المبحث الرابع: التربية على القيم والأخلاق ومهارات تعديل السلوك
القيمة واحدة القيم، وهي تتضمن معاني كثيرة مثل: القوة، والصحة الجيدة، والمقاومة والصلابة، والثبات على الشيء، والاستقامة والصلاح، والاعتدال والاستواء، والثمن والقدر والمنزلة، والسياسة والرعاية، كما تستخدم القيمة للدلالة على: المعايير والأحكام التي يصدرها الإنسان على شيء ما مهتديًا بمجموعة من المبادئ والتوجهات العقدية والأخلاقية التي ترتضيها الجماعة، والتي تحدد المرغوب فيه والمرغوب عنه من السلوك، بشرط أن تنال هذه الأحكام قبولاً من المجتمع، فتتجسد في سلوكيات الفرد واتجاهاته واهتماماته. ومن ثم، فالقيم: معايير تحدد ما ينبغي أن يكون، وأنها تكتسب نتيجة مرور الفرد بخبرة، أو احتكاكه بمواقف ومثيرات خلال عملية التنشئة الاجتماعية.
وللقيم عامة، وفي الإسلام خاصة، مكونات وعناصر، هي:
• المعرفة: وتتمثل في إدراك الفرد للمفاهيم والأفكار والمبادئ والمعتقدات الدينية.
• الوجدان: ويتمثل في القبول الانفعالي للقيمة.
• النزوع: ويتمثل في الرغبة في تحقيق قيمة ما.
• السلوك أو العمل: وهو الثمرة الطبعية للإيمان والحركة الذاتية التي تبدأ في تلك اللحظة التي تستقر فيها حقيقة الإيمان في القلب، والترجمة الفعلية أو التطبيق والتجسيد لما آمن به الفرد واعتنقه من مبادئ وقيم.
فالقيم نقطة تلتقي فيها المعرفة مع السلوك، أو العلم مع العمل به؛ انطلاقًا من أن القيم موجهات عامة للسلوك، كما أن العمل بها قائم على رؤية وتفكير وتعقل، فليس هناك علم بلا عمل، ولا عمل دون علم في مجال القيم، بل هناك حياة متكاملة قوامها: المعرفة، والمشاركة في بناء الشخصية، ومن ثم تأخذ القيم طابع التطبيق العملي.
تستمد القيم الدينية أهميتها من الإسلام الذي يختلف عن الشرائع والفلسفات الوضعية التي كانت ولا تزال يعتريها النقص، وتتأثر بالمصالح، وتسيطر عليها الأهواء، ومن ثم كانت علاجاتها ناقصة، وهذا ما جعل العلماء والمفكرين يفرقون بين القيم الدينية وسائر القيم في المكانة والمرتبة؛ حيث تحتل القيم الدينية المرتبة العليا في المكانة لأهميتها؛ ويمكن توضيح ذلك فيما يأتي:
أنها تقدم للفرد والمجتمع حقائق الحياة:
تقدم القيم الإسلامية للفرد والمجتمع مجموعة من الحقائق المتعلقة بالله والكون والحياة والإنسان؛ فهي توضح للفرد أن الله واحد لا شريك له في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله، متصف بجميع صفات الكمال والجمال، ما شاء كان، ومالم يشأ لم يكن؛ قال تعالى: ﭽ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﭼ [الشورى: ١١].
كما تبين القيم الإسلامية للإنسان أن الكون المشاهد والغيبي -بكل ما فيه من سماء وأرض، وكواكب ونجوم، ونبات وجمادات- هو داخل ضمن مخلوقات الله. وبما أنه كذلك فإنه منقاد ومسلِّم له سبحانه، كما أن الله سبحانه وتعالى سخَّره بكل ما فيه لخدمة الإنسان؛ بما وهبه من بصر وسمع وعقل يساعده على اكتشاف ما في هذا الكون من خيرات وقوى، واستثماره لنفعه.
