3) الحوار: القواعد والمرتكزات:
تنطلق رحلة الحوار في الإسلام من قواعد ومرتكزات عدة ترسم للمتحاورين الحقوق والواجبات التي يسيرون عليها حتى الوصول إلى المراد، ومن تلك القواعد:
لكي يبدأ الحوار، فلا بد أن يمتلك أطرافه القدرة عليه، وحرية الفكر المستقل، والثقة بالنفس؛ لذلك أمر الله رسوله ﷺ أن يحقق ذلك ويوفره لمحاوريه: ﭽ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﭼ [الكهف: ١١٠]، ﭽ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﭼ [الأعراف: ١٨٨].
ب) الانطلاق من القواسم المشتركة:
لا بد لإنجاح الحوار من الانطلاق من المشترَكات، أو من الرؤى والأفكار التي يتفق عليها المتحاورون، لتكوين أرضية مشتركة يستطيع الجميع من خلالها التفاهم والتعايش معًا في ظل الأخوة الإنسانية، والتمتع بحقوق المواطنة بالعدل؛ قال تعالى: ﭽ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﭼ [آل عمران: ٦٤].
ج) تحديد منهج الحوار وتحرير موضوعه:
من الأهمية بمكان تحرير محل الحوار؛ فأول ما يُناقش فيه هو منهج الحوار الفكري وموضوعه الذي لا يرتبط بالقضايا الشخصية أو الاجتماعية أو النفسية قال تعالى: ﭽ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﭼ [البقرة: ١٧٠]. ولهذا يكون عدم تحرير محل الحوار مضيعة للوقت إذا تبين للمتحاورين بعد مدة أن حديثهما يركز على محورين مختلفين، أو وجهتين متفاوتتين، ولذا كان لزامًا البدء بتحرير محل النزاع، وتشخيص نواحيه؛ ليكون الاستدلال منتجًا.
د) الابتعاد عن الأجواء الانفعالية:
من عوامل نجاح الحوار أن يحصل في الأجواء الهادئة؛ ﭽ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ۖ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﭼ [سبأ: ٤٦]، اعتبر القرآن اتهام النبي ﷺ بالجنون خاضعًا للجو الانفعالي العدائي لخصومه؛ لذلك دعاهم إلى الانفصال عن هذا الجو والتفكير بانفراد وهدوء.
ه) الموضوعية أو التسليم بإمكانية صواب الخصم:
يخاطب القرآن الكريم الرسول الكريم ﷺ -وهو القمة في الإيمان واليقين- بأن يدخل في الحوار بروح موضوعية هادفة ليقول: ﭽ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﭼ [سبأ: ٢٤]، ثم يجعل صاحب الحق اختياره هو بمرتبة الإجرام - على الرغم من أنه هو الصواب - بغية حمل الطرف الآخر على القبول بالحوار: ﭽ قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﭼ [سبأ: ٢٥]،ليقرر في النهاية أن الحكم النهائي لله عز وجل: ﭽ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ﭼ [سبأ: ٢٦]. وبذلك ينبغي البدء بالحوار بعد التخلي عن كل الاقتناعات السابقة، والسعي لطلب الحق أينما كان.
و) التعهد والالتزام باتباع الحق:
لا بد من تعهد طرفي الحوار والتزامهما باتباع الحق إن ظهر على يدي الطرف الآخر، حتى ولو كان التعهد باتباع ما هو باطل أو خرافة إذا افتُرِض أنه ثبت وتبين أنه حق: ﭽ قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ﭼ [الزخرف: ٨١].
ز) الانضباط بالقواعد المنطقية في مناقشة موضع الاختلاف:
بعد الالتزام بالأسس السابقة، ينبغي أن ينطلق الحوار معتمدًا على قواعد: العقل، والمنطق، والعلم، والحجة والبرهان، والحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن؛ فما أكثر ما يرد في القرآن: ﭽ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ﭼ [البقرة: 111، الأنبياء: 24، النمل: 64، القصص: 75]، ﭽ هَا أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ﭼ [آل عمران: ٦٦].
ح) ختم الحوار بهدوء مهما كانت النتائج:
إذا سار الحوار جادًّا وفق المنهج المذكور من قبل جميع الأطراف؛ فلا بد أن ينتهي الحوار بهدوء كما بدأ دون حاجة إلى التوتر والانفعال، حتى إذا رفض المحاور الحجج العقلية - كأن لم يقتنع بها - فإنه بذلك يمارس حقًا أصيلاً كَفَلَه له رب العزة، وسيكون مسؤولاً عن ذلك أمام الله سبحانه وتعالى: ﭽ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ ﭼ [هود: 35] .
