4) علاقة الداعية بالأطفال:
صغار اليوم هم كبار الغد، وجيل المستقبل، والأمل المنشود، والمعول عليهم بإذن الله في تغيير واقع الأمة السيئ إلى واقع طيب مزهر. وهم صنف لا غنى للداعية عن التعامل معهم؛ وذلك لكثرتهم في المجتمع وأهميتهم، فهو ابن للداعية، أو أخ له، أو قريب من أسرته أو عشيرته أو جيرانه، أو من أبناء المسلمين عمومًا.
ومما ينبغي للداعية مراعاته في التعامل مع الصغار:
فقد كان النبي ﷺ رحيمًا رؤوفًا بالصغار، ومن مظاهر رحمته بهم أنه كان يقبل الصبيان ويداعبهم ويلاطفهم، وينبذ القاسي الذي لا يرق قلبه للأطفال؛ قال أبو هريرة رضي الله عنه: قَبَّلَ رسول اللَّه ﷺ الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول اللَّه ﷺ ثم قال: «مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَم»[1].وكان ﷺ يمسح على رؤوس الأطفال من باب الرحمة والمداعبة لهم؛ فعن جابر بن سمرة، قال: «صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الأولى، ثم خرج إلى أهله وخرجت معه، فاستقبله ولدان، فجعل يمسح خدي أحدهم واحدًا واحدًا، قال: وأما أنا فمسح خدي، قال: فوجدت ليده بردًا أو ريحًا كأنما أخرجها من جؤنة عطار» [2].
ومن مظاهر الرحمة بالطفل: الخوف عليه ومساعدته؛ ذلك أنه جاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر، فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال: «صدق اللَّه: ﭽ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ﭼ [التغابن: ١٥]، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما»[3].
ومن علامات رحمة النبي ﷺ بالأطفال أنه كان يخفف الصلاة من أجلهم؛ قال ﷺ: «إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز فِي صلاتي كراهية أن أشق على أمه»[4]، فالنبي ﷺ يخاف على الطفل أن يكون أصابه أذى، ويخاف على أمه أن يذهب خشوعها بالتفكير في ولدها.
ب- تعليمهم الإيمان والتوحيد والقرآن:
عن جندب بن عبدالله رضي الله عنه قال: كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيان حَزاوِرَة[5]، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا به إيمانًا[6].
ومن أوكد صور تعليم الأطفال: ما يرتبط بترسيخ العقيدة لديهم؛ ومن ذلك ما قاله عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: كنت خلف رسول الله ﷺ يومًا، فقال: «يا غلام إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه اللَّه لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللَّه عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف»[7].
وإدراكًا من جيل الصحابة -رضوان الله عليهم- لأهمية توجيه الطفل للتعلم من الصغر قال ابن عباس رضي الله عنهما: «من قرأ القرآن قبل أن يحتلم فقد أوتى الحكم صبيا» [8]. وفي وصية للحسين بن علي رضي الله عنهمالبنيه وبني أخيه: «تعلموا تعلموا؛ فإنكم صغار قوم اليوم تكونون كبارهم غدًا، فمن لم يحفظ منكم فليكتب» [9].
إذا كانت السلوكيات تتكون عند الطفل الصغير بالتدرج والاختلاط بالآخرين، فإنه من الضروري انتهاز مختلف المواقف والأحداث لتوجيهه توجيهًا مباشرًا وغير مباشر ليكتسب هذا الطفل الآداب والسلوكيات المحمودة، وخاصة تلك التي تتكرر مع الطفل في حياته اليومية.
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله ﷺ: «يا بني إذا دخلت على أهلك فسلم؛ يكن بركة عليك، وعلى أهل بيتك»[10].
