حجم الخط:

محتوى الدرس (29)

4) مبادئ تعديل السلوك وخطواته:

[الدعوة وتعديل السلوك]

إن المتأمل في تاريخ الدعوة الإسلامية يجد أن الإسلام قد انتشر اعتمادًا على أساليب تتعامل مع النفس البشرية بكلياتها؛ أساليب بدأت بتصحيح العقيدة وما أحاط بها من انحرافات خطيرة، حتى إذا قويت العقيدة وصح العقل: بدأ تعديل السلوك في العلاقات والمعاملات، وبتدرج واضح جعل هذا التغيير يرسخ ويصبح حياة لكل مسلم.

وقد غابت -نسبيًا- مفاهيم تحديد السلوك وتغييره في العصور المتأخرة، ولم يهتم بها كثير من العاملين والمختصين في مجال تعديل السلوك إلا منذ سنوات قليلة مضت؛ وهو فرع من فروع العلاج والإرشاد النفسي، قام على أساس مبادئ التعلم ونظرياته، ثم على نظرية التعلم الاجتماعي التي ترى أن تأثير البيئة على اكتساب السلوك وتنظيمه يتحدد من خلال العمليات المعرفية.

[السلوك الإنساني]

وإذا كان السلوك الإنساني يُعرف بأنه: كل الأفعال والنشاطات التي تصدر عن الفرد - سواءً كانت ظاهرة (يمكن ملاحظتها كالكلام)، أم غير ظاهرة (غير ملحوظة كالتفكير) - فإن المقصود بتعديل السلوك: عملية تقوية السلوك المرغوب به من ناحية، وإضعاف السلوك غير المرغوب به من ناحية أخرى أو إزالته تمامًا. وحتى يحدث التغيير يحتاج المربي إلى معرفة الإجراءات المطلوبة لتعديل السلوك.

[خطوات تعديل السلوك]

ويمكن تحديد المبادئ والخطوات الأساس لتعديل السلوك فيما يأتي:

‌أ. تحديد السلوك الذي يريد تعديله أو علاجه؛ فيجب تحديد السلوكيات التي سيتم قياسها، مع الأخذ بعين الاعتبار عدم محاولة قياس أكثر من سلوك واحد أو سلوكين في آن واحد؛ لأن ذلك سيقلل من احتمال الحصول على معلومات دقيقة.

‌ب. قياس السلوك المستهدف؛ وذلك بجمع ملاحظات وبيانات عن عدد المرات التي يظهر فيها السلوك، ومدى شدّته، ومدى استمراره وتكراره. ومن أدوات قياس السلوك: المقابلة الشخصية، الملاحظة المباشرة، الاستبانات، والمقاييس.

‌ج. تحديد الظروف أو العوامل السابقة التي أدت إلى ظهور السلوك غير المرغوب فيه؛ (تاريخ حدوثه، الوقت الذي استغرقه، مع من حدث؟ كم مرة يحدث؟ ما الذي يحدث قبل ظهور السلوك؟ كيف استجاب الآخرون؟ ما المكاسب التي جناها المتربي من جراء سلوكه؟ وأي ملحوظات ترتبط بظهور المشكلة).

‌د. تصميم خطة فنية لتدعيم ظهور السلوك المرغوب من خلالها، وإيقاف السلوك غير المرغوب أو تقليله.

هـ. تقويم فعالية الخطة، وتلخيص النتائج، وإيصالها إلى من يهمهم الأمر.

5) أساليب تعديل السلوك:

[بداية]

تهدف أساليب تعديل السلوك إلى تحقيق تغييرات في سلوك الفرد لكي يجعل حياته وحياة المحيطين به أكثر حيوية وفاعلية، وقد استخدم علم النفس السلوكي في تعديل السلوك أساليب كثيرة؛ أهمها: التعزيز، الإطفاء، العقاب، اتخاذ القرارات، ضبط الذات، التعميم، وقف الأفكار، التمييز، حل المشكلات، التكوين، التسلسل، التحصين ضد الضغوط، التلقين، التعاقد السلوكي، السحب التدريجي أو التلاشي، تقليل الحساسية التدريجي، الإرشاد باللعب، العلاج بالتنفير، الإقصاء، توكيد الذات، التصحيح الزائد، الاسترخاء، الممارسة العكسية، التنفيس الانفعالي، الكف المتبادل، النمذجة، مهارات التعايش، تمثيل المهمات، الإشباع، استخدام الأنشطة، الإرشاد الديني.

فمثلاً أسلوب التعزيز يعني: الإثابة على السلوك السوي بكلمة طيبة، أو ابتسامة عند المقابلة، أو الثناء عليه أمام الآخرين، أو منح هدية مناسبة، أو الدعاء بالتوفيق والفلاح؛ مما يعزز هذا السلوك ويدعمه ويثبته، ويدفعه إلى تكرار السلوك نفسه إذا تكرر الموقف. أما أسلوب الإطفاء فيقوم على التجاهل المتواصل للسلوك الخطأ، وعدم التعليق عليه أو لفت النظر إليه حتى ينطفئ ويكف، وهكذا.