وجاء تصور القيم الإسلامية للحياة تصورًا فريدًا شاملاً ومميزًا؛ فالحياة وفقاً لهذا التصور ليست تلك المدة المحددة التي تمثل عمر الفرد أو عمر الأمة، إنما تمتد طولاً في الزمان، وعرضًا في الآفاق، وعمقًا في العوالم، وتنوعًا في الحقيقة؛ تمتد في الزمان لتشمل الوقت المشهود: الحياة الدنيا، وتشمل الحياة الآخرة، وتمتد في المكان فتضيف إلى هذه الأرض دارًا أخرى: جنة ونارًا، وتمتد في العوالم فتشمل هذا الوجود المشهود والوجود المغيب الذي لا يعلم حقيقته إلا الله، ومعنى ذلك أنه ليس هناك طريق مستقل للحياة الدنيا وآخر للآخرة، إنما هو طريق واحد تصلح به الدنيا والآخرة، والمنهج الإيماني للحياة لا يجعل الدين بديلاً عن الدنيا، ولا طريق الآخرة غير طرق الدنيا، لكن الأصل أن تلتقي فيه الدنيا مع الآخرة، وأن يكون الطريق إلى صلاح الآخرة هو ذاته الطريق إلى صلاح الدنيا، ومن ثم تجمع القيم الإسلامية بين العمل للدنيا والعمل للآخرة في توافق وتناسق؛ فلا يُفِّوت الإنسان دنياه لينال آخرته؛ ولا يُغْفِل آخرته لينال دنياه؛ فالعمل والإنتاج والتنمية فريضة الاستخلاف في الأرض، والإيمان والتقوى والعبادة والأخلاق تمثل الارتباطات والضوابط والدوافع لتحقيق هذا المنهج في الحياة؛ كما قال الله تبارك وتعالى: ﭽ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﭼ [القصص: ٧٧].
والإنسان في نظر الإسلام أكرمُ الكائنات؛ كرَّمه الله سبحانه وتعالى، وخلقه في أحسن تقويم، وجعله خليفة في الأرض، وعلمه الأسماء كلها، وأمر الملائكة أن تسجد له، ولم يجعل واسطة بينه وبين الإنسان في دعائه ولا في عبادته، وزوَّده بأدوات العلم والتعلم، واختصه بالرعاية والتربية والهداية، وجعله كائنًا مخيرًا بعد ما نفخ فيه من روحه، وجعله مستعدًا لحمل الأمانة الكبرى؛ أمانة التكليف والمسؤولية، وجعل مصيره بيده بعد أن بيَّن له طريق الهداية والرشاد، إلى غير ذلك من مظاهر تكريم الإنسان.
القيم الإسلامية سبيل التقدم الحضاري:
إن أي حضارة لا بد أن تقوم على جانبين هما: الجانب المعنوي (ويتمثل في العقيدة والفكر والمعرفة)، والجانب المادي (الذي يقوم على العمل الجاد الموصل إلى التقدم في شتى المجالات).
لكن بعض أصحاب الفلسفات المادية يرى أن القيم الدينية تعوق التقدم الحضاري للمجتمع؛ من حيث كونها: بناءات فوقية تؤدي بالإنسان إلى الاغتراب وانفصاله عن واقعه. وهذا التصور يصدق على الديانات المحرفة، والمناهج الأرضية، لكن الواقع في الإسلام غير ذلك؛ فالإسلام عقيدة ثابتة راسخة؛ تقوم على العلم اليقيني الثابت؛ عقيدة سلمت من التحريف والتبديل، تدعو إلى النظر والتأمل والتفكير، كما أن الإسلام يدعو إلى العمل، وليس أدل على قيمة العمل في الإسلام من أن القرآن قرن الإيمان بالعمل، وجعل العمل ثمرة الإيمان وبرهانه، فضلاً عن كون العمل تطبيقًا وتجسيدًا لما آمن به المرء واعتنقه من مبادئ. ومن ثم، فالإسلام ليس عقيدة فحسب، بل هو أيضًا دين حضارة قائمة، وحياة كاملة للإنسان، وتفكير صحيح، وعمل صالح لا يقصر نشاطه وسعيه على تحصيل الحياة الدنيا المادية فقط، بل يراعي في عمله أيضًا الهدف الأساس في الحياة والوجود كله: الله والإيمان به.
القيم الإسلامية سبيل الصحة النفسية:
يعمل الإسلام على تكوين نظام ثابت من القيم يعد ركيزة أساسًا يقوم عليها تكيُّف الإنسان، وبقدر ما يستند تفكيره وسلوكه على هذا النظام بقدر ما يكون أقدر على التكيُّف النفسي والفكري السليم، ومما لاشك فيه أن القيم الإسلامية إذا ما رسخت في صورة ضمير حي يهدي الإنسان إلى جادة الطريق، ضمنت ألا تتعدد معاييره، ومن ثم تنتفي الصراعات الداخلية التي قد يعاني منها الفرد، كذلك من شأن القيم الإسلامية أن تقضي على الشعور بالقلق والحيرة والشك والارتياب والاغتراب في الحياة، وتبعث أو تحقق الأمل؛ فالأمل والإيمان خلقان متلازمان مكمل أحدهما الآخر؛ فالمؤمن من أكثر الناس أملاً وتفاؤلاً واستبشارًا، وأبعدهم عن التبرم والضجر، ومن ثم كانت النفس الخاوية من القيم الإسلامية نفسًا ضائعة حائرة، لا تطمئن ولا تستريح. ويدل على ذلك قوله تعالى: ﭽ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﭼ [التغابن: ١١]. وقوله تعالى: ﭽ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﭼ [الحج: ٣١].