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه، فقال رسول الله ﷺ: «كِخْ كِخْ، ارمِ بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟»[11]. ومن ذلك أيضًا ما قاله الصحابي الجليل عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه: كنت غلامًا في حجر رسول الله ﷺ، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول اللَّه ﷺ: «يا غلام! سم اللَّه، وكل بيمينك، وكل مما يليك» فما زالت تلك طعمتي بعد[12].
فالنبي ﷺ يعلم الطفل لنفسه أولاً، ثم إذا خالط الناس لا يخرج عن عاداتهم وتقاليدهم المعتبرة ثانيًا، وتوجيه النبي ﷺ كان بأسلوب نبوي لم يكن فيه زجر أو غلظة في الكلام، بل كان بأسلوب محبب وسلس؛ يراعي عُمْر هذا الغلام الصغير، وهذا التوجيه ليس لهذا الصحابي الكريم وحده بل لكل الناس بعده.
وهذه من أهم الأمور التي يحتاج إليها الطفل دائما، فقد كان النبي ﷺ يشعر الناشئة بمكانتهم وتقدير ذاتهم، وأنهم في كثير من الأمور كغيرهم من الكبار، لهم حقوق مكفولة لا يسقطها ضعفهم ولا قلة المبالاة بهم. عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ أُتي بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام، وعن يساره أشياخ. فقال للغلام: «أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟». فقال الغلام: لا والله، لا أوثر بنصيبي منك أحدًا. قال: فتلّه رسول الله ﷺ في يده[13].
كذلك كان من تقدير النبي ﷺ للأطفال تكنيتهم بأحب الكنى والألقاب؛ فعن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقًا، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير، قال: أحسبه، قال: كان فطيمًا، قال: فكان إذا جاء رسول الله ﷺ فرآه، قال: «أبا عمير ما فعل النغير» قال: فكان يلعب به[14].
ومن مظاهر التقدير للأطفال: الرفع من شأنهم بإلقاء السلام عليهم؛ فعن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ مر على غلمان فسلَّم عليهم[15].
إن احترام الداعية لشخصية الطفل يبعث فيه الاعتماد على النفس والشعور بالراحة، وينمي مواهبه، في حين أن التعامل معه بالاستخفاف، والتقليل من مكانته، يؤدي به إلى العقد النفسية والاضطراب والدونية.
5) علاقة الداعية بالنساء:
خير الهدي هدي محمد ﷺ، وخير من تعامل مع النساء التعامل الأمثل الذي يحفظ لهن مكانتهن وكرامتهن هو القدوة المعصوم رسولنا ﷺ، فكان تعامله معهن يتسم بالرفق والحنو والرحمة؛ وذلك لما طبعه الله عليه من كريم الأخلاق والرحمة بالناس والرفق بهم -لا سيما النساء- ولما يعلمه ﷺ من ضعف النساء وقلة حيلتهن. ولذا حري بالداعية أن يتعلم كيف عاملهن ﷺ فيحذو حذوه، ويقتفي أثره؛ حتى يكون على بصيرة من أمره، قائمًا بحق الله في هذه الفئة. ولعلنا نشير إلى بعض هديه في التعامل مع النساء، فمن ذلك:
أ- كان ﷺ يعد النساء نظائر الرجال:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «إنما النساء شقائق الرجال»[16]. أي: نظائرهم وأمثالهم في الأخلاق والطباع؛ كأنهن شققن منهم. فهن أشباه للرجال ومساويات لهم فيما فرض الله، إلا ما استثناه الوحي بتخفيف؛ كإسقاط الجمعة والجهاد، أو بزيادة؛ كالحجاب.
ب- كان ﷺ يتعامل مع النساء برفق:
فيتعامل معهن باللين والرحمة والمحبة والعطف والرفق؛ لما في المرأة من ضعف ورقة، ولذلك كان يطلق عليهن: (القوارير)؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، وغلام أسود يقال له أنجشة يحدو، وكان حسن الصوت. فقال له رسول الله ﷺ: «يا أنجشة، رويدك سوقًا بالقوارير» قال أبو قلابة: فتكلم النبي ﷺ بكلمة لو تكلم بها بعضكم لعبتموها عليه[17]. وفي لفظ لأحمد[18]: «يا أنجشة ويحك: ارفق بالقوارير»، يعني: النساء. فشبه النبي ﷺ النساء بالقوارير، والقوارير جمع قارورة، وهي الزجاجة؛ سميت بذلك لاستقرار الشراب فيها. والنساء يشبهن بالقوارير في الرقة، واللطافة وضعف البنية.
ج- كان يحثهن على الإكثار من ذكر الله تعالى:
عن يسيرة رضي الله عنها -وهي من المهاجرات- قالت: قال لنا رسول الله ﷺ: «عليكن بالتسبيح، والتهليل، والتقديس واعقدن بالأنامل، فإنهن مسؤولات مستنطقات، ولا تغفلن، فتنسين الرحمة»[19].
د- كان يحثهن على شهود مواسم الخير في الأعياد ونحوها:
عن أم عطية رضي الله عنها قالت: أُمرنا أن نخرج الحُيَّض يوم العيدين، والعواتق وذوات الخدور، فيشهدن الخير وجماعة المسلمين ودعوتهم، ويعتزل الحُيَّض عن مصلاهن. قالت امرأة: يا رسول الله إحدانا ليس لها جلباب. قال: «لتلبسها صاحبتها من جلبابها»[20]. أي: تعيرها من ثيابها ما لا تحتاج إليه.
هـ- كان يهتم بالنساء، وكان يخصص لهن يومًا لتعليمهن ووعظهن:
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يومًا نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله. فقال: «اجتمعن في يوم كذا وكذا، في مكان كذا وكذا»، فاجتمعن، فأتاهن رسول الله ﷺ، فعلمهن مما علمه الله، ووعظهن وأمرهن. فكان فيما قال لهن: «ما منكن امرأة تقدم بين يديها من ولدها ثلاثة، لم يبلغوا الحنث، إلا كان لها حجابا من النار». فقالت امرأة منهن: يا رسول الله، أو اثنين؟، فأعادتها مرتين. ثم قال: «واثنين واثنين، واثنين»[21].
فقد أولاهن ﷺ رحمته ورفقه، وكان لا يتكبر على الأرملة ولا يأنف منها؛ عن عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يكثر الذكر، ويقل اللغو ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجه[22].
ز- كان ﷺ يسارع في قضاء حوائجهن:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة. فقال لها: «يا أم فلان، انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك». فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها[23]. وهذا من تواضع النبي ﷺ، ولطفه بالمرأة التي تحتاج المساعدة والرعاية منه والرفق.
6) علاقة الداعية بالعصاة:
العصاة: هم صنف من أصناف المدعوين ويعنى بهم: مَنْ كان عندهم أصل الإيمان -وهو الإقرار بشهادة أن لا إله إلاَّ الله وأن محمدًا رسول الله- ولكنَّهم لا يقومون بحقوق هذه الشهادة؛ فهم يخالفون بعض أوامر الشرع، ويرتكبون بعض نواهيه، ومنهم المكثِر من المعاصي، ومنهم المقِلّ، ومنهم بين ذلك على درجات كثيرة جدًّا ومتنوعة جدًّا، لا يحصيها إلاَّ الله تعالى. ومما لا بد أن يدركه الداعية أن هذا الصنف هو السواد الأعظم في المسلمين؛ وذلك لأن المسلم غير معصوم من المعصية، كما قال ﷺ: «كل ابن آدم خطَّاء وخير الخطائين التوابون»[24]. وتعليل ذلك أنَّ نفس الإنسان قابلة لارتكاب المعصية كما هي قابلة لفعل الطاعة؛ قال اتعالى: ﭽ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴿ ٧ ﴾ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴿ ٨ ﴾ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴿ ٩ ﴾ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﭼ [الشمس: ٧ - ١٠].
ومن أسباب انكباب المسلم على المعاصي: جهله؛ فالعاصي جاهل قطعًا، فلولا جهله ما عصى الله تعالى؛ قال ربنا جلَّ جلاله: ﭽ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﭼ [النساء: ١٧]. قال مجاهد وغير واحد من أهل العلم: كل من عصى الله خطأً أو عمدًا فهو جاهل حتى ينزع من الذنب[25]. ووجه جهل العاصي أنَّه يجهل قدر ربه، وما يجب له من طاعة لحق ربوبيته وألوهيته وعظمته وكمال إنعامه على عبده، ومن جهل العاصي: جهله بضرر الذنوب، وكان ينبغي أن ينفر منها أشد من نفرته من الحيَّات والعقارب، ومن جهله: أن يؤثر العاجلة على الآخرة، وما نسبة العاجلة وما فيها من لذائذ إلى نعيم الآخرة إلاَّ كنسبة ما يعلق بالأصبع إذا غمستها في البحر إلى مائه، ومن جهله: التسويف وطول الأمل وتأجيل التوبة، ولم يعلم أن الموت أقرب إلى الإنسان من شراك نعله.
وإذا أدرك الداعية حال العاصي وأسباب انحرافه عن الجادة قاده ذلك إلى الموقف الصحيح في التعامل معه؛ وهو: أن ينظر إلى العصاة نظرة إشفاق ورحمة؛ فهو يراهم كالواقفين على حافِّة وادٍ عميق سحيق في ليلة ظلماء، يخاف عليهم من السقوط، ويعمل جهده لتخليصهم من الهلاك. وهو في سبيل هذه الغاية يعفو عن تجاوزهم في حقه إن كانت معصيتهم في حقه، ولا يعيرهم ولا يشمت بهم، ولا يحتقرهم افتخارًا بنفسه عليهم وإدلالاً بطاعته، ولا يغضب إلا إذا انتهكت محارم الله، ويوجه غضبه لهذا الانتهاك، قالت عائشة رضي الله عنها: ما انتَقَمَ رسولُ اللهِ ﷺ لنفسِه في شيءٍ يُؤْتَى إليه حتى تُنْتَهَكُ مِن حرماتِ اللهِ، فيَنْتَقِمُ للهِ[26]. ومن محارم الله التي يغضب لها المسلم: محاربة العصاة الدعوة إلى الله والصدِّ عن سبيله وإلحاق الأذى بالدعاة حتى يمتنعوا عن القيام بواجب الدعوة، ففي هذه الأحوال ونحوها يجوز للداعي أن يسلك مع هؤلاء العصاة ما يكفّ به ضررهم عن الدعوة والدعاة بالقدر الذي يبيحه الشرع، على أن لا يتجاوز هذا القدر، وأن يتوسَّل بالأسهل فالأسهل من وسائل كفِّ ضررهم، مع رغبته التامّة في هدايتهم وصلاحهم.
7) علاقة الداعية بالمبتدعة:
المبتدعة أصناف متفاوتون، ومنهم من يريد الحق ويقصد التقرب إلى الله لكنه ضل الطريق؛ قال الله تعالى: ﭽ ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﭼ [الحديد: ٢٧]. لذا ينبغي للداعية أن يراعي هذا التفاوت في أصناف المبتدعة، ويدرك أن منهم من قد يظهر من التنسك أو الأحوال ما يُعبِّر عن اعتقاده الحق فيما يؤمن به. والمبتدع -ما لم يكن زنديقًا- يحكم له بالإسلام ويبقى شأنه وحاله أفضل بكثير ممن قصد الكفر البواح أو الشرك الظاهر. كما ينبغي أن يعلم الداعية أن المبتدع أخطر شأنا على الدِّين وأهل الإسلام من الكافر والمشرك؛ لأن البدعة تفسد الإسلام وتحرف الناس عن الحق إلى مزالق لتأويله؛ ما يقسمهم شيعًا وأحزابًا. وقد أشار الرسول ﷺ في حديثه عن افتراق اليهود والنصارى وهذه الأمة إلى مدى تأثير الاختلاف في الدين على وقوع كثير من الفِرق في النار.