ولتأصيل هذا الموضوع يتبين للقارئ سبق الإسلام في تعديل الانحرافات السلوكية ومعالجتها، مع تنوع الأساليب وتعددها حسب تنوع المواقف والأخطاء السلوكية وتعددها، والمستقرئ لكتب السنة يجد أن النبي استخدم أساليب عديدة في تعديل السلوك؛ منها:

أ) التذكير بالعقوبة والحرمان من الثواب:

إن الإنسان إذا عرف العقوبة المترتبة على الانحراف السلوكي، فإن ذلك سيكون رادعًا له عن الوقوع في ذلك الانحراف أو الاستمرار فيه، لذلك كان النبي يخبر أصحابه بالعقوبة المترتبة على الانحراف؛ سواءً قبل الوقوع في الانحراف، أو في أثنائه، أو بعده.

ب) الثناء على من ابتعد عن السلوك الخطأ، والتهديد والوعيد لمن وقع فيه:

التهديد والوعيد بعقاب الله عز وجل الأخروي يعجل لصاحب السلوك غير المرغوب فيه العودة والأوبة للحق والصواب. وقد استخدم النبي هذا الأسلوب في أكثر من موضع؛ كما في حديث النفر الثلاثة الذين جاؤوا إلى حلقة النبي وهو في المسجد، فوجد أحدهم فرجة فجلس، واستحيا الثاني، وأعرض الثالث، فلما فرغ رسول الله قال: «ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه»[1].

فكان حديث النبي وثناؤه على الذي آوى فآواه الله مرغبًا للصحابة في المبادرة لحلقات الذكر ودروس العلم، كيف لا، وقد أخبر أن الله عز وجل آوى من أوى إلى حلقة الذكر، وكذلك الذي استحيا فاستحيا الله منه، بخلاف الذي أعرض عن حلقة الذكر، فكلهم لا يحبون أن يكونوا مكان ذلك الرجل.

ج) إنكار السلوك الخطأ، تعليم المخطئ، التكرار لفهم الخطأ:

إن الإنكار على مرتكب الانحراف السلوكي بالصوت أو بالإشارة هو من هدي النبي ، خاصة إن كان هذا الانحراف واقعًا من أناس كُثُر هم بحاجة أن يصلهم جميعًا صوته، وفي هذه الحالة كان يرفع صوته؛ فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ: خلف رسول الله في سفر سافرناه، فأدركنا وقد أَرْهَقْنَا الصلاةَ، صلاة العصر، ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته: «وَيْلٌ للأعقاب من النار» مرتين أو ثلاثًا[2]. ولأن الواقع في الانحراف لا يعدو أن يكون جاهلاً أو ناسيًا أو متبعًا لهواه، فهو بحاجة إلى أن يُعلَّم الصواب، ثم تكرار ذلك لبيان الانحراف وخطره والعقوبة المترتبة عليه، وهذا ما فعله النبي .

د) التحذير من فعل السلوك الخطأ، والغضب عند تكراره:

عملية التحذير من الآثار المتعدية لأي انحراف هي سبيل من سبل العلاج، وهو ما فعله النبي مع معاذ رضي الله عنه حيث نهاه عن التطويل في الصلاة، ثم لما أطال الصلاة واشتكى أحد من صلى خلفه للنبي غضب. يقول أبو مسعود الأنصاري : فما رأيت النبي في موعظة أشد غضبا من يومئذ، فقال: «أيها الناس، إنكم منفرون، فمن صلى بالناس فليخفف؛ فإن فيهم المريض، والضعيف، وذا الحاجة»[3].

ه‍) الأمر بما هو أولى للبعد عن السلوك الخاطئ:

إن الأمر بما هو أولى من الوقوع في السلوك الخاطئ هو الأصل في الدين الإسلامي، وما فعله النبي من نهي الصحابة رضي الله عنهم بعدما حصبوا الباب بالحصى وقت انتظارهم له أن يخرج للصلاة كان حثًّا منه عليه الصلاة والسلام لمن كان ذا نشاط أن يُصَلِّيَ الليل في بيته خشية منه أن تفرض صلاة الليل عليهم ولا يستطيعونها، وإذا ما ترك الأمر لهم ليُصَلِّيَ الواحد منهم قدر ما يستطيع فإنه أخف عليهم وأرأف بحالهم، بل أشار عليه الصلاة والسلام بقوله: «إن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة»[4]. فلم ينههم عليه الصلاة والسلام عن مجرد الانحراف الذي وقعوا فيه، بل حثهم لما هو أولى من ذلك، وأنسب لحال البشرية جمعاء.

و) المبادرة في علاج الخطأ:

إن المبادرة لمعالجة الموقف الخاطئ الذي يقع فيها المسلم سبيل من سبل تعديل السلوك، وقد تكرر هذا كثيراً؛ فحينما تقاضى كعب بن مالك من ابن أبي حَدْرَدٍ دَينًا كان له عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ، وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سِجْفَ فنادى: «يا كعب» قال: لبيك يا رسول الله، قال: «ضع من دينك هذا» وأومأ إليه: أي الشَّطْرَ، قال: لقد فعلت يا رسول الله، قال: «قم فَاقْضِهِ»[5]. وهذه المبادرة منه عليه الصلاة والسلام كانت كفيلة بأن يصطلحا ويبتعدا عن الوقوع في الخصومة بعد ما ارتفعت أصواتهما في المسجد.

ز) العتاب والتعريض بمن وقع في الخطأ دون ذكر الخطأ أو اسم المخطئ:

والتعريض من الأساليب التربوية التي استخدمها النبي في علاج الأخطاء، وهو أرفق بمن وقع فيها، وفيه إيصال رسالة لبيان خطئه، ومراعاة لمشاعره أمام الآخرين؛ لكي لا يتأثر بعملية الإنكار عليه، وهو سبيل عظيم في قبول الإنكار والنصيحة، ومن ذلك ما ورد في حديث بريرة لما اشترط أهلها الولاء؛ فإنه عليه الصلاة والسلام عرَّض بهم وهو على المنبر فقال: «ما بال أناس يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له، وإن شرط مائة مرة، شرط الله أحق وأوثق»[6].

ح) ذم الفعل الخطأ لا المخطئ نفسه:

وصف الخطأ بحقيقته لا بصاحبه سبيل من سبل علاج السلوكيات الخاطئة؛ كما في مسألة التصفيق للرجال في الصلاة، وأن فيه تشبهًا بالنساء، ولما كان النبي يعلم مقدار ما في نفوس الصحابة رضي الله عنهم من تعظيم حدود الله، والوقوف على أوامره، ما كان منه عليه الصلاة والسلام إلا أن يكتفي بمجرد تنبيههم فقط على أن ما وقع منهم من التصفيق في الصلاة إنما هو من شأن النساء؛ فقال: «إنما التصفيق للنساء»[7].

ط) جمع من وقع منهم الخطأ في مكان واحد دون إدخال أحد معهم للحوار معهم:

وهذه إحدى سبل العلاج في التعامل مع من وقعوا في الأخطاء إذا ما كانوا جماعة؛ فالأنصار رضي الله عنهم أجمعين حينما عتبوا على النبي إعطاءه حديثي العهد بالإسلام أكثر مما أعطاهم من غنائم حنين، وسمع النبي عليه الصلاة والسلام بخبرهم، ما كان منه إلا أن جمعهم دون أن يكون معهم أحد، فقال لهم مقولة ما كان ليقول أحسن منها لغيرهم، وصفهم بغنى النفس، وما فيها من الخير[8]، ولو لم يكن فيها إلا أنه عليه الصلاة والسلام وصفهم بأنهم أحب إليه من غيرهم وأقرب لكفى.

ي) تذكير المخطئ بمحاسنه:

ولعل هذه من أهم السبل لعلاج الانحرافات؛ فإن الإنسان مهما وقع في انحراف يبقى أن لديه جوانب حسنة مشرقة في حياته، ومن طبيعة النفس البشرية أنها إذا ما حصل التركيز على أخطائها ونقائصها فإنها تستمرئ تلك الأخطاء حتى تصبح متطبعة بها، بينما لو حصل التركيز على المحاسن لكانت النفس الإنسانية سوية متزنة، وذكر الجوانب الحسنة في النفس الإنسانية حين معالجة انحرافاتها هو من هديه عليه الصلاة والسلام؛ فإنه أثنى على الأنصار حينما جمعهم، وذلك بعد أن عتبوا عليه في توزيع غنائم حنين، فقال: «أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعوا إلى رحالكم برسول الله ، فوالله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به»[9]. وأي ثناء لهم أبلغ من أن يعودوا برسول الله ، ويعود الناس بمتع الدنيا وملذاتها من الإبل والغنم ونحوها؟!

ك) تأليف قلب المخطئ أو من يُخشى منه الوقوع في الخطأ:

وهذه من السبل المهمة في علاج الأخطاء؛ وهي أن يتألف المربي من يختصه بالتربية؛ وذلك لحاجة المتربي لذلك، ولأن النفس الإنسانية بحاجة لمراعاة ومداراة وتأليف حتى تتأقلم مع المحيط الذي ينبغي أن يكون سليمًا، وهذا ما كان يفعله عليه الصلاة والسلام مع بعض صحابته رضوان الله عليهم ممن كانوا يحتاجون لتأليف، وما كانت قسمته للفيء بينهم -مع غلظة بعضهم في التعامل معه أثناء طلب الفيء- إلا تأليفًا لقلوبهم ليثبتوا على هذا الدين العظيم.

[تعقيب]

والتغيير في النفس الإنسانية ليس بالأمر الهين، خاصة حينما يكون التغيير من محيط الكفر إلى محيط الإسلام، أو من انحرافات ترسَّخت في مجتمعات لأجيال عديدة، فيصعب حينها التغيير ومحو هذه الانحرافات من أنفس البشر بيسر وسهولة، فتنشأ حاجة ماسة لتأليف قلوبهم والأخذ بأيديهم، مع صبر طويل، لتتحقق إزالة هذه الانحرافات.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة