[سمات المتحدث الجيد]
ومنها:
• الموضوعية: وتعني قدرة المتحدث على السلوك والتصرف وإصدار أحكام غير متحيزة لعنصر أو رأي، والعدالة في الحكم على الأشياء، والتحدث بلسان المصلحة العامة وليس المصالح الخاصة.
• الصدق: ويعني أن يعكس الحديث حقيقة مشاعر المتحدث وأفكاره وآرائه، كما يعني أن تتطابق أحوال المتحدث مع أفعاله وتصرفاته.
• الوضوح: ويعني القدرة على التعبير عن الأفكار بوضوح، من خلال: اللغة السهلة، والمادة المنظمة والمتسلسلة منطقيًا.
• الدقة: وتعني التأكد من أن الكلمات التي يستخدمها المتحدث تؤدي المعنى الذي يقصده بعناية.
• الاتزان الانفعالي: ويقصد به أن يظهر المتحدث انفعاله بالقدر الذي يتناسب مع الموقف، وأن يكون متحكمًا في انفعالاته.
• التحكم في المظهر: ويعنى أن يعكس مظهر المتحدث مدى رؤيته لنفسه، كما يحدد الطريقة التي ينظر بها الآخرون إليه ويبنون بها أحكامهم عنه، ويضم: المظهر العام، النظافة والأناقة الشخصية، والملبس والمظهر المناسب للحالة، وكذلك الصحة النفسية والبدنية.
• التحكم في النظرات: توزيعها بصورة عادلة ومنتظمة.
• التحكم في لغة الجسد: القدرة على التعبير الحركي.
ومنها:
• نطق اللغة بطريقة صحيحة.
• وضوح الصوت.
• مراعاة السرعة في الحديث.
• مراعاة فواصل الكلمات ومواقع التوقف.
• استخدام نغمة سهلة مناسبة لموضوع الحديث، وبإيقاع سهل وغير رسمي.
ومنها:
• القدرة على التحليل والابتكار.
• القدرة على العرض والتعبير.
• القدرة على الضبط الانفعالي.
• القدرة على تقبل النقد.
• استخدام النماذج والأمثلة.
• القدرة على الإجابة عن الأسئلة حول الموضوع.
وبالإضافة إلى هذه السمات، فثمة قواعد وخطوات ينبغي مراعاتها حتى يؤتي الحديث والإلقاء ثماره، وهي:
4) قواعد ينبغي مراعاتها قبل الإعداد للحديث:
ومنها:
• معرفة صفات المستمعين: متوسط أعمارهم، ومستوى تعليمهم، واتجاهاتهم نحو موضوع الحديث، وحجم هذا الجمهور، فبمعرفة أعمار الجمهور يستطيع المتحدث مخاطبة الناس على قدر عقولهم؛ لأن التحدث للأطفال يختلف عن الشباب أو المسنين، وهكذا.
• تحديد هدف الحديث وظروفه: (الموعد، المكان، الموضوع).
• جمع المعلومات المناسبة للموضوع، وتنظيم محتوى الحديث في: مقدمة، ومتن، وخاتمة؛ فالمقدمة ينبغي أن تكون جذابة تُفتتح بعبارات مؤثرة أو ما شابهها، أما متن الحديث -وهو صلبه- فيُقدم فيه النقاط الرئيسة، المدعَّمة بالشواهد والتفاصيل، والمرتبة حسب الأهمية، أما خاتمة الحديث وخلاصته، فقد يفيد فيها التذكير بأهم النقاط، مع الاستشهاد بالاقتباسات المهمة، أو بأقوال شخصيات مؤثرة.
• تحديد طريقة إلقاء الحديث: ومن الطرق:
* القراءة: ومن مساوئها الرتابة التي تفقد الاهتمام بالحاضرين، وتفقد الاهتمام منهم.
* الاستظهار: أي حفظ الحديث، ومن مساوئها أنها تُنسي المتحدث نقاطًا قد تكون مهمة، كما تصرف اهتمامه عن معايشة كلامه والحماس له إلى محاولة التذكر.