ط) التأكيد على استقلالية كل من المتحاورين ومسؤوليته عن فكره:
قبل الانفصال بين المتحاورين يؤكِّد كل منهما على استقلاليته ومسؤوليته عن نفسه ومصيره: ﭽ قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﭼ [الأنعام: ١٣٥].
ي) الإشهاد على المبدأ وعدم تتبع الأخطاء الناتجة عن الانفعال في أثناء الحوار:
وفي آخر الحوار يُشهَّدون على المبدأ والتمسك به: ﭽ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﭼ [آل عمران: ٦٤].
لكي يساعد الحوار على بناء السلوك وتكوين العلاقات والنهوض بالفرد والمجتمع والأمة، وتعايش الجميع في سلام وأمن ووئام، فإنه من الضروري أن يكون هذا الحوار صحيًا موضوعيًا فيرى الحسنات والسيئات في ذات الوقت، ويرى العقبات ويرى أيضًا إمكانات التغلب عليها، كما ينبغي أن يكون حوارًا متفائلاً، صادقًا عميقًا، واضح الكلمات واقعيًا متكافئًا، يعطى لكلا الطرفين فرصة التعبير والإبداع الحقيقي، ويحترم الرأي الآخر، ويعرف حتمية الخلاف في الرأي بين البشر وآداب الخلاف وتقبله، وهو فوق كل هذا حوار تسوده المحبة والمسؤولية والرعاية وإنكار الذات.
وفي ضوء ما سبق، يمكن القول: إن للحوار آدابًا وأخلاقًا ينبغي التزام كافة أطراف الحوار بها، وأهمها:
إذا أردت أن تحاور طرفًا ما، فإن ذلك يقتضي بأن تؤمن بأن له وجودًا وكيانًا؛ إذ إنه من الاستهانة أن تتعامل مع فرد أو جهة على أساس أنها تمثل ثقلاً معينًا، وأنت تشعر في قرارة نفسك بعكس ذلك، ومهما حاولت إخفاء ذلك الشعور الرديء، فسوف يبرز بشكل إرادي أو غير إرادي، وعند ذلك سيؤدي إلى ردة فعل سيئة من الطرف الآخر، وربما يؤدي إلى القطيعة، فضلاً عن أن التعامل مع الناس بهذا الأسلوب يتنافى مع مبادئ الأخلاق الإسلامية، وفي هذه الحالة يصبح عدم التعامل مع الجهة التي لا نؤمن بجدوى التعامل معها خيرًا من أن نبدي لها اهتمامًا لا نشعر به حقًا تجاهها، على أنه ينبغي التنبيه على أن الاعتراف بكيان الآخر ليس معناه التسليم بمبادئه ومواقفه.
إن من مقتضيات الحوار والتواصل أن تتعرف على من تريد محاورته؛ لأن سعيك للتعارف يحقق مجموعة من المصالح تدعم قضية الحوار وتحقق ثمرته؛ فالتعارف من جانبك يشعر الطرف الآخر باهتمامك به، وبالتالي بتواضعك وعدم تعاليك على من تحاوره.
ج) أن يكون الكلام هادفًا إلى الخير:
يقول تعالى: ﭽ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﭼ [النساء: ١١٤]. فالكلام الطيب العفّ له ثماره الحلوة، فهو مع الأصدقاء يحفظ مودتهم، ويستديم صداقتهم، ويمنع كيد الشيطان أن يفسد ذات بينهم، وأمّا مع الأعداء فيقارعهم الحجة القوية.
د) البعد عن عبارات المدح للنفس أو للآخرين إلا لمصلحة وبالضوابط الشرعية:
قال تعالى: ﭽ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ ﭼ[النجم: ٣٢].
نقل البخاري في صحيحه عن عمار قال: «ثلاث من جمعهنَّ فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذْلُ السلام للعالم، والإنفاق من الإقْتار»[1]. فالإنصاف خلق عزيز يقتضي أن تنزل الآخرين منزلة نفسك في الموقف.
و) الصبر والرفق واحتمال الأذى ومقابلة السيئة بالحسنة:
بهذا استمال النبي ﷺ قلوب أعدائه، وعالج قسوتها، حتى لانت وانقادت وقبلت الحق؛ فالكلمة الطيبة، والابتسامة الصادقة الصافية، والإحسان إلى الآخرين بالقول والفعل؛ كل ذلك من أسباب زوال العداوة وتقارب القلوب. ومن ذلك أيضًا: عدم العتاب والمحاسبة، وعدم الانتقام والتشفي أو الانتصار للنفس.
