أصبحت كلمة الإدارة من الكلمات الذائعة الصِّيت، والمنتشرة على ألسنة الكثيرين، ونجدها لدى من يمارس الإدارة كمفهوم علمي، أو من يمارسها كمفهوم مجتمعي أو حياتي، ومن خلال نظرة موضوعية فإننا نجد أن الإدارة قديمةٌ قِدَمَ الحضارة الإنسانية، فالإنسان منذ بدء الخليقة يمارس الإدارة وهو يعيش مع غيره على هذه الأرض، وقد فرَضت عليه الظروفُ ضرورة التعاون وتنسيق الجهود مع بني جنسه حتى تتوافر للجميع متطلباتُ الحياة والعيش الكريم.
| * لا توجد رياح مواتية للسفن بلا وجهة * |
| هذا هو الدور الذي تقوم به الإدارة. إنها تدير دفة السفينة نحو الوجهة المقصودة. |
وبالعودة إلى المعاجم اللغوية؛ فإننا نجد أن الإدارة مصدر الفعل (أدارَ)، وتعود كلمة الإدارة باللغة الإنجليزية (Management) إلى أصل لاتيني وهي كلمة (Manus)، وهي تعني (To Lead by Hand) أي القيادة باليد، وهذا يعني أن أصل الإدارة هي قيادة الآخرين نحو مسار محدد. وكان الاستخدام الأول لمصطلح (Management) في عام 1670م، وكان يتعلق بمفهوم تيسير شؤون الأعمال[1].
[تمهيد]
وقد تعددت التعريفات لعلم الإدارة بناءً؛ على المدخل الدلالي للتعريف، أو بناءً على التطور التاريخي لعلم الإدارة وتطبيقاته المختلفة، ويمكننا القول بأن الخبراء والممارسين للإدارة لم يتوصلوا إلى تعريف دقيق ومتفقٍ عليه؛ وذلك نظرًا لتداخل علم الإدارة مع تخصصات مختلفة، بالإضافة إلى التغيرات المتلاحقة في الأفكار والممارسات الإدارية،
أبرز التعريفات:
ومن أبرز التعريفات ما يلي:
· فرديرك تايلور: الإدارة هي أن تعرف بالضبط ماذا تريد، ثم تتيقن من أن الأفراد يؤدونه بأحسن طريقة ممكنة وأرخصها[2].
· كونتز وأودر ونال: الإدارة هي تنفيذ الأشياء عن طريق الآخرين[3].
· هولت: عملية التخطيط والتنظيم والقيادة والرقابة التي تشتمل على الموارد البشرية والمادية والمعلوماتية في بيئة تنظيمية[4].
· ريتشارد دافت: إنجاز أهداف المنظمة بأسلوب يتميز بالكفاءة والفاعلية؛ من خلال التخطيط والتنظيم والقيادة والرقابة على الموارد التنظيمية[5].
ويمكننا القول - من خلال هذه التعريفات - بأنها لا يتعارض بعضها مع بعض، فالإدارة هي مجموع الأنشطة التي ذُكرت في مختلِف التعريفات، فهي تشمل تحديد الأهداف والسياسات والبرامج، وتوفير الموارد البشرية والمادية، ووضع جميع هذه الموارد ضمنَ عمليات وإجراءات محددة؛ لخدمة أهداف المنظمة، والإشراف والرقابة على العمليات؛ لتحقيق أفضل أداء ونتائج بفعالية وكفاءة.
[خلاصة]:
ويمكننا تلخيص ذلك من خلال القول بأن الإدارة هي: (تنفيذ الأعمال بفعالية وكفاءة من خلال الآخرين، باستخدام عمليات التخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة، والاستفادة من جميع الموارد التنظيمية).
