حجم الخط:

محتوى الدرس (26)

المبحث الثالث: مهارات التعامل مع الآخرين

[مقدمة]

تختلف الدوافع باختلاف عقائد الناس ونظرتهم للحياة؛ فدوافع المسلم مختلفة -بلا شك- عن غير المسلم الذي قد يكون دافعه المصلحة الشخصية التي يحتاجها، أو الخوف من المضرة أو العقاب، أما المسلم فتحركه دوافع أخرى؛ مثل:

تحقيق الخيرية في نفسه؛ بأن يكون من خير الناس أو خيرهم؛ باتباعه أحسن الأخلاق انطلاقًا من قول الرسول : «خير الناس أحسنهم خلقًا»[1].

ثم تتجسد هذه الأخلاق في المعاملة الحسنة مع الآخر التي أمر الله عز وجل بها في قوله: ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [النحل: ١٢٥].

لكن التدريب على التعامل مع الآخرين معاملة حسنة يحتاج إلى مدة من الزمن حتى يتخلص المرء من طبع سيء يكرهه الناس، أو يكتسب طبعًا طيبًا يحبه الناس.

وفيما يلي الإشارة إلى بعض القضايا التي توضح مهارات التعامل مع الآخرين:

1) الشخصية: السمات والأنماط:

[مفهوم الشخصية]

يقصد بالسمات الشخصية: الخصائص والصفات السلوكية شبه الدائمة التي تميز الفرد، والتي تكونت لديه نتيجة عمليتي التنشئة والتفاعل الاجتماعي والثقافي. وهذا المعنى امتداد لمفهوم الشخصية والذي يعبر عن: التنظيم المتفاعل المتكامل لخصائص الفرد: النفسية، والعقلية، والخلقية، والاجتماعية، التي تحدد سلوكه وفكره المميزين عندما يعبر عن نفسه أمام الآخرين في مظاهر الأخذ والعطاء في الحياة الاجتماعية.

وعلى الداعية أن يعلم أن المدعوين أصناف وأقسام: فمنهم الملحد، ومنهم المشرك الوثني، ومنهم اليهودي، ومنهم النصراني، ومنهم المنافق، ومنهم المسلم الذي يحتاج إلى التربية والتعليم، ومنهم المسلم العاصي، ثم هم أيضًا يختلفون في قدراتهم العقلية والعلمية والصحية، ومراكزهم الاجتماعية؛ فهذا مثقف، وهذا أميٌّ، وهذا رئيس، وهذا مرؤوس، وهذا غني، وهذا فقير، وهذا صحيح، وهذا مريض، وهذا عربي، وهذا أعجمي.

أما شخصيات الناس فتتعدد أنماطها، وسمات كل نمط، بين الآتي:

1) نمط الشخصية الانبساطية:

(اجتماعي ويتفاعل جيدًا مع العالم الخارجي) وسماته:

يحب العمل.

جيد في الترحيب بالناس.

يحب الأعمال البطيئة والطويلة.

يهتم بكيفية أداء الآخرين لأعمالهم.

يتحدث كثيرًا.

يحبذ وجود الناس بقربه في بيئة العمل.

يفضل الاتصال اللفظي على الكتابة.

يحب مناقشة الآخرين.

2) نمط الشخصية الانطوائية:

(يحب أن يكون بمفرده) وسماته:

يحب الهدوء للتركيز.

يجد مشكلة في تذكر الأسماء والوجوه.

يستطيع العمل لمدة طويلة بلا انقطاع.

يكره المقاطعات في الحديث.

يعمل بمفرده ويستمتع بذلك.

يفضل الاتصال بالكتابة أو القراءة أكثر من التحدث أو التجربة.

3) نمط الشخصية الحدسية:

(يعتمد على التوقع) وسماته:

يدرك التحديات والإمكانات الجديدة.

يركز على كيفية تطوير الأشياء.

يكره تكرار الشيء.

يحب تعلم مهارات جديدة.

يعمل بطاقة هائلة وبحماس.

يقفز إلى الخاتمة بسرعة.

يكره ضياع الوقت في الأمور الدقيقة.

يُهوِّل ويصعب ويعقد المهام التافهة.

4) نمط الشخصية الحسية:

(يعتمد على حواسه) وسماته:

يركز على العمل الحالي.

يحب تطبيق ما يتعلمه.

يصل إلى الحقيقة خطوة بخطوة.

يحرص على معرفة الحقائق.

يجيد الأعمال الدقيقة.

يسهل ويبسط الأعمال الشاقة.

يقبل الاستثناءات ويتعامل معها.

5) نمط الشخصية الشعورية:

(يعتمد على مشاعره في الصواب والخطأ) وسماته:

يحب الانسجام والتآلف ويعمل من أجله.

يستجيب لقيم الناس وأفكارهم.

يحتاج للثناء والتقدير.

يكره أخبار الناس السيئة.

يستمتع بالتعامل مع الناس المسرورين.

يهتم بالناس المفكرين والعمليين.

يميل إلى أن يكون عاطفيًا.

6) نمط الشخصية المفكرة:

(يعتمد على النظرة المجردة) وسماته:

يضع الأشياء في وضعها المنطقي.

يستجيب لأفكار الناس أكثر من مشاعرهم وعواطفهم.

يتوقع النتائج المنطقية لاختياراته.

يحب التعامل بعدل وموضوعية.

يؤنب الناس ويتشاجر معهم عند الضرورة.

يجرح مشاعر الناس بدون وعي.

لديه القدرة على تحليل المشكلة.

7) نمط الشخصية الملاحظة:

(يحب الحياة تسير بتلقائية) وسماته:

لا يمانع في ترك الأمور مفتوحة للتغيرات الحالية.

يتأقلم جيدًا مع الأحوال المتغيرة.

لديه مشكلة في صنع القرار.

يبدأ خططًا متعددة معًا، ولديه صعوبة في إنهائها.

يؤجل الأعمال الشاقة.

يريد معرفة كل شيء عن العمل الجديد.

8) نمط الشخصية الحاكمة:

(ينظم حياته بناءً على خطة معينة) وسماته:

يخطط للعمل بجد.

يحب الحصول على الأشياء الجاهزة.

يقرر الشيء بسرعة.

يكره أن تقطع خططه أو مشاريعه بأمور أخرى.

يحب الحكم على الأوضاع أو الأشخاص.

يريد الأساسات فقط لبدء العمل.

يستخدم قوائم لجدولة العمل.

[تعقيب]

وبعد معرفة أصناف الناس، وسمات شخصياتهم وأنماطها، ينبغي للداعية أن يكون كالطبيب الحاذق الذي يشخص المرض، ويعرف الداء ويحدده، ثم يعطي الدواء المناسب على حسب حال المريض وضعفه، وتحمله للعلاج، وقد يحتاج المريض إلى عملية جراحية فيشق بطنه، أو يقطع شيئًا من أعضائه من أجل استئصال المرض طلبًا لصحة المريض. ومن ثم، فإنه يجب على الداعية المربي الحاذق الماهر أن يخاطب كل صنف أو نوع بالخطاب الذي يفهمه ويناسبه.

2) قواعد التعامل مع الآخرين:

1) عدم النصيحة في العلن:

قال الشافعي رحمه الله:

تعمدني بنصحِك في انفرادٍ

فإن النصح بين الناس نوع

فإن خالفتني وعصيت قولي

وجنبني النصيحة في الجماعة

من التوبيخ لا أرضى استماعه

فلا تجزع إذا لم تُعط طاعة

2) البعد عن الأمر بالأسلوب المباشر:

فالناس -كل الناس- لا يحبون أن تقال لهم الأوامر مباشرة: افعل كذا، لا تفعل كذا؛ حيث إن طبيعتهم تأبى ذلك. وقد كان دأب النبي تشويق الناس لما سوف يأمرهم به، ومن ذلك لما قال في غزوة خيبر: «لأعطين الراية غدا رجلا يفتح على يديه، يحبُّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله»[2]. فصار كل فرد يتمنى أن يكون ذلك الرجل.

وقارن بين رجل يقول لزوجته عند قدوم ضيوف: اطبخي كذا، وآخر يقول: إن ضيوفًا سوف يأتون إلينا، ونريد أن تبيضوا وجوهنا، ولا تنسوا أن قضية الطعام هي انعكاس لأهل البيت، فتشعر الزوجة عندئذ أن المسألة قضية شخصية، وأن إتقان العمل انعكاس لوضعها في البيت، فيكون ذلك أدعى إلى الإتقان والنشاط في العمل.

3) عدم التركيز على المساوئ دون الحسنات:

لا يَسْلَم أحدٌ من العيوب؛ فلا توجد زوجة بلا عيوب، ولا صديق بلا عيوب، ولا رئيس ولا مرؤوس بلا عيوب؛ يقول سعيد بن المسيب: «ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا فيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه؛ من كان فضلُه أكثر من نقصِهِ وُهِبَ نقصُه لفضلِهِ» [3]؛ قال الشاعر:

لا يزهدنك في أخ

ما من أخ لك لا يعيب

لك أن تراه زلَّ زلَّة

ولو حرصت الحرص كُلَّه

4) عدم تذكير الناس بزلاتهم:

الناس يبغضون من لا ينسى زلاتهم ولا يزال يذكِّر بها ويمُّن على من عفا عنه، والله يمدح العافين عن الناس: وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ [آل عمران: ١٣٤].

5) عدم التعامل مع الناس باستعلاء:

الناس يكرهون من يعاملهم باحتقار واستعلاء، مهما كان هذا الإنسان، حتى لو كان من كان -داعية، عالمًا، معلمًا- لأنهم لا يحبون من ينظر إليهم نظرة استعلاء؛ قال هارون بن عبدالله الحمال: (جاءني أحمد بن حنبل بالليل، فدَّق علىَّ الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أنا أحمد (ولم يقل الشيخ أحمد). فبادرت أن خرجت إليه فمسَّاني ومسَّيته. قلت: حاجة يا أبا عبد الله؟ قال: نعم، شغلت اليوم قلبي. فقلت بماذا يا أبا عبدالله؟ قال: جزتُ عليك اليوم وأنت قاعدٌ تحدث الناس في الفيء (الظل) والناس في الشمس بأيديهم الأقلام والدفاتر. لا تفعل مرة أخرى؛ إذا قعدت فاقعد مع الناس)[4].

6) عدم التسرع في التوبيخ والتأنيب:

الناس يكرهون من يؤنب ويوبخ في غير محل التأنيب، ومن غير تأنٍ، ودون السؤال والاستفسار؛ حيث يظن البعض أن الصواب في أن يقابل من يعتبره مقصرًا باللوم الشديد بقوله: لماذا لا نراك؟ طالت المدة! سنتان لا نراك! وينسى أنه مساوٍ له في الفعل، وأن اللوم يمكن أن يُوجه إليه أيضًا.

7) عدم الافتخار بالنفس:

الناس يكرهون دائمًا من ينسب الفضل والنجاح لنفسه، وإذا حدث إخفاق أو خطأ ألقى بالتبعة على الآخرين، والذي يفعل ذلك يكون منبوذًا؛ سواء كان زوجًا أو رئيسًا أو صديقًا.

8) إظهار الاهتمام بالناس:

الناس يحبون من يهتم بهم، ويعرف ما يشغلهم وما اهتماماتهم واحتياجاتهم، وإظهار الاهتمام بأحوال الناس هو أسهل طريق لكسب ودهم ومحبتهم.

9) حسن الإنصات إلى حديث الآخرين:

الناس يحبون من يستمع إلى حديثهم لا أن يحدثهم عن نفسه، بل يستمع إليهم ويشجعهم على أن يحدثوه عن أنفسهم، وهذا ما يطلق عليه: المتحدث اللبق، وقديمًا قالوا: إنك إن أردت أن تكون متحدثًا لبقًا فكن مستمعًا لبقًا.

10) البعد عن الجدل:

حيث يقول النبي : «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه»[5].

11) تقدير الناس واحترامهم:

الإنسان بطبعه يحب من يحبه ويحترمه ويقدره، فإن لم ير تقديرًا ولا احترامًا فلا يقدر ولا يحترم بغض النظر عن المستويات؛ فالصغير يقدر الكبير إذا قدره الكبير.

12) الشكر والتشجيع:

الناس يحبون التشجيع، ويحبون من يشكرهم، والدعاء بالخير نوع من المدح والثناء، بل هو أبلغ الثناء؛ كما قال : «من صُنِع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا فقد أبلغ في الثناء»[6].

وينبغي ملاحظة الفرق بين الشكر والمدح الذي ذمه الشرع؛ كمدح من يخشى عليه الفتنة بتطرق الكبر والرياء إلى قلبه، أو ترك العمل اتكالاً على ما مُدح به، ومنه حديث: سمع النبي رجلاً يثني على رجل ويطريه في المدحة فقال: «أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل»[7]. ومن المدح المذموم أيضًا: مدح الشخص بأشياء لا يطلع عليها إلا الله من: صدق الإيمان، والتقوى والخشية، ونحو ذلك مما يتعلق بالقلوب ولا يطلع عليه إلا علاَّم الغيوب؛ ومنه قوله : «إن كان أحدكم مادحًا لا محالة فليقل: أحسب كذا وكذا، إن كان يرى أنه كذلك، وحسبه الله، ولا يُزكِّي على الله أحدًا»[8].

13) تصحيح الأخطاء دون جرح المشاعر:

الناس يحبون من يصحح الخطأ دون أن يجرح المشاعر؛ كأن تقول: أنا أوافق المتحدث في كذا وكذا، ولكن النقطة الأخيرة لي عليها ملحوظات، فيبدأ بالحسنات، ثم يصحح، فيكون ذلك أدعى أن يتقبل المتحدث الملحوظات دون الدخول في جدل لا طائل من ورائه.

14) دعاء الناس بأحب أسمائهم:

الناس يحبون أن يُنادوا بأحب الأسماء إليهم؛ يا أحمد يا صالح، يا أبا فلان. وكان الرسول ينادي أصحابه بأحب الأسماء إليهم، حتى الأطفال الصغار كان يكنيهم أحيانًا، يقول : «يا أبا عُمَيْرٍ ما فعل النُّغَيْرُ؟»[9]. وأبو عمير هذا طفل صغير. فحِفْظُ أسماء الناس ومناداتهم بأحب أسمائهم له أثر كبير عليهم.

والمهم في كل ذلك أن يتدرب المربي على هذه القضايا تدريبًا عمليًا جادًا لكي يمارسها، وتتحول عنده إلى مهارات اجتماعية عملية.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة