حجم الخط:

محتوى الدرس (6)

[تمهيد]

كل الأحكام والقواعد والوسائل المستمدة من التراث الإسلامي، والتي تطبق على النشاط الاقتصادي في المجتمع المسلم لحل مشاكله الاقتصادية في نواحي الإنتاج والاستهلاك والتوزيع، تشكل في مجملها نظام الاقتصاد الإسلامي.

مبادئ الاقتصاد الإسلامي:

يقوم الاقتصاد الإسلامي على مبادئ رئيسة هي:

1- مبدأ العقيدة الإسلامية: فهو تابع لها، يخدمها ولا يخرج عنها، فهدفه إعمار الأرض وتهيئتها للإنسان ليقوم بغاية الخلق الكبرى وهي: توحيد الله وعبادته وحده دون سواه، فالمال مال الله، والإنسان مستخلف العمارة الأرض واستثمار خيراتها التي خلقت له فيما يعود عليه بالنفع، لغاية يحفظ فيها دينه ونفسه وماله وعقله ونسله وعرضه، وكل عمل يقوم به فهو مسؤول عنه في الدنيا والآخرة.

2- مبدأ الأخلاق: فالأخلاق من صميم النظام الاقتصادي الإسلامي، سواء في الوسائل والنظريات أو في المقاصد والأهداف، فتحقيق المبادئ الأخلاقية من أهم المقاصد الشرعية، فيجب التزام الصدق والأمانة ومنع الغش، وحسن المطالبة بالحق، وحسن الوفاء، وعدم الإضرار.

3- مبدأ الحلال والحرام: فالحل والحرمة مبنية على مراعاة المصلحة ودرء المفسدة في المجتمع، فالحلال والحرام تجسيد للقيم والمثل التي يؤمن بها الإسلام.

4- مبدأ الثواب والعقاب: فالمحسن يستحق الثواب على إحسانه، والمسيء يستحق العقاب على إساءته، فالمسلم يطلب الثواب الدنيوي والأخروي، ويتجنب العقاب الدنيوي والأخروي.

5- مبدأ التوازن بين الملكية العامة والخاصة: كفلت الشريعة الملكية الفردية، وفي الوقت نفسه حمت المصلحة العامة من الآثار السلبية لبعض تصرفات الوحدات الاقتصادية في ملكياتها الخاصة؛ فالإسلام يقر الحرية الفردية المقيدة بالأحكام الشرعية بشرط ألا تلحق الضرر بالفرد نفسه أو بغيره، فمصلحة المجتمع تقدم على مصلحة الفرد عند التعارض.

6- دور الحكومة في النشاط الاقتصادي: وازن الاقتصاد الإسلامي بين القطاع العام والخاص، فجعل للحكومة دورًا مهمًّا في النشاط الاقتصادي من خلال ملكيتها لجزء لا بأس به من الموارد وعناصر الإنتاج، ويمكن للحكومة التدخل -بالقدر الكافي- لتصحيح اختلالات الاقتصاد عبر آليات منها: السياسات الشرعية الاقتصادية.

7- آلية السوق في الإسلام تؤدي دورًا مركزيًّا في الأنشطة الاقتصادية: من خلال تحديد الأسعار وتخصيص الموارد للاستخدامات الأكثر كفاءة.

[مراجع للتوسع]:

* انظر النظام الاقتصادي في الإسلام.

محمود بن إبراهيم الخطيب، مكتبة الحرمين، الطبعة الأولى 1409هـ

الفصل الثالث: إطلالة على النظام الاقتصادي الإسلامي

مدخل:

الفصل الثالث: إطلالة على النظام الاقتصادي الإسلامي

لا تزال النظم الاقتصادية الوضعية منذ ظهورها تعاني من اختلالات جوهرية تكمن في صلب الأنظمة نفسها، أنتجت ولا تزال تنتج العديد من الأزمات الاقتصادية التي تؤثر على المجتمعات بشكل كبير، مما يفرض على المسلمين المزيد من التبعة والجهد في نشر وتمكين نظام اقتصادي مستمد من المنظومة الإسلامية، يحمل في طياته عقيدة وفلسفة وروح وتشريعات سامية وعادلة، ترتقي بالنشاط الاقتصادي من ضيق المادية إلى سعة العدالة السماوية.

تعريف علم الاقتصاد الإسلامي:

[ما هو الاقتصاد الإسلامي]

الاقتصاد الإسلامي هو: مجموعة المبادئ والأصول الاقتصادية المستقاة من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، والتي تحكم النشاط الاقتصادي للدولة الإسلامية ويمكن تطبيقها بما يتلاءم مع ظرف الزمان والمكان. ويعالج الاقتصاد الإسلامي مشاكل المجتمع الاقتصادية وفق المنظور الإسلامي للحياة.

أهداف الاقتصاد الإسلامي:

1- ربط النشاط الاقتصادي بالعبودية لله سبحانه وتعالى.

