مدخل:
من المشاكل التي يواجهها الاقتصاد المعاصر مشكلتا: غسل الأموال والاقتصاد الخفي، وهما ظاهرتان موجودتان في كل دول العالم، تستنزفان جزءًا كبيرًا من الاقتصاد الوطني، والعلاقة بينهما علاقة وطيدة؛ حيث إن غسل الأموال هو الجسر الذي تعبر عليه في الغالب مدخرات الاقتصاد الخفي منتقلة من عالم الاقتصاد الخفي إلى عالمه الظاهر.
مجموعة من العمليات المالية لإخفاء المصادر غير المشروعة للأموال[1].
- خلط الأموال غير المشروعة بالأموال المشروعة بحيث تظهر وكأنها كلها مشروعة.
- شركات الواجهة: شركات تمارس أنشطة مشروعة كواجهة تخفي خلفها أنشطة غير مشروعة.
- تهريب العملة: نقلها من بلد إلى بلد آخر.
- تحويل النقد من وسيلة إلى أخرى؛ كتحويل الأموال إلى شيكات سياحية أو مصرفية.
- شراء الأصول العينية؛ كالعقارات والسيارات، وتسجيلها بأسماء آخرين.
- وهناك طرق أخرى متعددة وجديدة، وكثيرًا ما يصعب على القائمين على مكافحة جريمة غسل الأموال اكتشافها، وهو ما يشكل أحد الصعوبات التي يواجهونها.
يعد الاقتصادي جوتمان أول من لفت الانتباه إلى هذه الظاهرة، عندما نشر بحثه عن «الاقتصاد الخفي»، الذي أشار فيه إلى أن المعاملات الاقتصادية التي لا يتم تسجيلها ضمن حسابات الناتج الوطني ليست بهذا القدر الهين الذي يمكن معه إهمالها، ونتيجة لذلك حاول الكثير من الاقتصاديين إثبات الفرضية التي طرحها جوتمان، وذلك من خلال التأكد من الأهمية النسبية للاقتصادات الخفية في دول العالم المختلفة، ولقد أثبتت هذه الدراسات أن الاقتصادات الخفية بلغت نسبًا لا يمكن إهمالها من إجمالي النشاط الاقتصادي في كل العالم، بل ثبت أنها -في بعض الحالات- تنمو بمعدلات لم تشهدها الاقتصادات الرسمية، ولقد أدى ذلك إلى تصاعد الاهتمام في الكثير من دول العالم، خصوصًا المتقدمة منها، بحجم ومستوى نمو أنشطة الاقتصاد الخفي[2].
ولا تتعارض مع الأعراف والمبادئ والقيم والعادات الموروثة؛ مثل: كل الأعمال المنزلية التي يقوم بها أفراد الأسرة الواحدة، أو بمساعدة جيرانهم وأقربائهم في المناسبات المختلفة، وهي التي لا يتم تسويقها بل يتم استهلاكها داخل المنزل، مثل: طهي الطعام، وتنظيف الملابس، وتنظيف المنزل، والعناية بالحدائق المنزلية، وأعمال الصيانة الخفيفة للمنزل، أو لبعض الأجهزة والأدوات، وكل الأعمال التي يقوم بها أصحاب المنشآت الصغيرة الصالح منشآتهم دون أن يتقاضوا عليها عوائد مباشرة، كذلك استخدام المرء لسيارته الخاصة كسيارة أجرة، واستخدامه لمنزله أو جزء منه للإيجار بشكل غير رسمي، أو لمشاريع أخرى؛ لأنه لا يتم قيد أي من تلك الأنشطة في حسابات الناتج الوطني.
ومنها تجارة المخدرات، والسلع المسروقة والمهربة، والقمار، وتهريب البشر بين الدول، والرشا، والاختلاسات، وكل صور الفساد المالي التي تؤدي إلى كسب المال بطرق غير مشروعة، مثل المقايضات غير الرسمية وغير المشروعة بالسلع والخدمات والمصالح والمنافع التي تقود إلى الفساد الإداري والمالي، واخفاء آثار تلك العمليات وقيودها المحاسبية في القطاعين العام والخاص.
يمكن تحديدها بما يلي:
1- أنه اقتصاد لا يخضع للرقابة الحكومية، ولا تدخل مدخلاته ومخرجاته في الحسابات الوطنية، ولا يمسك دفاتر نظامية، ولا يلتزم بالتشريعات والأنظمة، ولذلك يعتمد السرية في عمله.
2- أنه يتهرب من كافة الاستحقاقات المترتبة عليه تجاه الدولة؛ سواء كانت (رسومًا أم ضرائب أم خططًا أم تقديم بيانات.. إلخ)، ويستفيد من أغلب الخدمات المقدمة لغيره من القطاعات وبكل أشكالها.
يعود ظهور الاقتصاد الخفي إلى عدة أسباب أهمها:
1- الأنظمة الضريبية غير العادلة، والتي تدفع الأفراد والمنشآت إلى البحث عن الحيل والطرق التي تمكنهم من التهرب من الضرائب وتزوير الحسابات، أي أنها تقودهم إلى الاقتصاد الخفي بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
2- الأنظمة السياسية غير العادلة، والتي بدورها تخلق أنظمة اقتصادية واجتماعية غير عادلة أيضًا.
3- وجود أنظمة مقيدة لبعض الأعمال على فئات من المجتمع، مثل تقييد الموظف الحكومي عن العمل الحر في بعض الدول.
4- أن مستويات الأجور المادية المتدنية والتي لا تتناسب مع مستوى المعيشة، وأنظمة الحوافز والترقيات التي تفتقر إلى العدالة، قد تشجع الأفراد الذين يقع عليهم الظلم على الانحراف، وتدفعهم إلى التهرب من الوظائف الرسمية إلى الوظائف الخفية.
5- أن ظهور الفساد الإداري والمالي لا شك يؤدي إلى ازدياد وتفاقم مشكلات الاقتصاد بكافة أشكاله؛ وبالتالي استبداله باقتصاد ظل جديد.
الآثار الاقتصادية للاقتصاد الخفي:
1- اقتصاد الظل يؤدي إلى تزايد معدل التهرب من دفع الضرائب والرسوم والغرامات؛ حيث تفقد الحكومة إيرادات كبيرة تؤثر سلبًا على ميزانيتها العامة؛ وعلى مستوى الإنفاق العام، ثم على مستوى التنمية الاقتصادية بشكل عام، وقد يؤدي ذلك بالحكومات إلى اتباع سياسات اقتصادية أكثر تعقيدا، مثل: زيادة الضرائب والرسوم والغرامات، وتعقيد الإجراءات الإدارية والتنظيمية والأمنية والقضائية، وزيادة النفقات العامة الجارية على حساب الإنفاق الاستثماري، وعلى حساب الإنفاق على البنية الأساسية دون مبررات منطقية.
2- إعطاء معلومات وإحصائيات مضللة عن الإمكانات الاقتصادية الحقيقية للمجتمع، مما يؤدي إلى سوء تخصيص الموارد الاقتصادية والخلل في توزيع الناتج المحلي.
3- يضعف وجود الاقتصاد الخفي من قدرة الحكومة على تنظيم النشاطات الاقتصادية.
4- الاقتصاد الخفي يؤدي إلى هدر الموارد المادية والبشرية وسوء استغلالها، بسبب غياب الأنظمة الاقتصادية العادلة، التي يجب أن تأخذ بعين الاعتبار المصلحة العامة وحاجيات المجتمع الأساسية، لا المصالح الخاصة والربح السريع الناتج عن عمليات تجارية واقتصادية غير مشروعة، ولا تتناسب وحاجات الأفراد والدول والمؤسسات.
5- معظم المعاملات في الاقتصاد الخفي تتم بالشكل النقدي المباشر، وبالتالي فإن زيادة الأنشطة المختلفة في إطار معاملات الاقتصاد الخفي ستؤدي إلى زيادة الطلب على النقود وليصبح أحد الدوافع الأساسية للاحتفاظ بها، وهو ما سيؤثر على فعالية السياسة النقدية، بسبب زيادة اعتماد التعاملات في مجال التستر التجاري على الأساس النقدي، والتي تشكل في حقيقتها احتياطيات البنوك والنقود السائلة المفترض أن تكون تحت تحكم وسيطرة السلطة النقدية.
الفصل الرابع عشر التخلف والتنمية الاقتصادية
الفصل الرابع عشر: التخلف والتنمية الاقتصادية
من المهام الرئيسة للقائمين على اقتصاد أي دولة: تنميته والسعي إلى تعزيزه، والارتقاء به؛ حيث تستهدف التنمية زيادة معدلات الإنتاج السنوي في الاقتصاد الوطني، الذي يؤدي إلى زيادة الدخل بالنسب التي تستهدفها خطة التنمية؛ الأمر الذي يؤدي بدوره إلى زيادة معدلات الاستهلاك، لدرجة يصبح معها معدل دخل الفرد السنوي أحد المعايير الأساسية المعتمدة في قياس رفاهية الشعوب وازدهارها الاقتصادي في الوقت الحاضر.