3) علاقة الداعية بالمشركين:
أطلق القرآن الكريم لفظ المشركين على عُبَّاد الأوثان والأصنام، وقد أصبح هذا اللفظ علمًا عليهم يميزهم عن بقية الأديان الأخرى؛ قال تعالى: ﭽ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﭼ [الحج: ١٧]. وقال تعالى: ﭽ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﭼ [البقرة: ١٠٥]، وقال تعالى: ﭽ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ﭼ [آل عمران: ١٨٦]، وقال الله تعالى: ﭽ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ﭼ [المائدة: ٨٢].
ففي هذه الآيات، قد ميز القرآن أهل الكتاب -على ما فيهم من ضلال وباطل- عن عبدة الأوثان والأصنام. قال صاحب المغني: (وسائر آي القرآن الكريم يفصل بينهما، فدل على أن لفظ المشركين بإطلاقها غير متناولة لأهل الكتاب)[1]. وقال القرطبي في هذا الخصوص: (ففرق بينهم في اللفظ، وظاهر العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه)[2].
ووصف القرآن الكريم لعبدة الأوثان والأصنام بالمشركين فيه تسفيه لعقولهم، وأن عبادتهم تلك باطلة وفاسدة؛ لأنها مبنية على الجهل والضلال. ولما كان المشركون لا ينكرون وجود الله تعالى، وإنما اتخذوا معه آلهة يظنون أن لها حظوة ومكانة عند الله تقربهم إليه، فقد أقام القرآن الكريم عليهم كثيرًا من الحجج والبراهين الملزمة لهم بالاعتراف بالوحدانية لله تعالى، وعليه فحري بالداعية أن يَعِيَها ويستحضرها إزاء دعوته للمشركين؛ وذلك لأنها تمثل المنهجية الصحيحة في دعوتهم؛ ومن أهم ذلك:
أ- الأدلة القوية على صدق الرسول ﷺ:
المتمثلة في شهادة ربه تبارك وتعالى له، وكفى بها شهادة، وكذلك شهادة أهل الكتاب بصدقه، وشهادة المشركين أنفسهم له بالصدق والأمانة، وكان رأيهم في ذلك يعد إجماعًا منهم على كريم أخلاقه ﷺ. ولعل من أعظم علامات صدقه ﷺ أن تحداهم بالقرآن الكريم، بل تحدى الإنس والجن على أن يأتوا بسورة من مثله، ولو بأقصر السور، ولم يتقدم واحد منهم إلى الميدان، على الرغم من أنهم أئمة الفصاحة والبيان، وفرسان البلاغة في هذا الشأن.
ب- استجواب المشركين عن أمور لا يمكنهم إنكارها:
كالرزق والحواس، وأحوال الموت والحياة، وشئون التدبير، والاستقلال بالملك والتصرف في الكون، وما فيه من سائر صنوف المخلوقات؛ لأنهم عند ذلك لا يجدون محيدًا عن الجواب الصحيح؛ وهو أن ذلك كله بيد الله، ومن هنا فإنه يلزمهم الاعتراف بأن الذي ابتدأ الخلق والإيجاد والإبداع، هو المستحق للعبادة وحده.
ج- وكذلك إلزامهم بتقرير وحدانية الله تعالى:
باعترافهم بأن الخالق لكل ما في الكون من: سماء وأرض، وشمس وقمر، وليل ونهار، وسحاب وأنهار، وحيوان ونبات هو الله تعالى وحده؛ لأنه إذا كان الله تعالى هو رب كل شيء ومليكه، وهو الخالق الرازق وحده، فلماذا يعبدون غيره؟! وكذلك فإن الله الخالق الرازق المتصرف لم يأذن لهم في اتخاذ الوسائط بينهم وبينه -سبحانه وتعالى - فلماذا يفتئتون عليه بلا إذن منه؟!
د- وألزمهم أيضا بإقرارهم بتوحيد الله عند الشدائد:
وعند شدة الكرب والفزع في البر والبحر -حيث ثبت أنهم لا يتوجهون في تلك اللحظات إلى صنم، ولا إلى كوكب، ولكنهم يتوجهون إلى الله وحده مخلصين له الدين سرًا وجهرًا- فذلك يوجب عليهم الإقرار بتوحيده في الأمن والرخاء.
هـ- ودعاهم القرآن الكريم عن طريق السؤال والجواب في آن واحد:
حتى لا يسأموا من الدعوة إلى التوحيد، وفي الوقت نفسه كان هذا إلزامًا لهم بالحجة الواضحة التي لا يمكنهم إنكارها.
و- وفي مجال ضرب البراهين العقلية:
دعاهم القرآن إلى النظر والتدبر فيما يشاهدونه من خلق السماوات والأرض، وما فيهما من إبداع، وليس لآلهتهم في صنعها يد، فلا بد أن تكون العبادة لمن خلق كل ذلك.
ز- وضرب لهم الأمثال للتذكير والوعظ والاعتبار:
وتصوير الشرك في صورة محسوسة، ليكون ذلك أقرب إلى الأنظار، وأثبت في الأذهان، وأدعى إلى الامتثال.
سالكًا معهم في الاستدلال على وحدانية الله تعالى مسلكين:
1- دليل التمانع؛ وذلك أنه لو كان مع الله شركاء في كونه لما قبل أحد منهم أن يكون في مركز أدنى، ولسَعَى لمنافسة الآخرين في كل شيء، وعند ذلك يفسد الكون بين رغبات الشركاء، ولكن ثبت انتظام الكون وسلامته من الخلل والتصادم والفساد، فعلم أن الله واحد ليس له شريك.
2- التركيز على إبطال معبودات المشركين، ومناقشتهم فيها مناقشة واضحة صريحة، وبيان أنها لا تقدر على خلق ذبابة، ولا تستطيع أن تدفع عن نفسها ضرًّا، ولا تجلب لنفسها نفعًا، فضلا عن نفع غيرها أو إلحاق الضرر به.
ط- وطالبهم القرآن الكريم على وجه التعجيز أن يأتوا بدليل
عقلي أو نقلي يقر عبادتهم، ولما كان صريح العقل حاكمًا بأنه لا يجوز إسناد جزء من أجزاء هذا العالم إلى معبودات المشركين، وإن كان ذلك الجزء أقل الأجزاء، ولا يجوز أيضًا إسناد الإعانة إليها في أقل الأفعال وأذلها، وكذلك فإن إثبات ما يعتقدونه عن طريق أي نقل أمر محال، ولأنه قد علم بالتواتر الضروري إطباق جميع الكتب على المنع من عبادة غير الله تعالى؛ فلما بطل الكل ثبت أن الاشتغال بعبادة الأصنام عمل باطل واعتقاد فاسد.
ي- واشتمل مسلك القرآن الكريم على كثير من التوجيهات والتحذيرات:
التي تدعو المشركين إلى الإيمان بوحدانية الله تعالى وانضوائهم تحت لواء الإسلام؛ من أهمها ما يلي:
1- دعوتهم بالأمر الجازم بعبادة الله وحده، والنهي عن عبادة ما سواه.
2- مطالبتهم بأن يحاكموا تقاليدهم وعقائدهم الجاهلية الموروثة إلى ميزان العقل، إن كانت لديهم عقول.
3- استعمال أسلوب الحكمة والموعظة الحسنة في دعوتهم، وعدم سب آلهتهم لئلا يسبوا الله تعالى بسبب جهلهم وعدم علمهم.
لتقرير التوحيد بأبلغ أسلوب، وأقوى حجة، ونفي الشرك بأوضح بيان.
ل- دعوتهم إلى التأمل في مصير المكذبين من الأمم السابقة:
لأخذ الدرس والعبرة بسنن الله في الخلق؛ لأن السعيد من اتعظ بغيره، وتعلم من أخطاء الآخرين.
م- بيان ضلالهم حول بعض المسائل الغيبية:
سواء ما يتعلق بالملائكة أو البعث، أو ما يتعلق بأمر الشفعاء والأولياء، وبيان الحق في ذلك، وإيضاحه التام.
ن- وكذلك فند القرآن جميع الشبهات:
التي يثيرها المشركون عن الرسالة؛ سواء ما يتعلق منها بالقرآن، أو بصاحب الرسالة عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
3) علاقة الداعية بالباحثين عن الحق:
توجه بعض الدعاة لدعوة غير المسلمين إلى الإسلام، وهدايتهم إلى طريق النجاة في الدنيا والآخرة، واتخذ من الأساليب ما يتوافق مع ما يحتاجه هذا السبيل، واستعمل الأدوات المناسبة لهذا الميدان، فهدى الله على أيديهم من أراد له الهداية والسعادة، وبقي آخرون على أبواب الهداية؛ يحول بينهم وبينها ريبٌ وترددٌ من بقايا ماضيهم المعتم، وأخلاطٌ مما كانوا فيه من شبهات الضلال، وهم يتحرَّون من يرفع عنهم غم هذه الغيوم بإجابات شافية ومعلومات كافية؛ لا سيما وهم يشاهدون ما في أديانهم من ازدواجية واضطراب وتناقض وضلال.
وهنا تبرز أهمية الداعية إلى الله؛ فيبين لهم حاجتهم إلى الإسلام، ويشرح لهم باختصار ووضوح أصول الإسلام الاعتقادية، وما في هذا الدين من المزايا والمحاسن، وما فيه من النبع الروحي العظيم الذي يروي ظمأ هذه القلوب والأرواح العطاش إلى النور الصافي؛ نور الإسلام. كما ينبغي عليه أن يزيل عنهم الشبه المتعلقة بالإسلام التي ألصقها به أعداء الإسلام، وأن يبين لهم ضلال أديانهم وتناقضات كتبهم وكذب علمائهم. وأعظم ما يقوم به هو نفض الغبار عن أصل الفطرة لديهم، فيبين أن الفطرة السليمة هي فطرة الإسلام والسلامة من الاعتقادات الباطلة، والقبول بالعقائد الصحيحة، وأنها لا محالة ستقود الحائر والمتردد للإيمان بالله العظيم وتصديقه.
الأصل في دعوة الناس أن تكون باللين والرفق؛ كما قال تعالى لموسى عليه السلام: ﭽ اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ﴿ ٤٣ ﴾ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ ﭼ [طه: ٤٣-٤٤]. والقول اللين هو الكلام الدال على معاني الترغيب والعرض واستدعاء الامتثال؛، بأن يظهر المتكلم للمخاطب أن له من سداد الرأي ما يؤهله لتقبل الحق والتميبز بينه والباطل، مع تجنب أن يشتمل الكلام على تسفيه رأي المخاطب أو تجهيله. كما يلزم أن تكون الدعوة بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة؛ كما قال تعالى: ﭽ ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﭼ [النحل: ١٢٥].
فإذا عاند المدعو ولم يُجدِ ذلك معه شيئًا، بل جحد وأنكر وتكبر ، انتقل الداعية بعد ذلك إلى أسلوب الغلظة معه؛ كما قال تعالى في حق اليهود: ﭽ قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿ ٩٤ ﴾ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴿ ٩٥ ﴾ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﭼ [البقرة: ٩٤-٩٦]، بل قد ينتقل بعد ذلك لأسلوب المباهلة؛ كما قال تعالى في حق النصارى: ﭽ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ﭼ [آل عمران: ٦١]. ويراعي في ذلك كله المصلحة الراجحة.