[المقصود بالتعامل مع المبتدع]:
ومن هنا يأتي الإسلام ليرسم للداعية أحكام التعامل مع المبتدع من هذه الزاوية، فالمقصود من التعامل مع المبتدع أمران:
الأول: معالجة المبتدع وإخضاعه للتدابير التي من شأنها تحقيق العلاج لأهدافه.
الثاني: صيانة المجتمع من الآثار التي قد تلحق به دينيًا من البدعة ذاتها، فضلا عن المبتدع. وكما هي حالات المرض: يتفاوت تقويم الإسلام للبدعة وصاحبها، ومن ثمَّ يختلف تعامل المجتمع الإسلامي مع المبتدع بحسب البدعة ذاتها، وبحسب تأثير المبتدع من جهة أخرى.
وعليه؛ فينبغي للداعية أن يعلم أحكام التعامل مع المبتدع وكيف تصاغ علاقته به، ومن ذلك:
1- بيان مخالفته للدِّين بالحجة والبرهان والدليل، وهذا ما سلكه الرسول ﷺ مع ذلك الشاب الذي أتى يستأذن الرسول ﷺ في الزنا!![27]، ومع ذلك الشخص الذي توجه إلى الرسول ﷺ بقوله: اعدل يا محمد! [28].
2- نصح المبتدع وإظهار الشفقة به، مع بيان عظم ما وقع فيه وعظم الآثار التي ستترتب على بدعته؛ وهذا بالفعل ما قام به عبدالله بن عباس رضي الله عنهما وهو يحاور الخوارج ويلزمهم بلازم مذهبهم الذي ذهبوا إليه في شأن الفريقين المتقاتلين من الصحابة.
3-الوقوف بصرامة إزاء تَحوُّل هذه البدعة إلى مذهب يتلقفه الناس ويتخذونه منهجًا؛ لذا كان منهج الرسول ﷺ حازمًا وصارمًا مع من أظهروا الغلو أو أحوالاً وأقوالاً بعيدة عن سنته، وتوعَّد من اتخذ هذا المسلك، وحذَّر أمته منه؛ لكي يظل الحق الذي أنزله الله ناصعًا نقيًّا مما قد يشوبه من أهواء الناس؛ التي وإن لبَّت رغبة قوم أو ذائقتهم، أو وافقت آراءهم العقلية، إلا أنها لن توافق قومًا آخرين. أما الحق الذي أنزله الله تعالى فيوافق العقول السليمة جميعًا، وذائقة النفوس البشرية كافة، ويدور في حدود طاقاتهم وقدراتهم دون تكلف وتنطع. فكم شوهت البدع -رغم نظر أصحابها إليها بالحسن- الإسلام في نظر غير المسلمين، فصرفتهم إلى باطل، وزهَّدتهم في الحق!
وفي جميع الأحوال السابقة يبقى للمرء حقوق الإسلام وعليه واجباته. وقد احتمل الرسول ﷺ المخالفين وأبقاهم في المجتمع لكن مع إنكاره عليهم وتحذيره مما صنعوا؛ فقد كان الرسول الكريم يعلم أن للشيطان مداخله على بعض الصالحين من جهة: تشددهم، أو فهمهم الخاطئ للدين، أو تعبُّدِهم لله بما يستحسنونه من حال أو هيئة؛ فإذا لم يُحسن إلى هؤلاء تحوَّلوا إلى أعداء؛ كيف وقد صبر على أعدائه من المشركين وأهل الكتاب ومنافقي المدينة! إلا أن هنا ملحظًا مهمًا: وهو أن من طبيعة المجتمعات أن تتعامل في الجانب المادي من حياتها عند وجود الضرر والأذى من قبل شخص مريض أو مختل بأن يباشروا من التدابير ما يعينهم على إزالة الضرر ورفع الأذى، أو -في أقل الأحوال- حصره، مع مراعاة ألاَّ يخل بحق المريض أو المختل في الرعاية، مع إمكانية تقييد بعض حرياته أو إسقاط بعض حقوقه لمصلحة أكبر؛ هذه الصورة المادية تقابلها صورة معنوية في حال كان الشخص مجرمًا أو صاحب خلق سيء؛ حيث يأتي عوضًا عن الحجر الصحي والعلاج المادي حَجْرٌ من نوع آخر وعلاجٌ من نوع آخر؛ وهذه السُّنة الاجتماعية لا يغفلها الإسلام في المبتدع، باعتباره شخصًا (مختلاً) في جانب (الدِّين). ومن ثمَّ، فكما أن للجوانب الأخرى تدابيرها لصيانتها في حياة المجتمع يكون الدِّين أحق بهذه التدابير.
