حجم الخط:

محتوى الدرس (20)

1) علاقة الداعية مع إخوانه الدعاة:

[التكامل واجب أساس]:

الواجب الأساس في تعامل الداعية مع إخوانه الدعاة هو التكامل والتعاون في المهمات الدعوية؛ والتعاون المقصود هو المساعدة على الحق ابتغاء الأجر من الله عز وجل؛ وذلك بتسخير الدعاة لطاقاتهم وإمكاناتهم وما آتاهم الله من النعم في خدمة دينه. وهو من مبادئ الإسلام وفضيلة من فضائله التي حث عليها ودعا إليها وأمر بها؛ كما قال تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ [المائدة: ٢]. يقول ابن كثير: (يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات؛ وهو البر، وترك المنكرات؛ وهو التقوى) [1]. كما أن التعاون يشيع روح الألفة والمحبة بين الدعاة ويجعلهم كالجسد الواحد كما قال : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»[2].

[تعاون الدعاة]:

والدعوة اليوم بحاجة إلى تعاون أبنائها لمواجهة تيارات الكفر التي تحاول جاهدة ضرب الإسلام عن قوس واحدة كما قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [الأنفال: 73] . وفي تعاون الدعاة مع بعضهم البعض وتكاملهم في المهمات بعد عن الخطأ، وسلامة بإذن الله من الانحراف والشطط، وثبات على الحق، وقد وصف الله المؤمنين في تعاونهم وتكاتفهم فقال: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصـر: ٣]. ومن الخطأ أن يعتقد الداعية أنه يستطيع أن يقوم بجميع تكاليف الدعوة ومستلزماتها، ويؤدي جميع واجباتها ومسؤوليتها بمعزل عن إخوانه، مستقلاً عنهم ومستغنيًا عن معونتهم، وهو بهذا الاعتقاد قد يكون مغرورًا؛ فحاله حال من يعتقد أنه أقوى من الرسل شكيمة وأكبر منهم عزيمة؛ فقد احتاج نبي الله موسى عليه السلام لأخيه لمؤازرته في دعوته -مع أنه من أولي العزم من الرسل- فقال: وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي ﴿ ٢٩ هَارُونَ أَخِي ﴿ ٣٠ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ﴿ ٣١ وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [طه: ٢٩ - ٣٢]. فإن لم يكن ثمة غرور فهو جهل بسير الأنبياء التي فاضت الأخبار بتعاونهم مع أتباعهم في حمل لواء الدعوة ونشر بساطها؛ قال تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران: ١٤٦]، وقد قال : «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره»[3]. وكان يقول: «من ينصرني حتى أبلغ رسالات ربي»[4]. وأخذ البيعة مرات عديدة على نصرته ونشر ملته، فبايعه الأنصار رضي الله عنهم.

ولهذا امتن الله على رسوله بهذه النعمة فقال: وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ۚ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ﴿ ٦٢ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال: ٦٢-٦٣].

[ضرورة التكامل]:

لذا ينبغي على الدعاة أن تتسع صدورهم في التعاون فيما بينهم على دفع مسيرة الدعوة إلى الله، وأن يتقاسموا المهمات والمراحل والأوقات والأماكن والأزمنة، مستشعرين الغاية العظيمة من الدعوة إلى الله: وهي هداية الخلق، مستحضرين الإخلاص لله إزاء هذا التعاون، معتمدين على الله في تحقيق مرادهم المنشود. كما أن الدعوة إلى الله تحتاج لجميع الطاقات والإمكانات والمواهب والمهارات والتخصصات، وهي متفرقة في الدعاة وقليل من يجتمع عنده أكثرها. وعليه فلا بد أن يكون التعاون والتكامل بين الدعاة على أعلى مستوى من التنسيق والتخطيط والتنظيم، وأن تتحرك الطاقات الدعوية بجميع تخصصاتها لنصرة الإسلام والمسلمين. وليحذر الدعاة من معوقات التعاون بينهم؛ كالأنانية، والأثرة، وحب الذات، والإعجاب بالرأي والاستبداد به، والرغبة في الشهرة؛ فإنها مفسدة للنية، ومذهبة للأجر، وموغرة للصدور، ومفرقة للجمع، ومفسدة للأخوة، ومحبطة للعمل، وماحقة للبركة. ولعل أخطر ذلك كله: الإعجاب بالنفس والاستبداد بالرأي؛ فالمستبد برأيه المعجَب بنفسه شخصية يصعب التعاون معها؛ لأنه يستصغر الآخرين ويحقِّر رأيهم، ويستعظم نفسه، ولا يثق إلا برأيه، وفي ذلك الهلاك.

[سيرة النبي]:

روى الطبراني في معجمه الأوسط بإسنادٍ حسن عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: «ثلاث مهلكات وثلاث منجيات، وثلاث كفارات، وثلاث درجات: فأما المهلكات فشحٌّ مطاع، وهوىً متبع، وإعجابُ المرءِ بنفسه...» [5]. ولإزالة هذا المعوق ينبغي لمن آنس في نفسه عدم الاستماع للآخرين، وكان متشبثاً برأيه، أن يتذكر خير البرية محمدًا وكيف كان يسمع لأصحابه ويترك رأيه لرأيهم في ما ليس فيه وحي؛ كما في سماعه لرأي أم سلمة في الحديبية وأَخْذه بمشورتها في حلقه لرأسه ونحره لهديه ؛ ليقتدي به أصحابه بعد إحجامهم حزنًا على عدم إتمامهم للعمرة. وكما أخذ برأي شباب الصحابة رضي الله عنهم في الخروج لأحد وعدم مواجهة المشركين داخل المدينة، وكما أخذ برأي السعدين في الأحزاب حين أراد أن يعطي غطفان ثلثَ ثمار المدينة ويرجعوا، فقال السعدان: لا نعطيهم إلا السيف. وكما أخذ برأي الحُباب بن المنذر في الرواية المشهورة -وإن لم يكن سندها قويًا- حين أشار رضي الله عنه بتغيير مكان نزول جيش المسلمين في بدر، وكما أخذ برأي عمر رضي الله عنه حين قال له: يا رسول الله، بأبي أنت، وأمي، أبعثت أبا هريرة بنعليك، من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه بشره بالجنة؟ قال: «نعم»، قال: فلا تفعل؛ فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، فَخَلِّهِم يعملون، قال رسول الله : «فَخَلِّهِم»[6].

وقد وعى عمر رضي الله عنه هذا الخُلُقَ عن رسول الله ، فكان مع قوَّته وشدَّته يسمع للرجال والنساء، وربما ترك رأيه لرأيهم؛ كما ورد عن عبد الرحمن بن عوفرضي الله عنه أن رجلاً قال لعمر: إن فلانا يقول: لو مات أمير المؤمنين لبايعنا فلانًا، (والمعنى أنهم يَثِبُون على الأمر بغير عهدٍ ولا مشاورة) فقال عمر: لأقومن العشية فأحذر هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغصبوهم، قلت: لا تَفْعَلْ؛ فإن الموسم يجمع رعاع الناس، يَغْلِبون على مجلسك، فأخاف أن لا ينزلوها على وجهها، فيطير بها كل مُطِيرٍ، فأمْهِل حتى تقدم المدينة دار الهجرة ودار السنة، فتخلص بأصحاب رسول الله من المهاجرين والأنصار، فيحفظوا مقالتك وينزلوها على وجهها، فقال: والله لأقومن به في أول مقام أقومه بالمدينة[7].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة