ثالثًا: مهارات إدارة الوقت:
يقصد بإدارة الوقت: الطرق والوسائل التي تعين المرء على الإفادة القصوى من وقته في تحقيق أهدافه، وخلق التوازن في حياته ما بين الواجبات والرغبات والأهداف؛ فإدارة الوقت إدارة للذات، وإذا لم نُحسن إدارته فإننا لن نُحسن إدارة أي شيء، ولعل عدم إدارة الوقت جهلاً أو عمدًا هو أحد أسباب التأخر والتخلف؛ لأن قضية التنمية هي في الواقع قضية استثمار للإمكانات والأوقات، وما أعظم الإسلام الذي ربط كل العبادات فيه بالوقت، بل إن المولى جل في علاه أقسم كثيرًا بالوقت في غير ما موضع، إلى غير ذلك من أمور عديدة تبرز قيمة الوقت في حياة الإنسان، ومسؤوليته عن فراغه، ويكفينا في ذلك قول الله عز وجل: ﭽ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ﭼ [الشرح: ٧].
والمسؤولية على الداعية المربي أجلُّ، ومن ثم كان التعرف على مهارات إدارة الوقت لزامًا لكل باحث عن تطوير الذات وتحقيق الأهداف والغايات التي من أجلها خُلق. وتتمثل مهارات الوقت في: التنظيم، تحديد الأهداف، التخطيط، تحديد الأولويات، المتابعة، الاستعانة بالوسائل المساعدة في إدارة الوقت. وفيما يلي توضيح تلك المهارات:
1- تنظيم الوقت:
إذ إن له أثرًا كبيرًا في توسيع الوقت لأداء المهام بصورة كاملة، والتنظيم يتطلب تحليلاً مسبقًا لكيفية قضاء الداعية لوقته، ومن ثم التخطيط لبرنامجه اليومي أو الأسبوعي، بشرط الالتزام الجيد بهذا التخطيط.
2- تحديد الأهداف:
فكثيرًا ما يستهلك الإنسان وقته في غير أهدافه؛ وذلك لأنه غير واضح في تحديد الأهداف، فإذا وضع الإنسان أهدافه المستقبلية والآنية، ووضع خططًا لهذه الأهداف المناسبة، مع تحديده وتخطيطه لوقته اليومي؛ فإنه يستطيع أن يحتوي الكثير مما يتلف من وقته ويضيع.
3- الوقت سيضيع من غير تخطيط واضح:
وسوف يجد المرء نفسه منجذبًا نحو عمل الأشياء السهلة. لذا كان لا بد من الالتزام بأهداف سنوية للتطوير الشخصي، والأهداف السنوية تقسم إلى أهداف شهرية وأسبوعية. ومن المفيد هنا أن يخصص المرء عشرين دقيقة في مطلع كل أسبوع، وخمس دقائق في مطلع كل يوم لكتابة قائمة بالأعمال التي سينجزها، والعمل الذي لا يتمكن أحدنا من إنجازه يبقيه في القائمة؛ ليضاف إلى قائمة أعمال اليوم التالي.
4- تحديد الأولويات ومعرفة الأهم من المهم في حياتنا:
إذ إن الهامشيات والجانبيات تلتهم الكثير من الوقت وتضيعه، فعندما نحدد الأولويات ونلتزم بالأهم ونترك المهم جانبًا فإن هذا يوفر الكثير من الوقت، فمن اشتغل بغير المهم ضيّع الأهم.
5- كثيرًا ما يذهب الوقت في تجزئة العمل وتشتيته:
فكثير من الناس يبدؤون عملاً ثم يقفزون إلى غيره قبل إتمامه، ثم يعودون للأول وهكذا، ولذا فإن النصيحة هنا أن يحاول الواحد منا ألا يركز اهتمامه في أكثر من عمل في وقت واحد، وإذا بدأ في عمل، فلا يتركه حتى ينهيه. وهذا في الحقيقة يحتاج إلى الصبر والعزيمة والمثابرة.
6- الوسائل المساعدة في إدارة الوقت:
فتنقسم إلى قسمين:
مثل الحاسبات الآلية،الهاتف الجوال، آلات تصوير المستندات، أجهزة الفاكس والماسح الضوئي، الانترنت والبريد الإلكتروني، المفكرة الإلكترونية؛ فكل جهاز من هذه الأجهزة إن أُحسن استخدامه فإنه يفيد ويضبط عملية إدارة الوقت، وآلة تصوير المستندات توفر تكرار الطبع والجهد الكتابي أثناء توزيع القرارات المهمة، وكذلك الإنترنت والبريد الإلكتروني فإنه يساعد على تقريب المسافات وبالتالي تقليص الوقت، كما يتسم الحاسب الآلي بإمكانية القيام بعدة أعمال بشكل سريع ودقيق أكثر مما يقوم به الشخص العادي. فوسائل الاتصالات هذه سلاح ذو حدين؛ فهي قد توفر الكثير من الوقت والجهد، وقد تكون عائقًا لإدارة الوقت؛ كالاتصالات الكثيرة غير الضرورية.
مثل: الاعتماد على شخص آخر أو تفويضه في تنفيذ بعض المهام، وإعداد مفكرة مكتبية يومية أو أسبوعية، الذاكرة الشخصية، حجب المكالمات الهاتفية غير الضرورية.
ومما لا شك فيه أنك إذا اتبعت هذه المهارات، فإنك ستجني فوائد عديدة، أهمها: الشعور بالتحسن بشكل عام في حياتك، قضاء وقت أكبر في التطوير الذاتي، إنجاز أهدافك وأحلامك الشخصية، تحسين إنتاجيتك بشكل عام، التخفيف من الضغوط -سواء في العمل أو ضغوط الحياة المختلفة أو الضغوط النفسية- قضاء وقت أكبر مع العائلة أو في الترفيه والراحة.
ولنختم هذه الفوائد بمثال يسير يوضح أهمية إدارة الوقت؛ فلو قلنا مثلاً أنك تقضي عشر دقائق في طريقك من البيت إلى العمل، ومثلها من العمل إلى البيت، أي أنك تقضي عشرين دقيقة يوميًا في التنقل بين البيت والعمل، ولنفرض أن عدد أيام العمل في الأسبوع خمسة أيام؛ أي 88 ساعة تقريبًا في السنة الواحدة، فماذا نحن قائلون عن هذا الوقت الذي نظنه ضائعًا أو مهدرًا؟!
لذا:
* فكر في أهدافك، وانظر في رسالتك في هذه الحياة.
* حدد الأهداف التي تريد تحقيقها، ثم رتبها حسب أهميتها ومواعيد إنجازها.
* ضع قائمة يومية بالمهام التي تريد إنجازها لتحقيق الأهداف.
* رتب هذه المهام حسب درجة أهميتها واستعجالها.
* حدد الوقت اللازم لأداء هذه المهام بكفاءة وبدون توتر.
* بعد الانتهاء من الخطة توقع أنك ستحتاج إلى إدخال تعديلات كثيرة عليها، لا تقلق ولا ترمِ بالخطة؛ فذلك شيء طبعي.
* الفشل أو الإخفاق شيء طبعي في حياتنا، لا تيأس، وكما قيل: أتعلم من أخطائي أكثر مما أتعلم من نجاحي.
* اعلم أن النجاح ليس بمقدار الأعمال التي تنجزها، بل هو بمدى تأثير هذه الأعمال بشكل نافع ومفيد على المحيطين بك.
* نفذ، وهنا حاول أن تلتزم بما وضعت من أهداف في أسبوعك، وكن مرنًا أثناء التنفيذ؛ فقد تجد فرصًا لم تخطر ببالك أثناء التخطيط، فاستثمرها ولا تخشَ من أن جدولك لم ينفذ بشكل كامل.
* حاول أن تستمتع بكل عمل تقوم به.
* تفاءل وكن مبادرًا.
رابعاً: مهارات التعلم والتفكير:
بالإضافة إلى الاهتمام بتنمية الإنسان: جسدًا وروحًا وقلبًا، تسعى التربية أيضًا إلى ترقية عقله عن طريق إكسابه المعلومات والخبرات والمهارات اللازمة للتفاعل مع الكون المحيط. وحين استخلف الله الإنسان في الأرض، فقد سخر كل ما في الكون لخدمته، وزوده بأدوات العلم والتعلم، وأرسل إليه الرسل ليبين له طريق الهداية من الضلال، وأنزل مع الرسل الكتب التي تعلمه عالم الغيب الذي لا يستطيع إدراكه بعقله، وتوضح له عالم الشهادة من خلال إعمال العقل بالاعتبار والتأمل والتفكير، لذا، فإن العالم الداعية المربي في أمس الحاجة إلى تطوير مهارات التعلم والتفكير في ذاته حتى يستطيع القيام بما استخلفه الله فيه.
وفيما يلي بعض القواعد والمهارات الأساس الخاصة بالتعلم والتفكير -في جوانبها الثلاثة (معرفية، أدائية مهارية، وجدانية) - والتي يتوقف نجاح المربي على توافرها لديه:
1) قواعد التعلم والتفكير:
1) تقديم النص على العقل؛ وقد أوضح القرآن الكريم أن سبب طرد إبليس من رحمة الله أنه قدم العقل على الوحي عندما قال: ﭽ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﭼ [الأعراف: ١٢].
2) فهم القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة بفهم السلف الصالح.
3) التكامل بين الوحي والعقل، وعدم ضرب أحدهما بالآخر؛ فحين انفصل العقل عن الوحي جنح العقل إلى الاستبصار بالسحر، وقراءة الكف، والتنجيم، والطالع، وضرب الحصى، واللجوء إلى السحرة والعرافين والمشعوذين والدجالين، وعاد العقل إلى الفلسفة العقيمة، وانحط إلى الأساطير، وحين طرح العقل منفصلاً عن الوحي كانت الحلول والتنبؤات لمشكلات العصر ذات نتائج خاطئة وآثار مدمرة، وتداعت مساوئ العلم المجرد من الإيمان، فشقي الإنسان بالعلم وانتهت الحضارة إلى السقوط.
4) النهي عن اتباع الظن الكاذب المذموم الذي لا أمارة عليه؛ قال تعالى: ﭽ وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ﭼ [النجم: ٢٨].
5) البعد عن كل ما يفسد العقل إفسادًا ماديًا (كالمسكرات)، أو إفسادًا معنويًا (كالتعصب الأعمى والتقليد البليد واتباع الهوى).
6) الابتعاد عن الكبر (إعجاب المرء بنفسه واستكباره)، وبطر الحق (عدم قبوله)؛ قال تعالى: ﭽ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴿ ٧ ﴾ يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا ۖ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿ ٨ ﴾ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﭼ [الجاثية: ٧-٩].
2) مهارات التعلم والتفكير:
1. مهارة القدرة على التفكير والعمل المستقل.
2. مهارة القراءة الذاتية المعتمدة على الاستيعاب.
3. مهارة القراءة الصامتة السريعة.
4. مهارة استخلاص المعنى من المقروء، واستنباط أهم الأفكار وتلخيصها.
5. مهارة فهم المعلومات.
6. مهارة القدرة على اتخاذ القرارات المتعلقة بالعمل.
7. مهارة تحصيل المعرفة من مصادرها المختلفة.
8. مهارة التفاعل مع المعلومات المحصلة والمجموعة.
9. مهارة الملاحظة وتسجيلها.
10. مهارة الاقتباس.
11. مهارة الشرح.
12. مهارة الاختصار.
13. مهارة استخلاص النتائج.
14. مهارة تحقيق الذات والثقة بالنفس.
15. مهارة ممارسة التقويم الذاتي.
16. مهارة تحديد المشكلات والصعوبات في المواقف التربوية.
17. مهارة البحث عن إجابات للأسئلة دون مساعدة.
18. مهارة التخطيط للعمل.
19. مهارة مشاركة المعلومات.
20. مهارة التعامل مع الآخرين.
21. مهارة التوافق مع المواقف الجديدة.
22. مهارة تقبل أفكار الآخرين.
23. مهارة تأكيد الذات مع المجموعة.
24. مهارة التعلم من خلال الإنصات أو الإصغاء.
وفيما يلي تفصيل لبعض هذه المهارات:
لا ينبغي أن يقف المربي عند مجرد الوصف؛ بل يجب أن يتعدى ذلك إلى التفسير، فإذا كان الوصف يجيب عن سؤال: ماذا هناك؟ فإن التفسير يجيب عن سؤال: كيف يحدث؟ أو: لماذا يحدث على هذا النحو؟ أي أن مهارة التفسير تتخطى مجرد وصف لظاهرة ما إلى البحث عن الأسباب التي تؤدي إلي وقوعها؛ فهي تمثل مسعى عقليًا نحو فهم الظاهرة، ويحصل ذلك من خلال ربط الحقائق والمعلومات وتنظيمها، ثم محاولة فرض تنظيم عقلي لها يفسر العلاقات بينها، هذا التنظيم العقلي الذي يحصل خلال التفسير يرتقي ويحول الملحوظات والبيانات المفككة إلى صور عقلية تسمى التعميمات. وبهذا، فإن التفسير يشير إلى مضمونين: الأول: يتمثل في قدرة الفرد على استخدام معرفته السابقة لإضفاء معنى أو مغزى على تلك المعرفة، الثاني: يتمثل في قدرة الفرد على التعليل؛ مثل التوصل إلى أسباب وقوع الأحداث والظواهر. وعليه ينبغي أن يقوم الداعية المربي بما يلي:
أ- معرفة ما يتضمنه الموضوع من معلومات وأفكار.
ب- الربط بين علاقات المعلومات والأفكار بعضها ببعض.
ج- شرح هذه العلاقات في شكل ذي معنى يفسر الموضوع ويدلل على الفهم.
2- مهارة الاستنتاج:
الاستنتاج هو عملية تفكير منطقية تعني التحرك من المبادئ العامة (المقدمات) إلى الحالات الخاصة (النتائج)، فالاستنتاج مهارة عقلية يستخدم المربي فيها مجموعة من المقدمات المعطاة له للتوصل إلى نتيجة منطقية صحيحة.
يطلق الاستدلال على امتدادات الملحوظات وتفسيرها، بمعنى أن الملحوظة الدقيقة تسمح للفرد بجمع ذخيرة كبيرة من البيانات والمعلومات بهدف الوصول إلى حلول تقاربية، والاستدلال نوعان:
أ- استدلال استنباطي: ويقصد به الوصول من العام إلى الخاص أي استخدام الكليات للوصول إلى الجزئيات.
ب- استدلال استقرائي: ويقصد به الوصول من الخاص إلى العام في صورة اكتشاف القاعدة أو المبدأ في مادة معينة.