ولقد أظهرت الدراسات الحديثة أن هناك علاقة قوية بين القيم والتوافق النفسي، وأن هناك علاقة ارتباطية فاعلة بين القيم الدينية وسمات الشخصية: (السيطرة، والمسؤولية، والاتزان الانفعالي، والاجتماعية، والحرص، والتفكير، والعلاقات الشخصية والحيوية).
وفي ضوء ما سبق، فإن أهمية القيم على مستوى الفرد تتمثل في أنها:
• تزود الفرد بمعايير للحكم على المواقف والأفكار والسلوكيات؛ فتُعرِّفه بالصواب والخطأ، والمقبول والمرفوض، فيعيش منسجمًا مع ذاته، متصالحًا مع نفسه، متوائمًا مع مجتمعه، متكيفًا مع الآخرين، مما يمنحه السعادة والاستقرار النفسي والاجتماعي.
• تحفظ الفرد من شرور نفسه وغيره؛ فتمنعه من الانزلاق في شبهات الفكر، وشهوات النفس، وانحرافات السلوك.
• تزود الفرد بعوامل النجاح والتميز، وتحقق للحياة معناها السامي، وتدفع الإنسان إلى كل عمل مفيد.
• تشبع الفرد بحاجاته الروحية والمادية، وتهذب سلوكه بالفضيلة ومحاسن الأخلاق؛ فيكسب حب الله وحب الناس، فينعم بالأمن والأمان.
أهمية القيم على مستوى المجتمع:
أما على مستوى المجتمع، فتتمثل أهمية القيم في أنها:
• تعد مرجعًا يحتكم إليه المجتمع.
• تعد أساسًا من أسس بناء المجتمعات والمحافظة عليها؛ من خلال تحديد منظومة قيمية تحكم سلوكيات كافة أفراد المجتمع، وتوجهها حسب الأولويات.
• تحفظ للمجتمع هويته الثقافية، وتميزه الحضاري، وتحميه من أي صراع قيمي أو غزو فكري.
• تقي المجتمع من الأمراض والآفات الاجتماعية -مثل: الظلم، والعنف، والفساد- التي تهدد بقاءه واستقراره وتماسكه.
• تحدد للمجتمع معايير الانفتاح والتعامل مع المجتمعات الأخرى، والاستفادة من منجزاتها الحضارية في إطار متوازن يجمع بين الأصالة والمعاصرة.
• تعد القيم مؤشرًا على التنبؤ بمستقبل المجتمعات من حيث الرقي والتقدم أو التدهور؛
| فإنما الأمم الأخلاق ما بقيت | فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا |
العوامل المؤثرة في عملية اكتساب القيم
تتعدد العوامل التي تؤثر في عملية اكتساب القيم وتكوينها عند المتربين. ومن أهم القضايا التي يجب ملاحظتها في عملية مراحل تكُّون القيم أو نموها ما يأتي:
• يبدأ تكُّون القيم في مرحلة الطفولة المبكرة، ويستمر في عمليات الارتقاء حتى نهاية العمر، لكنها قد تتعرض للتغيير. والتغير والثبات هو نتيجة اهتمامات الفرد، والمؤثرات الدينية، والمعرفية، والنفسية، والاجتماعية، والسياسية، التي يتعرض لها.
• تتكون القيم لدى الفرد منذ سنواته الأولى؛ ففي مرحلة الطفولة ومنذ سن السادسة يبدأ الطفل في تشرب منظومة محددة من القيم من خلال: والديه وأقاربه والمقربين إليهم. وتتسم القيم في هذه المرحلة بالتلقائية دون الوعي الشعوري الكافي بمضامينها ونواحيها السلوكية المختلفة.
• تأخذ القيم في مرحلة المراهقة مضمونها الإدراكي والوجداني والنزوعي، وتصبح محكًا مرجعيًا مهمًا لقرار الفرد في سن الخامسة عشرة والسادسة عشرة، وتكون القيم أكثر طواعية للتكون والتغير من خلال معايشة الخبرات التربوية.
• تحدث مع نمو الفرد عمليات اكتساب قيم جديدة والتخلي عن قيم أخرى.
• يسير النسق القيمي في مرحلة الرشد من السهولة إلى التعقيد، ومن طور الوسائل إلى طور الغايات، مما يؤدي إلى الثبات النسبي للمنظومة القيمية حتى تصبح مقومًا أساسًا للسلوك، ومعيارًا واعيًا للحكم على الأشياء والأفكار، والعمل بمقتضياتها.
• تلتئم القيم في إطار قيمي شامل متكامل، تؤلف كلُّ عناصره أو قيمه منظومة أو نسقًا قيميًا للفرد.
وعليه، يمكن القول إجمالاً: إن تكون القيم يمر بمراحل أربع، هي:
• مرحلة التطبيع: من الولادة حتى السابعة، وهي مرحلة غرس القيم.
• مرحلة التقليد: من السابعة حتى الرابعة عشرة، وهي مرحلة تكون القيم.
• المرحلة الاجتماعية: من الرابعة عشرة حتى الحادية والعشرين.
• المرحلة العلمية: من الحادية والعشرين حتى الخامسة والثلاثين.
ثمة طرائق عديدة لغرس القيم وتنميتها لدى المتربين، وفيما يلي عرض موجز لأهم هذه الوسائل أو الطرائق:
وهي من أنجح الوسائل التربوية في غرس القيم وتنميتها، وقد يكون هذا هو السر في أن الله بعث معلم البشرية بشرًا منهم؛ يأكل ويشرب، وينام ويصحو، هذا ليطبق شريعة الله عمليًا ويكون من اليسير على الأمة أن يحاكوه؛ لأنه بشر مثلهم وليس من الملائكة ولا من الجن، ومن هنا نتعلم أن القدوة ليست كلامًا يقال بالألسنة، وإنما سلوك عملي قبل كل شيء، ويكفي القول هنا: إن أثر فعل شخص واحد في ألف شخص خير من أثر قول ألف شخص في شخص واحد.
لا يملك قارئ القصة أن يتجاهل أشخاصها وحوادثها؛ فهو على وعي منه أو غير وعي يدس نفسه على مسرح الحوادث، ويتخيل أنه كان في هذا الموقف أو ذاك، ويروح يوازن بين نفسه وأبطال القصة، فيوافق أو يستنكر أو يملكه الإعجاب. ويدرك الإسلام هذا الميل الفطري للقصة، ويدرك ما لها من تأثير ساحر على القلوب، ومن ثم أورد القرآن الكريم القصص التاريخية الواقعية مثل: قصص الأنبياء، وقصص المكذبين بالرسالات، كما أورد القرآن الكريم القصة التمثيلية التي لا تمثل واقعة بذاتها ولكنها يمكن أن تحدث في أي لحظة من اللحظات، وفي أي عصر من العصور؛ كالأمثال التي ضربها الله في القرآن، وهي كثيرة. وكل ذلك بغرض غرس القيم في كافة جوانب الشخصية: العقدية، والتعبدية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والعقلية، والمعرفية، والوجدانية.
للموعظة الحسنة تأثير عاطفي كبير في الإنسان؛ لما لها من نفاذ إلى القلوب، وإصغاء من الوجدان، وسيطرة على المشاعر، وخاصة إذا كانت في بيئة صالحة. ولذا نجد القرآن يتخذها أسلوبًا في مخاطبة الكبار والصغار، أما الصغار: فلأن الموعظة تجد عندهم انتباهًا واهتمامًا، وأما الكبار: فقد تفيد الموعظة معهم إذا جاءت في المواقف المناسبة؛ وخاصة إذا كانت القلوب متفتحة، والعقول على استعداد لأن تعي ما يقال. فيجب أن يكون استخدام الموعظة بأسلوب محبب لطيف وغير ممل. وحين توجد القدوة الحسنة بجانب الموعظة، فإن الموعظة تكون ذات أثر بالغ في النفس؛ حيث توجد في النفس البشرية دوافع فطرية في حاجة دائمة للتوجيه والتهذيب، ولا بد في هذا من الموعظة.
الترغيب والترهيب من المراحل الأولية في تزكية النفس وتهذيبها؛ إذ الخوف من المعصية بما يترتب عليها من عذاب وعقاب من الله يكون البداية، ثم تتعود النفس عن طريق الممارسة حتى تصل إلى درجة الابتعاد عن المعصية لقبحها، كما أن حب الفضيلة والاستقامة والطاعة تكون لما يترتب عليها من جزاء حسن ومثوبة من الله، حتى يصل المرء إلى درجة حب الفضائل لذاتها، ثم يرتقي إلى منزلة الإحسان. والإنسان مفطور على الإحساس باللذة والألم، وهو بذلك ميال إلى كل ما يحقق له اللذة، وعازف عن كل ما يسبب له الألم، ولهذا العامل تأثير كبير في تربية الإنسان وتوجيه سلوكه من خلال الترغيب والترهيب.
استثمر القرآن الكريم الأحداث والحوادث التي تقع للأمة الإسلامية في منشئها للتوجيه والتربية، وغرس الفضائل، والتنفير من الرذائل. والمربي البارع لا يترك الأحداث تذهب سدى بغير عبرة وبغير توجيه، وإنما يستثمرها لتربية النفوس وصقلها وتهذيبها، فلا يكون أثرها موقوتًا لا يلبث أن يضيع.