ثانيًا: علاقة الداعية بالمسلمين وواجبه نحوهم:
2) علاقة الداعية بعوام المسلمين:
ينبغي للداعية أن يَفْقَهَ عمومَ دعوته إلى الله، ويحرص على إيصالها لكل إنسان يستطيع الوصول إليه. ومن الأصناف والشرائح المستهدفة التي ينبغي للداعية أن يحرص عليها ويسعى في هدايتها ونفعها: عوام الناس والجمهور الأعم، والسواد الأعظم في المجتمع؛ وذلك لأنهم أسرع من غيرهم استجابة إلى الحق؛ فهم أتباع رسل الله؛ يصدقونهم ويؤمنون بهم قبل غيرهم، كما قال هرقل لأبي سفيان يوم اجتمع به في الشام لما سمع هرقل بأنه من مكة، فأراد أن يسأل عن أخبار النبي ﷺ، قال هرقل: أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقال أبو سفيان: بل ضعفاؤهم، فقال هرقل: هم أتباع الرسل[1].
والواقع أنَّ أتباع رسل الله كانوا من جمهور الناس وعوامهم، ولقد قال الملأ لنوحٍ عليه السلام: ﭽ وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا ﭼ [هود: ٢٧]، وكذا قال الملأ من ثمود قوم صالح عليه السلام كما حكاه الله عزل وجل عنهم: ﭽ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ ۚ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﭼ [الأعراف: ٧٥]، وكذلك كان أتباع نبينا محمد ﷺ في مكة من الضعفاء، وقد نالهم من المشركين أذى كثير. والجمهور وعوام الناس في كل وقت أسرع من غيرهم إلى قبول الحق، كما قال ابن كثير في تفسيره: (ثم الواقع غالبًا أن ما يتبع الحق ضعفاء الناس)[2]. وتعليل سرعة استجابة الجمهور وعوام الناس للحق وقبولهم الدعوة إلى الله - كما أشار القرطبي لذلك في تفسيره - أنَّهم خالون من موانع القبول الموجودة في بعض الأصناف والشرائح؛ فثمة موانع واهية تمنعهم من قبول الحق والدعوة؛ كحب الرياسة والتسلُّط، والأنفة من الانقياد للآخرين لكبرهم النفسي[3]. وعليه؛ فينبغي للداعية أن يستثمر مقومات نجاح دعوته المتوافرة في جمهور الناس وعوامهم، وألا ينظر إليهم نظرة دونية؛ فهذا الذي لا يقيم له الداعية وزنًا ربما أصبح له عند الله وزن كبير بخدمته للإسلام والدعوة إليه.
وهكذا كان رسول الله ﷺ يدعو كل إنسان يلقاه أو يذهب إليه؛ جاء في السيرة النبوية أنَّ الرسول ﷺ بعد أن عرض نفسه الكريمة على قبائل العرب التي وافت الموسم في مكة - وكان ذلك قبل الهجرة بنحو ثلاث سنوات - ولم يستجب له منهم أحد، لقي ستة نفر من الخزرج عند العقبة من منى، وهم يحلقون رؤوسهم، فجلس إليهم رسول الله ﷺ فدعاهم إلى الله، وقرأ عليم القرآن، فاستجابوا لله ولرسوله وآمنوا، ثم رجعوا إلى قومهم بالمدينة، وذكروا لهم رسول الله ﷺ «ودعوهم إلى الإسلام ففشا فيهم، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلاَّ فيها ذكر رسول الله ﷺ» [4]. فرسول الله ﷺ لم يستصغر شأن أولئك الستة وهم يحلقون رؤوسهم بعد أن لم يستجب له أحد من القبائل النازلة حوالي مكة، ولم يقل في نفسه الكريمة: أيُّ أمل في هؤلاء المشغولين بحلق رؤوسهم، ثم إنَّ أولئك الستة كانوا هم الدعاة الأُوَل إلى الإسلام في المدينة، فعلى الداعية أن يقتدي بهدي رسول الله ﷺ، ولا يستهين بأحد فيزهد في دعوته؛ فقد يكون الخير الكثير على يد الذي لا يَرى فيه خيرًا الآن.
3) علاقة الداعية بالشباب:
تعد مرحلة الشباب من أدق المراحل في حياة الإنسان، وأطولها مدة، وأشدها تأثيرا؛ فهم يحملون نفوسًا خصبة وثَّابة، صالحة للخير والإصلاح، وقلوبًا صافية لم تقتحمها بعد عادات سيئة، ولا تقاليد ضارة متأصلة في النفوس، ولا ضروب من الأخلاق التي تتراكم عادة لدى الكبار. ومن أجل هذا كانوا أسرع فئات المجتمع إلى قبول النصيحة واستجابة الدعوة، إضافة إلى ما فيهم من نشاط في الأبدان، وحدة في العقول، ورغبة في البذل والتضحية. وكثيرًا ما تتحرك عندهم العواطف، وتهب من ركودها بنشاط وحيوية في حب الخير، فتسعى نفوسهم إليه حثيثة، وتدعو إليه جادة.
ولما كانت مرحلة الشباب هي الطور الحاسم في حياة الإنسان غالبًا، وهي الطور الذي تُبنى فيه العقائد والمثل، ويتحدد الاتجاه، وتتكون فيه النفس الإنسانية؛ فإن التدين في هذه المرحلة ضروري ليضبط اتجاه الشاب ويوجهه الوجهة الإسلامية، ويدفع النفس إلى السلوك النافع المفيد، ويساعد على نمو نفسي سليم، والتدين يتناول كل جوانب الحياة الإنسانية من: اجتماعية، واقتصادية، وثقافية...الخ، فهو بالتالي يحقق بالنسبة للشباب ارتياحًا نفسيًا واطمئنانًا داخليًا، ويكون علاجًا لما يواجهه الشاب من قلق وصراعات نفسية في هذه المرحلة من الحياة. يؤكد ذلك قوله ﷺ: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه... »[5].
وخص الشاب في هذا الحديث من بقية المراحل لكونه مظنة غلبة الشهوة؛ لما فيه من قوة الباعث على متابعة الهوى، فإن ملازمة العبادة مع ذلك أشد وأدل على غلبة التقوى.
لذا ينبغي للداعية إزاء ذلك أن تكون علاقته بالشباب علاقة مصلحية بنائية، وأن يولي هذه الشريحة عناية خاصة، وأن يسعى في تربيتهم على القيم الإسلامية، والمبادئ الإيمانية، والتصورات العقلية الصحيحة، وأعظم هذه المهمات: أن يبني فيهم الدين القويم، ويدلهم على الصراط المستقيم، وأن ينزل إليهم ويعايشهم، ويخالطهم ويسمع همومهم وتطلعاتهم وأمنياتهم، ويشاركهم أعمالهم، ويضبط عواطفهم، ويوجه انفعالاتهم، ويساعدهم على شغل أوقات الفراغ بالنافع المفيد، كما يجتهد في تهذيب أخلاقهم، وتأديبهم بآداب الإسلام، وكذا يجتهد في اكتشاف طاقاتهم ومواهبهم، وتوجيهها الوجهة الصحيحة السليمة، التي فيها خدمة للإسلام والمسلمين.