ز) عدم التعصب للمذهب أو الطريقة أو الشيخ أو الجماعة أو الطائفة أو الحزب:
ولهذا قيل: (حُبكَ الشيء يعْمِي وَيُصِمُّ)، إن المتعصب أعمى، لا يستطيع أن يميز الحق من الباطل.
حتى يكون الحوار بناءً مثمرًا ينبغي على المتحاورين الالتزام بأصول الحوار وآدابه السابق ذكرها، ومنها يمكن تحديد أهم مهارات الحوار في الآتي:
• التهيؤ النفسي للحوار والمناقشة: وهذا يتطلب من المتحاورين ما يلي: التغلب على الخوف والخجل، تعزيز الثقة بالنفس، تجنب الحساسية المفرطة.
• تحديد أهداف الحوار: فيسعى كل طرف إلى تحديد الإجابة عن الأسئلة الآتية: ما الغاية من الحوار؟ ما الأهداف التي أريدها من هذه المحاورة؟ كيف أحققها؟
• الإعداد الجيد للحوار: فيهيئ كل محاور ما يلزمه من أسئلة، ويحدد عناصر الحوار، والمصادر التعليمية، والوسائل التوضيحية التي سيستخدمها، ومراعاة المدة المخصصة لكل خطوة، وهكذا.
• تهيئة بيئة حوارية مناسبة: ويتطلب هذا إشاعة الحرية الفكرية، والتقدير والاحترام المتبادل، وعدم الاستهزاء أو السخرية من آراء الآخرين وأفكارهم، وغير ذلك من خطوات تنظيمية تؤسس للمتحاورين القواعد والآداب التي ينبغي أن تسود في جلسة الحوار.
• التمهيد الجيد لموضوع الحوار من خلال: سرد قصة مثيرة للاهتمام، أو إثارة مشكلة معينة، أو طرح عدد من الأسئلة، أو مشهد تمثيلي مختصر، أو غير ذلك، على أن يكون مرتبطًا بالموضوع.
• البدء بالقضايا الكلية المتفق عليها قبل الجزئية، والاتفاق على الأصول قبل مناقشة الفروع.
• التدرج في الحوار حتى الوصول إلى الحق؛ كما في حوار سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع النمرود.
• وضوح الكلام وسهولة اللغة وحسن الخطاب: فلا تعقيد للألفاظ، ولا غموض في اللغة، ولا تكلف في العبارات.
• التحديد الدقيق للمصطلحات وبيان مدلولها بوضوح.
• التفكير قبل الكلام: ثم القول بالتي هي أحسن، ولين الكلام الذي لا يحمل إلا حسن النية.
• حسن الإنصات للقول الآخر: والتركيز فيما يقول، وعدم المقاطعة أثناء الكلام.
• احترام الوقت وحسن إدارته.
• عدم الغرور والتعالي على الآخرين.
• الالتزام بالموضوعية والصدق، والاعتراف بالخطأ وتجنب الانفعالات والتحدي.
• توظيف لغات الاتصال المختلفة لتعميق الحوار: (إشارات، لغة جسد، رموز، الاتصال البصري).
ومن هذه اللغات: الصوت؛ إذ ينبغي اعتدال صوت المحاور، وموافقته للأحوال والظروف، بما يجعله مطابقًا للمعاني التي يصورها بالألفاظ، ويمثلها بالصوت، كما أن عليه أن يهتم بتوافق طبقة الصوت واللفظ مع هيئة الوجه وحركات الجسم؛ لبيان ما في النفس وتصوير ما في الخاطر. ومن هنا ينبغي على الداعية المربي أن يروض نفسه على تصوير المعاني، وأن يجعل لنغمات صوته -ارتفاعًا وانخفاضًا- دلالاتٍ أخرى فوق دلالة الألفاظ، وأن يكون صوته ناقلاً بصدق لمشاعر نفسه، وأن يمرنه على أن يكون حاكيًا لمعاني الوجدان.
• التوصل إلى مجموعة من الاستنتاجات والحلول النهائية.
• تقويم درجة تحقق أهداف موضوع الحوار.
• تقبل الرأي الموافق للحق ولو كان يخالف اعتقاد أحد أطراف الحوار.