* الارتجال: ومن عيوبه إهمال بعض النقاط، وضعف السيطرة على زمام الحديث بالتشعب.
* الارتجال المعزّز: وهي صورة وسط بين قراءة حديث مكتوب والارتجال المطلق؛ إذ أنه لا يُكتب كاملاً، وإنما تكتب نقاطه الرئيسة، والكلمات أو الجمل المفتاحية التي يبدأ بها في كل نقطة.
5) قواعد ينبغي مراعاتها في أثناء الحديث:
ومنها:
• الوقوف في مكان ومساحة مناسبين أمام الحضور.
• استخدام لغة الإشارة التي تتناسب مع الحاضرين، ومع موضوع المحاضرة.
• الاهتمام بجميع الحاضرين، وتوزيع النظرات عليهم باعتدال.
• الحرص على جذب انتباه الآخرين.
• التأكد من فهم الحاضرين ومشاركتهم لما تقول.
• قيادة اللقاء.
• استخدام الدعابة والمرح، مع مراعاة عدم الدخول في حدود السخرية.
ثانياً: مهارة الحوار:
أكّد القرآن الكريم على الحوار في العديد من الآيات الكريمة؛ قال تعالى: ﭽ ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﭼ [النحل: ١٢٥]. والمتأمل لكتاب الله عز وجل يجد أن كلمة الحوار وردت ثلاث مرات، ووردت قصص الحوار أكثر من 500 مرة، وهذا يدل على مكانة الحوار، وكونه وسيلة من أعظم وسائل الدعوة إلى الله عز وجل، وقد حفلت سيرة النبي ﷺ بحوارات كثيرة مع كافة الناس حتى الكفار -بكافة أصنافهم- بغية إيضاح الحق لهم واجتذابهم إلى معسكر الإيمان، أو تحييدهم في بعض الأحيان، حتى يكف بأسهم عن المسلمين، ألم تر إليه ﷺ حين أمهل عتبة بن ربيعة -وهو المشرك الكافر- حتى انتهى! ثم خاطبه بألطف عبارة، فقال: « أفرغت يا أبا الوليد؟ » [1].
ولعظم مكانة أسلوب الحوار في الدعوة والتربية نفرد له العناصر الآتية:
1) مفهوم الحوار، وما يرتبط به من مفاهيم أخرى:
الحوار والمحاورة مصدر حاور يحاور، ومعناه لغة: الجواب والمجادلة، وأصله من الرجوع؛ كأن الحديث يذهب ويرجع بين المتحاورين، قال ابن منظور: (وهم يتحاورون؛ أي: يتراجعون الكلام، والمحاورة مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة)[2].
والحوار كلمة تستوعب كل أنواع التخاطب وأساليبه، سواء كانت منبعثة من خلاف بين المتحاورين أو عن غير خلاف؛ لأن الحوار لا يكون إلا بين أطراف متكافئة تجمعها رغبة مشتركة في التفاهم والمجاوبة والمراجعة في المسألة موضوع التخاطب، وبعبارة أخرى: فإن الحوار أعم من الاختلاف والجدل وغيرهما.
وإذا كانت مادة الحوار وردت في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع: (سورة الكهف: 34، 37)، (المجادلة: 1)، فقد ورد لفظ الجدل ومشتقاته في القرآن الكريم في تسعة وعشرين موضعًا. والجدل هو: عنف الخصومة في المناقشة، وأكثر استعماله في صراع الآراء والأفكار؛ حيث يحاول كل مجادل أن يحكِّم رأيه ويناضل عنه صلابة. وقد ورد الجدل والمجادلة في القرآن الكريم بمعان عديدة، منها: المخاصمة (كما في سورة الكهف: 54)، المحاجة أو المدافعة عن النفس بدفع التهم الموجهة إليها (كما في سورة النحل: 111)، المراجعة (كما في سورة المجادلة: 1).
أما لفظ الاختلاف ومشتقاته فقد ورد في القرآن الكريم تسعًا وثلاثين مرة، والاختلاف بين البشر حقيقة فطرية، وقضية واقعية، وآلية تعامل الإنسان معها تكون بالحوار الذي يكشف عن مواطن الاتفاق ومثارات الاختلاف؛ لتكون محل النقاش والجدل بالتي هي أحسن لمعرفة ما هو أقوم للجميع.
وقد أكَّدَ القرآن هذا المبدأ بطرق عديدة؛ فعرض القرآن لحوار الله عز وجل مع خلقه بواسطة الرسل، وكذا مع الملائكة ومع إبليس، كما أنَّ دعوات الرسل كلها كانت محكومة بالحوار مع قومهم، بل إن القرآن شجب موقف رفض الحوار والإصرار على عدم ممارسته: ﭽ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴿ ٧ ﴾ يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا ۖ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿ ٨ ﴾ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﭼ [الجاثية: ٧-٩].
فالاختلاف لا يحمل معنى المنازعة، وإنما المراد منه: أن تختلف الوسيلة مع كون الهدف واحدًا، وهو مغاير للخلاف الذي ينطوي على معنى الشقاق والتباين في الرأي دون دليل، ومن الفروق بين الاختلاف والخلاف:
* الاختلاف هو أن يكون الطريق مختلفًا، والمقصود واحدًا، والخلاف هو أن يكون كلاهما -أي الطريق والمقصود- مختلفين.
* والاختلاف: ما يستند إلى دليل، والخلاف: ما لا يستند إلى دليل.
* والاختلاف من السعة وآثار الرحمة، والخلاف: شر ومن آثار النقمة.
2) الحوار والمتحاورون: الأنواع والأنماط:
وله ثلاثة مستويات:
المستوى الأول: الحوار مع النفس ومحاسبتها وحملها على الجادة وطلب الحق؛ ويكون هذا في شكل حوار داخلي مستمر بين النفس الأمارة بالسوء والنفس اللوامة، حتى يصل الإنسان إلى النفس المطمئنة الراضية المرضية.
المستوى الثاني: الحوار بين أفراد المجتمع الإسلامي وفق اجتهاداتهم المختلفة.
المستوى الثالث: الحوار بين المسلمين وغير المسلمين الذين يشتركون معًا في إعمار الكون، وهو حوار يجرى وفق مبدأ المدافعة الذي يمنع الفساد وينمِّى عوامل الخير.
والبعض يرى تقسيما آخر للحوار البناء؛ ومن أمثلة ذلك:
1 - الحوار بين المسلمين المختلفين في الشؤون الشخصية.
2 - الحوار بين المختلفين في القضايا الاجتماعية.
3 - الحوار بين الفقهاء.
4 - الحوار العقَدي.
5 - الحوار بين الأديان.
6 - الحوار بين الحضارات.
ومن ألوانه السائدة والمنتشرة:
وفيه لا يرى أحد طرفي الحوار أو كليهما إلا المساوئ والأخطاء والعقبات، وهكذا ينتهي الحوار إلى عدم الفائدة، ويترك هذا النوع من الحوار قدرًا كبيرًا من الإحباط لدى أحد الطرفين أو كليهما؛ حيث يسد الطريق أمام كل محاولة للنهوض.
(الكر والفر)
ينشغل الطرفان أو أحدهما بالتفوق اللفظي في المناقشة؛ بصرف النظر عن الثمرة الحقيقية والنهائية لتلك المناقشة، وهو نوع من إثبات الذات بشكل سطحي.
وهنا يعطى ظاهر الكلام معنى غير ما يعطيه باطنه؛ لكثرة ما يحتويه من التورية والألفاظ المبهمة، وهو يهدف إلى إرباك الطرف الآخر، ودلالاته أنه نوع من العدوان الخبيث.
(اسمع واستجب)
نجد هذا النوع من الحوار سائدًا على كثير من المستويات؛ فهناك الأب المتسلط، والأم المتسلطة، والمدرس المتسلط، والمسؤول المتسلط؛ وهو نوع شديد من العدوان؛ حيث يلغي أحد الأطراف كيان الطرف الآخر، ويعتبره أدنى من أن يُحاوَر، بل عليه فقط السماع للأوامر الفوقية، والاستجابة دون مناقشة أو تضجر، وهذا النوع من الحوار فضلاً عن أنه إلغاء لكيان طرف وحريته لحساب الطرف آخر، فهو يلغي ويحبط القدرات الإبداعية للطرف المقهور؛ فيؤثر سوءًا على الطرفين، وعلى الأمة بأكملها.
(لا تقترب من الأعماق فتغرق)
حين يصبح التحاور حول الأمور الجوهرية محظورًا، أو محاطًا بالمخاطر، يلجأ أحد الطرفين أو كلاهما إلى تسطيح الحوار طلبًا للسلامة، أو كنوع من الهروب من الرؤية الأعمق بما تحمله من دواعي القلق النفسي أو الاجتماعي.
(لا داعي للحوار فلن نتفق)
يعلن الطرفان، أو أحدهما، منذ البداية تمسكهما، أو تمسكه، بثوابت متضادة تغلق الطريق منذ البداية أمام الحوار؛ وهو نوع من التعصب الفكري المذموم، وانحسار مجال الرؤية.
7. الحوار الإلغائي أو التسفيهي:
(كل ما عداي خطأ)
يصر أحد طرفي الحوار على ألا يرى شيئًا غير رأيه، وهو لا يكتفي بهذا بل يتنكر لأي رؤية أخرى ويسفهها ويلغيها، وهذا النوع يجمع كل سيئات الحوار السلطوي وحوار الطريق المسدود.
ويقع فيه بعض المثقفين حين تدور مناقشتهم حول قضايا فلسفية، أو شبه فلسفية، مقطوعة الصلة بواقع الحياة اليومي وواقع مجتمعاتهم، وغالبًا ما يكون ذلك الحوار نوعًا من الحذلقة وإبراز التميز على العامة دون محاولة لإصلاح الواقع.
(معك على طول الخط)
وفيه يلغي أحد الأطراف حقه في التحاور لحساب الطرف الآخر؛ إما استخفافًا، أو خوفًا أو تبعية حقيقية؛ طلبا لإلقاء المسؤولية كاملة على الآخر.
(خالف تُعْرف)
حين يتجه أحد طرفي الحوار يمينًا ويحاول الطرف الآخر الاتجاه يسارًا، والعكس بالعكس؛ وهو رغبة في إثبات الذات بالتميز والاختلاف، ولو كان ذلك على حساب جوهر الحقيقة.
(صمت العناد والتجاهل)
يلجأ أحد الأطراف إلى الصمت عنادًا وتجاهلاً، ورغبة في مكايدة الطرف الآخر بالصمت دون التعرض لخطر المواجهة.
يبدو مما سبق أن كل أنماط الحوار السيِّء تعد سلوكيات خاطئة في الحوار ينبغي تجنبها.
وفيما يلي أمثلة أخرى على السلوكيات الخاطئة في الحوار:
• الحوار حول موضوع لا يعلمه جميع الأطراف، أو لا يعلمه أحدهم، أو لا يتخصص فيه.
• عدم وجود مبادئ متفق عليها مسبقًا، أو فرضيات مسلمة يرجع إليها المتحاورون.
• التحايل على الطرف الآخر، أو مماطلته، أو جداله العقيم، ويعد ذلك من قبيل:
* إبهام العبارة حتى لا يفهمها الطرف الآخر.
* الاحتيال عليه حتى يخرجه عن محل تساؤله.
* توجيه كلام السائل إلى وجوه محتملة.
• الحقد، والحسد، والبغي، والعدوان، وحب الانتصار والسيطرة والشهرة، والاستكبار عن الحق، والرياء، وغير ذلك من أمراض القلوب التي تصيب أحد أطراف الحوار.
• اللجوء إلى جو التهويل، أو ما يسمى بتأثير العقل الجمعي؛ فيفقد الحوار جوه المطلوب، ولن يوجد فيه معنى للاستدلال المنطقي الهادئ الحكيم.
• أن يكون الحوار فيما ليس له أثر عملي أو فكري؛ فلا معنى للحوار حول افتراضات تجانب الواقع.