2 - إعلاء شأن الأمة الإسلامية وحيازة القوة الاقتصادية.

3- تخفيف التفاوت في الدخل والثروة.

4- إرساء مبدأ الاستدامة[1] الاقتصادية في الأنشطة المرتبطة بتحقيق التنمية الاقتصادية.

5- السعي لتحقيق حد الكفاية.

6- ربط عمليات التمويل والاستدانة بالأنشطة الحقيقية.

7 - التخصيص الأمثل للموارد الاقتصادية.

أصول ومقاصد علم الاقتصاد الإسلامي:

يقوم علم الاقتصاد الإسلامي على أصول مهمة، منها:

الأول: الاستخلاف:

والمقصود به: أن الله سبحانه- هو خالق الكون ومالكه، فإنه قد استخلف البشر في هذه الأرض، ومعنى ذلك: أن يقوموا بجميع ما أمروا به من خالقهم، وينتهوا عما نهوا عنه، والآيات في هذا المعنى كثيرة، ومراعاة قواعد الاستخلاف تؤدي إلى التمكين في الأرض.

الثاني: الثواب والعقاب الأخروي:

وهذا يعني أن الأجل الذي ينظر إليه المسلمون ليس قصيرًا منتهيًا بالدنيا، بل يعتقدون أن الدنيا مزرعة الآخرة وأنها دار الابتلاء، وليست دار الجزاء، وأن الجزاء في الأخرة، وهذان الأصلان مهمان جدًّا، ولهما أثر كبير على قرارات المسلم الاقتصادية.

ومبدأ الاستخلاف يعني: أن نأخذ بمنظومة الأوامر الشرعية كلها. ومثال على ذلك: فالجانب الأخلاقي (القيم الإسلامية) مجال مهم في الممارسات الاقتصادية؛ ولذلك نقول: إن الاقتصاد الإسلامي اقتصاد قيمي: أي ذو عمق أخلاقي وقيمي، وليس خاليًا من القيم، ولذلك فمثلًا: قضية الغش والتدليس والنجش وغيرها من المحرمات في المعاملات لا يجوز أن يمارسها المسلم، كذلك فالمسلم مطالب بالصدق والشفافية من منطلق ديني، وليس من منطلق دنيوي فقط، وكذلك، فإن الاقتصاد غير الإسلامي لا يدخل فيه العقاب الأخروي البتة، بل هم ينظرون للحياة الدنيا على أنها هي النهاية، ويتصرفون بناء على ذلك، وهذا خلاف ما عليه المسلم الحق الذي يستشعر رقابة الله -سبحانه- عليه؛ ولذلك لو أخذ المسلمون بجميع الضوابط الشرعية التي أمرهم الله بها لما احتاج الناس إلى أجهزة رقابية، وحتى مع الضعف الموجود في المسلمين، فما تزال الرقابة الذاتية تؤجج إيمان الشخص المسلم وتخوفه من الموقف بين يدي الله سبحانه وتعالى حتى لو أتي المسلم بعض المخالفات.

ولا شك أن القرار الاقتصادي من الشخص الذي يجعل الآخرة نصب عينيه مخالف لقرار شخص آخر جعل الدنيا الفانية همه الشامل، واقتصاديات الزكاة والصدقة والوقف والإيثار شاهدة على تلك المعاني الجميلة التي رسمها المسلمون ابتغاء الدار الآخرة.

الثالث: العدل:

وهو صمام أمان المعاملات؛ فمن العدل تنطلق كل رؤية الاقتصاد الإسلامي الشاملة واستراتيجيته الواضحة في ضبط حقوق الخلق بعضهم مع بعض؛ والعدل قامت عليه السماوات والأرض، وفي المقابل حرم الله -تبارك وتعالى- الظلم على نفسه، وجعله على الناس محرما.

ويستطيع الناظر للمعاملات المالية أن يرجع إلى العدل بمعناه الشامل مجموعة من الضوابط والقواعد والمنهيات التي بثها الإسلام في تعاليمه.

وهناك عدة مناه شرعية تنبثق من العدل، منها مجموعة مناو تؤدي إلى «تحريم أكل أموال الناس بالباطل»، وتدخل فيها كل النواهي الشرعية التي منعت ذلك الإثم العظيم، ومنها: الربا، والغلول، والرشوة، والنجش، والغش، والتدليس، والحلف المنفق للسلعة كذبا، وغير ذلك؛ وهذه منعت لأجل أن وجودها يؤدي إلى ظلم أحد طرفي العقد على حساب الطرف الآخر، ومجموعة مناو شرعية أخرى تدور حول «الغرر والجهالة»، والمقصود أن الشرع نهى عن بعض المعاملات، لأنها تؤدي إلى غرر وجهالة في العقد، ويمكن أن تحرم أحد طرفي العقد من العدل الذي كفله الشرع له، ويدخل فيها: تحريم الغرر الفاحش، والميسر والقمار، والبيوع المبنية عليها كبيع الحصاة، ويدخل فيه من القضايا المعاصرة تحريم اليانصيب.

الرابع: الابتلاء:

فالابتلاء يقصد به اختبار العبد في محبته لربه - تبارك وتعالى - واتباعه لأوامره عموما، وفي باب الأموال على وجه الخصوص، فمثلا: يؤمر بالزكاة والنفقة الواجبة، والوفاء بالعقود، وأداء الأمانات، وينهى عن الربا والغش والضرر، فعلى قدر محبته لربه -تبارك وتعالى- يكون تنفيذه وانقياده لهذه الأحكام.

فهذا المقصد ثمرته: تحقيق ركن عظيم من أركان العبودية؛ وهو ركن المحبة الله سبحانه وتعالى وأنها فوق كل محبة؛ قال تعالى: { قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } [التوبة: 24]، فالإنسان مبتلًى بالمال كسبًا وإنفاقًا، قال رسول الله : «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه»[2]، وإن مما قد يُبتلى به الإنسان وفرة النعيم، فينظر هل يكون ممن قال الله فيهم: { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } [البقرة: 3]، أو يبخل بها ويمنعها، أو يستغلها في معصية الله؛ فيكون الإنعام عليه من باب الاستدراج، وعند توفر المال لا بد للمسلم أن يخاف من الطغيان؛ لأن الاستغناء من أسباب الطغيان، والطغيان سبب لزوال النعم وسخط الرب عز وجل.

الخامس: التقرب:

فمن مقتضيات صفاته سبحانه أنه شكور رحيم ودود؛ وذلك أنه يسر طرقًا لمن أراد أن يتقرب إليه من عباده، وجعل هذه الطرق منازل يتفاوت فيها المتقربون كل حسب عمله.

ومن الأعمال التي شرعها الله ليتقرب بها العباد إلى ربهم وترتفع بها منازلهم: بذل الأموال في سبيله، فكلما بذل المؤمن من ماله ارتقى منزلة عند ربه، فالزكاة والصدقة والنفقة والقرض الحسن والتخفيف عن المعسر وإنظاره كلها إذا فعلها العبد تعبدًا لله فإنها تؤدي إلى قربه من ربه أكثر ممن لم يفعلها وهو قادر عليها.

قال الله تعالى: { لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ } [الحديد: 10]، وقال الله تعالى: { وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ ۚ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ ۚ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [التوبة: 99]، وعن أبي أمامة I قال: قال رسول الله : «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان»[3].

وصف الله المنفق في سبيله بأنه مقرض لله، وكفى العبد المقرض شرفًا ومكانة أن يكون المقترض هو ربه الغني الكريم، قال تعالى: { مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [البقرة: 245].

صور ونماذج لتميز الاقتصاد الإسلامي عن غيره من النظم الاقتصادية:

يتميز نظام الاقتصاد الإسلامي بعوامل نظرية وأخرى تطبيقية، ففي الجانب النظري تميز الاقتصاد الإسلامي بمراعاة الجوانب المؤثرة في الاقتصاد، وفي الوقت ذاته تتأثر به، وهي: الإنسان، والبيئة، والمال، فقد راعى الإنسان من خلال ضمان حد الكفاية لمعيشته، ووفر ما يضمن عدالة التوزيع، أما في البيئة فقد تضمن النظام الإسلامي توازنًا في التعامل معها؛ حيث نصت الشريعة على أن ما على الأرض من موارد مسخر للإنسان، وفي الوقت نفسه دعا الإنسان إلى المحافظة على البيئة ومواردها، واستغلالها بكفاءة من خلال النهي عن الإسراف والتبذير، ونهاه عن الإفساد في الأرض، وفي جانب المال فقد جعله وسيلة لا غاية لتحقيق العبودية بمفهومها الشامل؛ حيث جعل الملكية الأصلية لله، ويد الإنسان فيه يد استخلاف، فينبغي ألا ينفقه إلا فيما يرضي مالكه الأصلي سبحانه.

أما في الجوانب التطبيقية فقد تميز الإسلام بتأسيس عناصر تشكل مالية الدولة من حيث الإيرادات والنفقات، ومن ذلك: الزكاة والخراج والفيء، وكذلك تميز في التوازن في الحقوق والمسؤوليات بين الأفراد والجماعة، فللفرد حق التصرف في ماله؛ مالم يضر بتصرفه هذا حقوق الجماعة، وقد يترتب على الفرد مسؤولية مالية يساهم بها لنفع الجماعة وجوبًا أو ندبًا، فالوجوب مثل ما يجب على العاقلة في الديات، وفي الندب مثل دفع المال للإصلاح بين الناس، ومن ثَمَّ جُعل مصرف الغارمين من مصارف الزكاة.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة