حجم الخط:

محتوى الدرس (18)

ثالثًا: علاقة الداعية بغير المسلمين وواجبه تجاههم:

1) علاقة الداعية بالملحدين:

[مفهوم الإلحاد]:

الإلحاد في الأصل هو: الميل والعدول عن الشيء، والظلم والجور، والجدال والمراء؛ يقال: لحد في الدين لحدًا، وألحد إلحادًا: لمن مال وعدل ومارى وجادل وظلم. واللحد: الشق الذي يعمل في جانب القبر لموضع الميت؛ لأنه قد أُميل عن وسط القبر إلى جانبه. والإلحاد في الدين هو: الميل عن الحق، والانحراف عنه بشتى الاعتقادات، والتأويل الفاسد، والمنحرف عن صراط اللَّه. وقيل المراد بالملحدين على المعنى المصطلح عليه في هذا العصر هم: من أنكروا وجود رب خالق لهذا الكون، متصرف فيه، يدبر أمره بعلمه وحكمته، ويجري أحداثه بإرادته وقدرته، واعتبار الكون أو مادته الأولى أزلية، واعتبار تغيراته قد تمت بالمصادفة، أو بمقتضى طبيعة المادة وقوانينها، واعتبار الحياة من أثر التطور الذاتي للمادة.

وعليه فينبغي للداعية أن يسلك المسلك الصحيح في دعوة الملحدين؛ وذلك من خلال محاجتهم بما يلي:

[المسلك الصحيح]:

أ- الأدلة الفطرية:

فمن الحكمة مع الملحدين أن يستخدم الداعية إلى اللَّه تعالى في دعوته لهم الأدلة الفطرية؛ فيوضح ويبين لهم أن المولود يولد على نوع من الجبلة والطبع المتهيِّئ لقبول الدين، فلو تُرِكَ عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غَيرها، وإنما يعدل عنها من يعدل لآفة من آفات البشر والتقليد. وكل مولود يولد على معرفة اللَّه والإقرار به، فلا تجد أحدًا إلا وهو يقرّ بأن له صانعًا وإن سماه بغير اسمه، أو عبد معه غيره.

والمقصود بفطرة اللَّه التي فطر الناس عليها: فطرة الإسلام، والسلامة من الاعتقادات الباطلة، والقبول للعقائد الصحيحة؛ فإن حقيقة الإسلام هي الاستسلام للَّه وحده. قال الرسول : «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه، أو ينصِّرانه، أو يمجِّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جَدْعَاء»، ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم: ٣٠][1].

وقال الله تعالى في الحديث القدسي: «إني خلقتُ عبادي كلهم حُنفاء، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يُشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً»[2].

ب- البراهين والأدلة العقلية:

فمن الحكمة في دعوة هؤلاء إلى اللَّه تعالى أن تُقدّم لهم البراهين والأدلة العقلية القطعية في التقسيم العقلي الحكيم؛ فيستدل على كل من أنكر وجود اللَّه تعالى وربوبيته بأمر لا يمكنهم إلا التسليم للحق والانقياد له، أو الخروج عن موجب العقل إلى الجنون والفطر المنحرفة، فيقال لكل من أنكر ذلك: إن الأمور الممكن تقسيمها في العقل ثلاثة لا رابع لها:

1 - إما أن تُوجد هذه المخلوقات بنفسها صُدفة من غير مُحدِث ولا خالق خلقَهَا، فهذا مُحالٌ ممتنع تجزم العقول ببطلانه ضرورة، ويُعلم يقينًا أن من ظن ذلك لهو إلى الجنون أقرب منه إلى العقل؛ لأن كل من له عقل يعرف أنه لا يمكن أن يوجد شيء من غير مُوجدٍ ولا مُحدِثٍ، فلا بد لكل حادث من مُحدِث، ولا سبيل إلى إنكار ذلك؛ فإن وجود الشيء من غير مُوجد مُحالٌ وباطلٌ بالمشاهدة والحسّ والفطرة السليمة.

2 - وإما أن تكون هذه المخلوقات الباهرة هي المحدثة الخالقة لنفسها، فهذا أيضاً مُحالٌ ممتنع بضرورة العقل، وكل عاقل يجزم أن الشيء لا يُحدثُ نفسه ولا يخلقه؛ لأنه قبل وجوده معدوم فكيف يكون خالقًا؟!

فإذا بطلَ هذان القسمان عقلاً وفطرةً، وبان استحالتهما، تعيَّن القسم الثالث:

3 - وهو أن هذه المخلوقات بأجمعها: علويها وسفليّها لا بد لها من مُحدث ينتهي إليه الخلق والملك والتدبير، وهو اللَّه العظيم، خالق كل شيء، المتصرف في كل شيء، المدبر للأمور كلها؛ ولهذا ذكر اللَّه تعالى هذا الدليل العقلي والبرهان القطعي فقال: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور: ٣٥]، ولذلك تأثر جبير بن مطعم بسماعها من النبي تأثرًا عظيمًا؛ قال رضي الله عنه: «سمعت النبي يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴿ ٣٥ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَلْ لَا يُوقِنُونَ ﴿ ٣٦ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ [الطور: ٣٥ - ٣٧]، كاد قلبي أن يطير، وذلك أول ما وقرَ الإيمانُ في قلبي» [3].

فالمخلوق لا بد له من خالق، والمصنوع لا بد له من صانع، والمفعول لا بد له من فاعل، وهذه قضايا بدهية جلية واضحة، يشترك في العلم بها جميع العُقلاء، وهي أعظم القضايا العقلية، فمن ارتاب فيها أو شكّ في دلالتها فقد برهن على ضلاله، واختلال عقله.

2) علاقة الداعية بأهل الكتاب:

[المسلك الصحيح]:

إن من الحكمة في دعوة أهل الكتاب إلى اللَّه تعالى أن يُجَادَلُوا بالتي هي أحسن، بمزيد حسن خلق ولُطْفٍ ولين كلام، ودعوة إلى الحق، وتحسينه بالأدلة العقلية والنقلية، ورد الباطل بأقرب طريق وأنسب عبارة، وأن لا يكون القصد من ذلك مجرد المجادلة والمغالبة وحب العلو، بل لا بد أن يكون القصد بيان الحق، وهداية الخلق؛ كما قال الله تعالى : وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [العنكبوت: ٤٦].

وقد ختم اللَّه تعالى الشرائع كلها بشريعة محمد ، فأرسله اللَّه إلى جميع الثقلين: الإنس والجن، ونسخت شريعته جميع الشرائع السابقة؛ قال تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: ٨٥]. وقال : «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهودي أو نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار»[4].والله تعالى حكيم عليم لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء: ٢٣]، ولا غرابة في أن يُرفَع شرعٌ بآخر مراعاة لمصلحة العباد عن علمٍ سابقٍ من علاَّم الغيوب تبارك وتعالى، ولكن اليهود والنصارى أنكروا نسخ الشريعة الإسلامية لجميع الشرائع السابقة، فينبغي عند دعوتهم إلى اللَّه عز وجل أن يكون المسلك الأساس في ذلك: الاستدلال بالأدلة العقلية، والأدلة النقلية على نسخ الإسلام لجميع الشرائع، وفيما يلي بيان ذلك:

أولاً: الأدلة العقلية:

1- ليس هنالك محظور في النسخ عقلاً، وكل ما لم يترتب عليه محظور كان جائزًا عقلاً، فالنسخ جائز عقلاً.

2- اللَّه تعالى يأمر بالشيء على قدر ما تقتضيه المصلحة؛ فقد يأمر بالشيء في وقت، وينهى عنه في وقت آخر؛ لأنه سبحانه أعلم بمصالح عباده، والطبيب الحكيم يأمر المريض بشرب الدواء، أو استعمال دواء خاص في بعض الأزمنة، وينهاه عنه في زمن آخر، بسبب اختلاف مصلحته عند اختلاف مزاجه، والملك الذي يُشفق على رعيته ينقلهم في بعض الأزمنة إلى نوع من السياسة غير النوع الأول؛ لما في ذلك من المصالح، وقد يسوس الوالد الحكيم ولده في وقت باللطف، وفي وقت آخر بالتأديب، على قدر ما يرى في ذلك من المصلحة، واللَّه عز وجل : لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الروم: ٢٧]، وهو سبحانه لا يفعل شيئًا إلا لحكمة بالغة؛ فهو يُحيي ثم يُميت ثم يُحيي، وينقل الدولة من قوم أعزّة إلى قوم أذلّة، ومن قوم أذلة إلى قوم أعزة، ويُعطي من شاء ما شاء، ويمنع من شاء: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء: ٢٣].

3- من يقول بوقوع النسخ سمعًا وجوازه عقلاً، وأن الشارع يجوز أن يأمر عباده بأمر مؤقت ينتهي بانتهاء وقته، وأن ذلك قد وقع سمعًا؛ من يقول بذلك يلزمه أن يُجَوِّز نسخ الشريعة الإسلامية للملل السابقة.

4- إنكار النسخ يلزم منه إنكار كل الرسالات التي جاءت بعد الرسالة الأولى! فتبطل بذلك اليهودية والنصرانية وغيرهما.


ثانيًا: الأدلة النقلية السمعية:

وهي نوعان:

النوع الأول: ما تقوم به الحجة على منكري النسخ من اليهود والنصارى الذين لم يعترفوا برسالة محمد ؛ وذلك بالأدلة الواردة في التوراة والإنجيل. والداعية المسلم إذ يُورد الأدلة من كتبهم لا يعتقد أن هذه النصوص كما أُنزلت، بل يحتمل أن تكون مما وقع عليه التحريف والتغيير؛ فإن اليهود والنصارى قد غيَّروا وبدَّلوا كثيرًا من كتبهم، ولكن المسلم يقيم الحجة عليهم بما بين أيديهم من التوراة والإنجيل لا لثبوتها ولكن لإلزامهم بالتسليم، أو يعترفوا بالتحريف، ومن ذلك ما يأتي:

1- جاء في التوراة: إن اللَّه تعالى أمر آدم أن يزوج بناته من بنيه، وورد أنه كان يولد له في كل بطن من البطون ذكر وأنثى، فكان يزوج توأمة هذا للآخر، ويزوج توأمة الآخر لهذا، إقامة لاختلاف البطون مقام اختلاف الآباء والأمهات والأنساب، ثم حرَّم اللَّه ذلك بإجماع المتدينين من المسلمين واليهود والنصارى.

2- أمر اللَّه إبراهيم عليه السلام بذبح ولده، ثم نسخ هذا الحكم قبل العمل به، وقد أقرّ منكرو النسخ بذلك.

3- الجمع بين الأختين كان مباحًا في شريعة يعقوب، ثم حُرِّم في شريعة موسى عليهما السلام.

النوع الثاني: ما تقوم الحجة به على من آمن بنبوة محمد واعترف بها؛ ولكنه جعلها خاصة بالعرب دون غيرهم، فهؤلاء متى سلّموا واعترفوا برسالته وأنه صادقٌ فيما بلغه عن اللَّه عز وجل من الكتاب والسنة وجب عليهم الإيمان والتصديق بكل ما ثبت عنه، وما جاء به من عموم الرسالة، والنسخ الثابت بالكتاب والسنة، ومن هذا النوع ما يأتي:

1- قال تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿ ١٠٦ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [البقرة: ١٠٦ - ١٠٧].

2- وقال تعالى: وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ ۙ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [النحل: ١٠١].

3- وقال جل وعلا: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴿ ٣٨ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد: ٣٨ - ٣٩].

4- وقال تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: ٨٥].

5- وقال الله جل وعلا: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف: ١٥٨].

6- وقال تعالى: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: ٦].

وبهذه الأدلة العقلية، والنقلية السمعية -التي دلت على جواز النسخ عقلاً ووقوعه نقلاً وسمعًا- سقطت أقوال منكري النسخ، وأقوال من أنكر عموم رسالة النبي .

وثمة مسالك أخرى يجدر بالداعية أن يدركها ويحيط بها، وهي مما تقوي حجته إزاء دعوة أهل الكتاب؛ منها:

* الأدلة القطعية على وقوع التحريف والتبديل في التوراة والإنجيل.

* إثبات اعتراف المنصفين من علماء اليهود والنصارى.

* الأدلة على إثبات رسالة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة