فلهم عليه حق في دعوتهم والإحسان إليهم، وقد قال ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره»[3]. ولا يختلف اثنان أن من أعظم إكرام الجار دعوته إلى الله، والسعي في توجيهه وإرشاده لما فيه صلاح الدنيا والآخرة، ثم تتسع الدائرة لتشمل المجتمع بعد ذلك بشرائحه المتعددة؛ كصحبة العمل، والأصدقاء وغيرهم.
وينبغي للداعية إزاء هذه الشرائح المتعددة أن يعيش همومهم ويحس بآلامهم؛ فيفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم قدر استطاعته، فإذا سمع بمصيبة حلَّت بأحدهم تألم لها ولو كان لديه بعض التقصير، وكذا أن يتأثر لأخطائهم وانحرافاتهم عن الدين، فيحزن لانتشار الفسق والمعاصي بينهم حزنًا لا يدفعه لاعتزالهم إنما يدفعه لأن يشعر أنه كالطبيب معهم يحاول إنقاذهم، فإن لم يدرك ذلك كله فليقلل من هذا الانحراف بقدر ما يستطيع. وهو ما يسميه أهل العلم بمعايشة الناس ومخالطتهم والصبر على أذاهم من أجل دعوتهم وتوجيههم وإرشادهم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: (الإنسان مدني بالطبع، لا بد له أن يعيش مع الناس، والناس لهم إرادات وتصورات واعتقادات، فيطلبون منه أن يوافقهم عليها، فإن لم يوافقهم آذوه وعذبوه، وإن وافقهم حصل له الأذى والعذاب من وجه آخر، فلا بد له من الناس ومخالطتهم، ولا ينفك عن موافقتهم أو مخالفتهم. وفى الموافقة ألم وعذاب إذا كانت على باطل، وفى المخالفة ألم وعذاب إذا لم يوافق أهواءهم واعتقاداتهم وإراداتهم، ولا ريب أن ألم المخالفة لهم في باطلهم أسهل من الألم المترتب على موافقتهم)[4].
وعليه فإن مخالطة الداعية لمجتمعه قد تعرضه لمشقة أو أذى، وقد بين النبي ﷺ أفضلية من يخالط الناس مخالطة يأمرهم فيها بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحسن معاملتهم؛ فإنه أفضل من الذي يعتزلهم، ولا يصبر على المخالطة، والأحوال تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان، ولكل حال مقال، فقال ﷺ: «المسلم إذا كان مخالطًا الناسَ ويصبر على أذاهم، خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم»[5]. كما أن مخالطة الداعية لمجتمعه هي مخالطة دعوة وتوجيه، ونصح وتعليم، وتأليف وأخوة؛ فعندما يتلقى الناس الدعوة ممن يعيش معهم واقعهم، ويشاركهم آمالهم وآلامهم، فإن ذلك أدعى لاستجابتهم له، والداعية الذي آتاه الله العلم ورزقه الحكمة في الدعوة، مع الإخلاص له تعالى، يعلم أن أفضل الأعمال وأحبها إلى الله ما أفضى إلى مرضاته، ويعلم أن الدعوة إلى الله تفتح له أبوابًا عديدة لتحصيل الأجر، لتعدي نفعها للناس، وذلك خير له من القيام بالعبادات التي يقتصر نفعها عليه. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: (والعالم الذى قد عرف السنة والحلال والحرام، وطرق الخير والشر، مخالطته للناس وتعليمهم ونصحهم في دينهم أفضل من اعتزاله وتفريغ وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح)[6].
كما أن مخالطة الداعية لمجتمعه ستعرفه بعاداتهم وأخلاقهم، ومواطن الضعف والقوة فيهم، وينكشف له ما يشيع بينهم من معروف ومنكر، فيتيسر له القيام بالاحتساب عليهم، ولو أنه بقي في منزله، مغلقًا بابه لما أدرك وعلم ما يشيع بين الناس من المنكرات، فمخالطته لهم تجعله يدعو على علم وبصيرة بأحوالهم، ويكون هو العنصر المؤثر في المجتمع، إضافة إلى أن الناس جُبلوا على حب من يجلب لهم النفع، ويدفع عنهم الشر، دون أن تتعلق مصلحته بأي منهم، بل احتسابًا لوجه الله، ولن يتمكن الداعية من خدمة الناس وقضاء حوائجهم من خلال ترديد الكلام فحسب، بل إنه في كثير من الأحيان تَحُولُ همومُ الناس ومشاكلُهم بينهم والتلقي منه، وتصبح هذه الهموم سدًا منيعًا في وجه الدعوة، فعلى الداعية حينئذ أن يبذل ما يستطيع من جهد لإزالة هذه العوائق من طريق دعوته، وذلك كله لا يتم إلا بمخالطته للناس في مجتمعه. ولقد كانت مشاركة الناس معيشتهم ومجالسهم والتحدث إليهم والسماع منهم هي ديدنه ﷺ في معظم أحواله، حتى نقل الصحابة لنا أدق الأمور والتفاصيل في حياته. وبعد الفتح والتمكين استمر عليه الصلاة والسلام على المنهج نفسه، فلم يعتزل الناس، أو يغلق دونهم باب قصر أو بيت، بل إنه يخالطهم كلهم بجميع طبقاتهم، بلا إهمال لأحد منهم، أو تمييز بين غني وفقير، أو حر وعبد، فدعوته للناس كافة، بل إنه لا يستهين حتى بالأطفال الصغار حين أحضرهم أهلوهم له ﷺ فمسح على رؤوسهم؛ فأطفال اليوم هم رجال الغد، ولم يهمل النساء، فهن شقائق الرجال، ولم يفرق في الدعوة بينهن والرجال، بل أفردهن ببيعة خاصة، ومجالس خاصة للتعليم.
لذا، فإنه من الخطأ أن ينقطع الداعية في مسجد أو زاوية ويحبس نفسه في بيته، ويمتنع عن الخروج، ويظن أن في خروجه ومخالطته للناس تبذلاً لهم يسقطه من أعينهم، ويذهب هيبته من قلوبهم؛ فإن ذلك من كيد الشيطان ومكره، ومدخلاً واسعا لظهور الكبر والعجب في أخلاقه ونفسه مما يحبط عمله. كما أن استنكاف الداعية عن الاختلاط بالناس بحجة بعدهم عن الإسلام وكثرة انحرافاتهم سيزيد المشكلة تعقيدًا، ويوسع الهوة بين هؤلاء والإسلام، وإذا كان الناس مرضى، واستنكف الطبيب عن معالجتهم، فإن المرض سوف يستفحل، وقد يقتل الطبيب نفسه، فضلا عن المريض.
3 - موازنة الداعية بين مهماته التربوية ومسؤولياته الدعوية:
التوازن: هو إعطاء كل شيء حقه من غير زيادة ولا نقص، وهو ينشأ عن معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه، ومعرفة حدودها وغاياتها ومنافعها، وهو الحكمة المنوه بها في قوله تعالى: ﭽ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﭼ [البقرة: ٢٦٩]. والداعية إلى الله هو أولى الناس بتحقيق مبدأ التوازن في حياته بين مهماته التربوية الأسرية ومسؤولياته الدعوية؛ وذلك لأنه أولى من يمثل الإسلام وتعاليمه ومفاهيمه. ومن خصائص الدين الإسلامي أنه دين شامل؛ فالإسلام يريد من المسلم أن يبلغ الكمال المقدور له بتناسقٍ، وفي جميع شؤونه، فلا يقبل على جانب واحد -أو عدة جوانب- ويبلغ فيه المستوى العالي من الكمال، بينما يهمل الجوانب الأخرى حتى ينزل فيها إلى دون المستوى المطلوب، إنَّ مَثَله مَثَل من يقوي يديه ويترك سائر أعضائه رخوة هزيلة ضعيفة، وعلى هذا الأساس فَهِمَ الصحابة الكرام مثالية الإسلام، فلم تأسرهم عبادة، ولم تقيدهم عادة، وإنما تقلَّبوا في جميع العبادات والأحوال، وبلغوا فيها المستوى العالي من الكمال، فلم يحبسوا نفوسهم في مكان، ولا على نوع من العبادات، ولا على نمطٍ معين من الأعمال، وإنما باشروا الجميع، فعند الصلاة كانوا في المسجد يصلون، وفي حلقات العلم يجلسون معلمين أو متعلمين، وعند الجهاد يقاتلون، وعند الشدائد والمصائب يواسون ويساعدون، وهكذا كان شأنهم في جميع الأحوال.
ومن المعلوم أن حياة الداعية الحق تقوم على الموازنة الحكيمة في أموره كلها، سواء منها ما كان من أمور الدنيا أو الآخرة، فلا تشغله أمور الدنيا عن أمور الآخرة، ولا تشغله أمور الآخرة عن أمور الدنيا، وإنما يوازن في أعماله وتصرفاته بين ما يجب عليه فعله لتستقيم أمور حياته في هذه الدنيا، وما يجب عليه فعله ليضمن الفوز في الآخرة والنجاة من النار.
ومن المساوئ التي تقع في حياة بعض الدعاة ذلك الالتباس في بعض الأمور؛ حيث يظن أن العناية بأسرته وتربيته لأولاده وتوجيههم التوجيه الإسلامي السليم من أمور الدنيا فيتساهل فيها، وهي في الحقيقة من أعمال الدنيا والآخرة معا. ومن هنا نراه يفضل على عنايته بأسرته الانصراف إلى توجيه الناس ودعوتهم إلى الحق، وتبيان معالمه في شتى شؤون الحياة، فإذا هو داعية كبير من الدعاة، لا تكاد تراه إلا في حلقة من حلقات التوجيه، أو في مؤتمر من مؤتمرات الإصلاح، أو في اجتماع يتدارس فيه الدعاة أمور الدعوة والدعاة، ومثل هذا الداعية الصادق المندفع إلى العمل في سبيل الله، لا يكاد يرى زوجه وأولاده إلا وقتًا ضئيلاً لا يكفي للتعرف على أحوالهم، والوقوف على مسار تكوينهم النفسي والعقلي والفكري والاجتماعي، وحجته في ذلك أنه مشغول بأمور الدعوة، ولا وقت لديه للجلوس إلى أولاده ليتفقد أحوالهم، ويعرف الكتاب الذي يقرأون، والرفيق الذي يصاحبون، والأعمال والهوايات التي يزاولون. وإذا هو يفاجأ بعد مدة تطول أو تقصر بانحراف ابنه أو ابنته، أو تقصيرهما على الأقل في واجباتهما الإسلامية، أو غير ذلك مما لا ينبغي أن يقع في بيت مسلم، على رأسه داعية عامل في سبيل الله. وقد يقع هذا الانصراف والذهول من الداعية، فترتد مساوئه وأضراره على الأولاد؛ ولاسيما البنين. وما كان شيء من ذلك ليقع غالبًا لو أن الداعية قد وقر في نفسه أن واجبه نحو أسرته أكبر من واجبه نحو الناس الآخرين، وأن مسؤوليته عن صياغة نفوس أسرته وتربيتهم التربية الإسلامية اللائقة مقدمة على مسؤوليته عن دعوة الآخرين إلى الخير وتوجيههم التوجيه السليم.
فخير الدعاة خيرهم لأهله، والداعية الحكيم هو الذي يوازن بين واجباته نحو أسرته وواجباته نحو دعوته، وذلك بإعطاء كل ذي حق حقه من الوقت والجهد والعناية والاهتمام، بحيث لا يطغى جانب على جانب.
وليس هذا الأمر بالعسير إذا عرف الداعية كيف ينظم وقته، وكيف يوزع واجباته على وقته. فالتخطيط وتنظيم الوقت وتوزيع الأعمال على الأوقات من أهم ما ينبغي أن يتحلى به الداعية المعاصر في هذه الأيام التي كثرت فيها الأعمال وتشعبت، وازدادت الضغوط على الإنسان وتعددت.
وإن لنا في سيرة الرسول ﷺ لأسوة كبيرة؛ فقد كان صلوات الله عليه يصدع بدعوة، ويبني أمة، وينشئ مجتمعًا، ويصوغ نفوسًا، فلا يصرفه هذا كله عن القيام بواجباته الأخرى نحو أزواجه وأولاده، وأقاربه وأرحامه، دون أن يطغى جانب من هذه الجوانب على جانب آخر.
وكذا أصحابه -رضوان الله عليهم- فقد رباهم ﷺ على التوازن وإعطاء كل ذي حق حقه كما حصل بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء رضي الله عنهما؛ عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا، فقال: كل! قال: فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم، فنام، ثم ذهب يقوم فقال: نم، فلما كان من آخر الليل قال: سلمان قم الآن، فصليا فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ: «صدق سلمان»[7].
المبحث الثالث: علاقة الداعية بأصناف الناس
أخبرنا القرآن الكريم أن الناس على ثلاث درجات أو منازل: في الدنيا، وعند الموت، وفي الآخرة:
ففي الآخرة الناس أزواج ثلاثة؛ قال تعالى: ﭽ فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ﴿ ٨ ﴾ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ﴿ ٩ ﴾ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ﭼ [الواقعة: ٨ - ١٠].
وعند الموت الناس كذلك ثلاث منازل؛ قال تعالى: ﭽ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿ ٨٨ ﴾ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ ﴿ ٨٩ ﴾ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ﴿ ٩٠ ﴾ فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ﴿ ٩١ ﴾ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ﴿ ٩٢ ﴾ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ ﴿ ٩٣ ﴾ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ﭼ [الواقعة: ٨٨ - ٩٤].
أما في الدنيا، فالناس إما مسلمون، أو غير مسلمين، أو منافقون. والمسلمون ثلاثة أصناف: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات؛ قال تعالى: ﭽ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ﭼ [فاطر: ٣٢]. والداعية مأمور بدعوة أصناف الناس كلها، ومن ثم يستهدف هذا المبحث توضيح علاقة الداعية بأصناف الناس وواجبه نحوهم.
وفيما يلي بيان ذلك:
أولاً: الآداب الشرعية عند الخلاف مع أصناف الناس:
الخلاف أمر مسلم به في دنيا البشر، وهو سنة الله عز وجل في خلقه؛ فهم مختلفون في ألوانهم، وألسنتهم، وطباعهم، ومدركاتهم، ومعارفهم، وعقولهم، وأشكالهم؛ قال تعالى: ﭽ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴿ ١١٨ ﴾ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ﭼ [هود: ١١٨-١١٩].
وإذا كان طبعيًا أن يحدث الخلاف بين الدعاة والمدعوين، فإن المهم هو أن نعرف: كيف يحصل الخلاف؟ وكيف نتعامل معه؟ فنحن اليوم نعيش في واقع متغير أبرز سماته الانفتاح؛ لا سيما مع توافر وسائل التواصل الاجتماعي التي ساعدت في توسيع المعرفة، والاطلاع على ثقافات الآخرين، وأصبحت المعلومة سهلة الوصول، بل أصبح هناك تعدد وتنوع في المعلومة الواحدة، بل تنافسٌ وتسابقٌ في طريقة إيصالها للآخرين، فعلى الدعاة أن يعوا ذلك جيدًا، ويكونوا على قدر الحدث والمسؤولية.
وثمة آداب شرعية إذا اتبعها الدعاة عند خلافهم مع المدعوِّين اهتدوا بحول الله ومشيئته ورحمته إلى الحق، ومن هذه الآداب ما هو عامٌ في التعامل مع الناس بكافة أصنافهم، ومنها ما يخص تعامل الداعية مع المسلمين فحسب، وسيدرك القارئ ذلك بنفسه عند مطالعته لكل أدب من هذه الآداب، ولعلنا نشير إلى أهمها فيما يلي:
أول ما يجب على المسلم فعله عند الخلاف: أن يتثبت في النقل، وأن يعلم حقيقة قول المخالف؛ وذلك بالطرق الممكنة؛ كالسماع من صاحب الرأي نفسه، أو قراءة ما ينقل عنه من كتبه لا مما يتناقله الناس شفاهًا. وقد أمرنا الله بالتثبت فقال سبحانه وتعالى: ﭽ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﭼ [الحجرات: ٦]، وقال تعالى: ﭽ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﭼ [الإسراء: ٣٦].
كثيرًا ما يقع الخلاف بين المخالفين، ويستمر النقاش والردود وهم لا يعرفون بالتحديد ما نقاط الخلاف بينهم، ولذلك يجب قبل الدخول في نقاش أو جدال تحديد مواطن الخلاف تحديدًا واضحًا حتى يتبيَّن أساس الخلاف، ولا يتجادلان في شيء قد يكونان متفقين عليه، وكثيرًا ما يكون الخلاف بين المختلفين في الألفاظ فقط لا المعاني، فلو استبدل أحد المختلفين لفظة بلفظة أخرى لزال الإشكال بينهما. ولذا لزم تحديد محل الخلاف تحديدًا واضحًا.
مهما كان مخالفك مخالفًا للحق في نظرك فإياك أن تتهم نيته، افترض في المسلم الذي يؤمن بالقرآن والسنة ولا يخرج عن إجماع الأمة، افترض فيه الصدق والإخلاص، ومحبة الله ورسوله، والرغبة في الوصول إلى الحق، وناظره على هذا الأساس، وكن سليم الصدر نحوه. لا شك أنك بهذه الطريقة ستجتهد في أن توصله إلى الحق إن كان الحق في جانبك، وأما إذا افترضت فيه من البداية سوء النية وقبح المقصد، فإن نقاشك معه سيأخذ منحى آخر هو: إرادة كشفه وإحراجه، وإخراج ما تظن أنه خبيئة عنده، وقد يبادلك مثل هذا الشعور، فينقلب النقاش عداوة، والرغبة في الوصول إلى الحق رغبة في تحطيم المخالف، وبيان ضلاله وانحرافه.
اجعل نيتك هي الوصول إلى الحق، وإرضاء الله سبحانه وتعالى، وجمع الكلمة وإصلاح ذات البين. فإذا كانت هذه نيتك فإنك تثاب على ما تبذله من جهد في هذا الصدد؛ قال تعالى: ﭽ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﭼ [الزمر: ٢]. وقال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»[8].
ينبغي على المسلم أن يضع احتمال أن يكون الحق مع مخالفه -وإن كان متأكدًا من صواب رأيه- فبهذا الشعور يسهل عليه تقبل الحق عندما يلوح له.
6) قبول الحق من المخالف حقٌ وفضيلة:
إن قبول الحق من مخالفك حق وفضيلة؛ فالمؤمن يجب أن يذعن للحق عندما يتبينه، ولا يجوز له ردُّه ؛ لأن رد الحق قد يؤدي إلى الكفر كما قال ﷺ: «لا تماروا في القرآن فإن مراء في القرآن كفر»[9]. والمماراة معناها المجادلة ودفع دلالته بالباطل؛ لأن هذا يكون تكذيبًا لله وردًّا لحكمه، وليس تكذيبًا للمخالف، ورد الحق كبرًا من العظائم، وقد فسر النبي ﷺ الكِبْر، فقال: «الكبر: بطر الحق وغمط الناس»[10].
من آداب الخلاف أن تسمع من مخالفك قبل أن ترد، وأن تحدد محل الخلاف قبل أن تخوض في الموضوع.
8) اجعل لمخالفك فرصة مكافئة لفرصتك:
يجب على كل مختلفين أن يعطي كل منهما الآخر عند النقاش فرصة مكافئة لفرصته؛ فإن هذا أولى درجات الإنصاف.
انتظر فرصتك في النقاش، ولا تقاطع مخالفك حتى ينتهي من كلامه.
10) اطلب الإمهال إذا ظهر ما يحتاج أن تراجع فيه نفسك:
إذا ظهر لك أن أمرًا ما يجب أن تراجع فيه النفس، وتتفكر فيه لتتخذ قرارًا بالعدول عن رأيك أو إعادة النظر فيه، فاطلب الإمهال حتى تقلِّب وجهات النظر، وأما إذا تحققت من الحق فبادر بإعلانه والإذعان له؛ فإن هذا هو الواجب عليك؛ فالذي يخاصمك بالآية والحديث يطلب منك في الحقيقة الإذعان إلى حكم الله وحكم رسوله. وكل من ظهر له حكم الله وحكم رسوله وجب عليه قبوله فورًا؛ كما قال تعالى: ﭽ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﭼ [النور: ٥١].
لا يكن دخولك في نقاش مع أخيك المسلم هدفه الجدال والمماراة، بل يجب أن يكون مقصدك معرفة الحق، أو توضيحه لمخالفك؛ لأن الجدال مذموم والمماراة مذمومة، والجدال والمماراة: أن يكون الانتصار لرأيك، وقطع خصمك وإثبات جهله أو عجزه، وإثبات أنك الأعلم أو الأفهم أو الأقدر على إثبات الحجة.
12) حدد مصطلحاتك واعرف جيدًا مصطلحات مخالفك:
كثيرًا ما يتجادل اثنان أو يختلف قوم ولا يكون سبب خلافهم إلا أنهم يستعملون كلمات ومصطلحات يفهمها كل منهم بمعنى يختلف عما يفهمها به الآخر.
من أجل ذلك يجب عليك أن تحدد معاني كلماتك التي قد يفهمها مخالفك على صورة أخرى، وكذلك المصطلحات التي تستعملها، واسأل مخالفك عن معاني كلماته ومصطلحاته حتى تعرف مراده من كلامه.
ومن المصطلحات التي يختلف في معناها الناس في الوقت الحاضر: المنهج، طريق السلف، وسائل الدعوة، أساليب الدعوة، البدعة المكفرة، الهجر، التطرف، الإرهاب، الخروج...إلخ، وكذلك يجب أن تعلم أن مخالفك يفهم هذه المصطلحات كما تفهمها أنت، أو كما هو معناها الحقيقي في اصطلاح العقيدة، الأصول، البدعة.
13) إذا تيقنت أن الحق مع مخالفك فاقبله، وإذا قبل منك الحق فاشكره:
لا سيما إذا كان رأيًا مجردًا، ورأيت أن الحق معه، وأن المصلحة الراجحة في اتباعه فاقبله؛ لأن المسلم رجَّاع إلى الحق. وأما إذا وافقك مخالفك، ورجع عن قوله إلى قولك فاشكر له إنصافه، وقبوله للحق، واحمد الله أن وفقك إلى إقالة عثرة لأخيك، وبيان حق كان غائبًا عنه.
14) أرجئ النقاش إذا كان الاستمرار فيه يجلب الشقاق والنفور:
إذا تيقنت أن النقاش والحوار سيؤدي الاستمرار فيهما إلى الشقاق والنفور والمجافاة، فاطلب رفع الجلسة، وإرجاء النقاش إلى وقت آخر يكون استعداد الطرفين فيه لقبول الحق أظهر، وتذكر حديث النبي ﷺ: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا»[11].
15) الإبقاء على الأخوة مع الخلاف في الرأي في المسائل الخلافية أولى من دفع المخالف إلى الشقاق والعداوة:
إذا علمت من مخالفك أنه لا يبقى أخًا إلا ببقائه على ما هو عليه من أمر مرجوح ورأي مخالف للحق في نظرك، فتركه على ما هو عليه أولى من دفعه إلى الشقاق والخلاف؛ لأن بقاء المسلمين إخوة في الدين مع اختلافهم في المسائل الاجتهادية خير من تفرقهم وتمزقهم وبقائهم على خلافاتهم.