8) علاقة الداعية بالمنحرفين فكريًا:
هو الميل إلى غير الحق في أصول الدين فيما ينتجه عقل الإنسان من رأي. ويعد الانحراف الفكري من أخطر الانحرافات التي تقع في المجتمع المسلم؛ وذلك لما يترتب عليه في حياة الفرد والمجتمع من آثار ضارة وفساد عريض للعباد والبلاد. فقد يمرق المسلم بسببه من الدين، ويقع في كبائر من الذنوب تخرجه من الملة، ويخسر الدنيا والآخرة؛ وهو يحسب أنه يحسن صنعًا؛ خاصة أن هذا الانحراف الفكري يغزو الأفراد في أعز مراحل حياتهم: مرحلة الشباب، ويستهدف الأمة في أغلى مدخراتها، والإنسان إذا خسر شبابه خسر عمره، والأمة التي يتحول شبابها للهدم لا للبناء تفقد مقومات النمو والتطور لحاضرها، وعوامل بقائها في مستقبلها؛ فهو يجعل الشباب عرضة لأفكار هادمة لمسيرة تقدم الأمة، فينتشر التشكيك في الله أو في أحكامه وشرائعه، ويظهر الإلحاد والتشبه بالكفار واتباع مذاهبهم الفكرية، ويضعف التدين والالتزام الخلقي، وينتشر في المقابل: التكفير، والتفجير، وتدمير المنشآت، وسفك الدماء المعصومة، والتعدي على الأموال والأعراض، والخروج على الجماعة والحاكم، وتفريق الكلمة، وزعزعة الأمن، وتبديد جهود الأمة وإمكاناتها وقدراتها، وتشويه صورة الإسلام والمسلمين، وفتح الباب لعدوها المتربص بها على ضعفها، كل ذلك بسبب الانحراف الفكري عن الطريق المستقيم، والمؤسف حقًّا أن يكون بعضه بدعوى الحق والجهاد في سبيل الله.
لذا ينبغي على الداعية أن يسلك المسلك الصحيح في التعامل مع هؤلاء المنحرفين ؛ وذلك بمجابهتهم فكريًا، فتكون مناقشتهم، ومحاورتهم بالتي هي أحسن، وإزالة شبههم وتحصينهم بالعلم النافع الصحيح، ومن ذلك:
1) إبراز لزوم الكتاب والسنة مصدرين للتشريع يُفهمان بفهم سلف الأمة من الصحابة والتابعين.
2) نشر الفقه السليم والتصور الصحيح للإسلام ورسالته السمحة، وإبراز مقاصده.
3) دعوتهم للموازنة بين الحقوق والواجبات.
4) توعيتهم بحرمة المسلم: دمه وعرضه وماله، وحرمة جماعة المسلمين.
5) توعيتهم بحقوق غير المسلمين، والواجب تجاههم، وفقه التعامل معهم.
6) تعليمهم فقه الأولويات، ومآلات الأمور، ومنزلة ذلك في التشريع الإسلامي.