1- الفعالية:
تعني القدرة على اختيار الأهداف المناسبة.
| * هناك فروق جوهرية بين الفعالية والكفاءة * |
| تتعلق بنجاح العملية الإدارية |
فالمدير الفعال هو الذي يختار أهدافًا واقعية قابلة للإنجاز، وتتوافق مع احتياجات الفئات المستهدفة من مشروعه الإداري، ويمكننا أن نقول: إن الفعالية هي أداء الأعمال الصحيحة.
2- الكفاءة:
[معناها]
تعني أداء النشاط أو العمل المطلوب بأفضل طريقة ممكنة، فالمدير الكفءُ هو الذي يحقق أفضل نتائجَ أو مخرجاتٍ بالمقارنة مع الموارد والمدخلات المستخدمة في إنجازه، ويمكننا أن نقول: إن الكفاءة هي أداء الأعمال بطريقة صحيحة.
نموذج عُمَري في اختيار الأكفأ:
عزل عمرُ رضي الله عنه شرحبيلَ بن حسنة رحمه الله، فقال: يا أمير المؤمنين، أعن سخطة نزعتني؟ فقال: لا، ولكن رأينا من هو أقوى منك، فتحرجنا من الله أن نُقِرك وقد رأينا من هو أقوى منك.
ومن أجمل ما أُثِر عن عمر في هذا المعنى قوله: «اللهم إني أشكو إليك جَلَدَ الفاجر، وعَجْزَ الثقة»[6].
| * تمرين * |
| قارن بين الكفاءة التي أرادها عمر رحمه الله وبين الكفاءة التي تناولناها هنا. |
الفرق بين الفعالية والكفاءة:
ويمكننا من خلال المصفوفة التالية أن نتعرف على الفروق الجوهرية بين مفهومَيِ الفعالية والكفاءة، وعلاقتهما بنجاح العملية الإدارية.
|
| أداء الأعمال بطريقة صحيحة (الكفاءة) | ||
| منخفضة | مرتفعة | ||
| أداء الأعمال الصحيحة (الفعالية) | مرتفعة | النتائج: فعال، ولكن غير كفء (أُدِّيت الأعمال الصحيحة، وهناك موارد غير مستغلة جيدًا). الأثــر: منتجات وخدمات تتوافق مع متطلبات العملاء، ولكنها ذات تكلفة عالية. | النتائج: فعال، وكفء معًا ( أُدِّيت الأعمال الصحيحة، واستغـلال المـوارد جيدًا). الأثــر: منتجات وخدمات تتوافق مع متطلبات العملاء، وذات جودة متميزة، وتكلفة مناسبة. |
| منخفضة | النتائج: غير فعال، وغير كفء (لم تُؤدَّ الأهداف الصحيحة، وهناك موارد غير مستغلة جيدًا). الأثــر: منتجات وخدمات لا تتوافق مع متطلبات العمـلاء، وذات جودة منخفضة. | النتائج: كفء، ولكن غير فعال (اُستغلت الموارد جيدًا، ولكن أُدِّيت أعمال غير ملائمة). الأثــر: منتجات وخدمات ذات جودة متميزة، ولكنهـا لا تتوافـق مع متطلبات العملاء. | |
3- العمليات الإدارية:
الإدارة تتم وفق عمليات تتضمن مجموعة من الأنشطة المرتبط بعضها ببعض، مكونةً علاقات متداخلة فيما بينها، وهذه العمليات تُودَّى بطريقة نظامية؛ فلها مدخلات، ومخرجات، وإجراءات تحويلية، وتغذية راجعة، وهي تتفاعل مع مجموعة من العوامل البيئية؛ الداخلية والخارجية.
وتتفق معظم المراجع الإدارية على أن أبرز العمليات الإدارية هي:
· التخطيط: ويتضمن أنشطة تحديد الأهداف، والإستراتيجيات، والسياسات، والبرامج التنفيذية؛ لتحقيق غايات المنظمة ورؤيتها.
· التنظيم: ويتضمن تحديد المهام التي ينبغي القيام بها، وتوزيع هذه المهام على مستوى الموظفين والأقسام داخل المنظمة، وتحديد الصلاحيات والمسؤوليات الإدارية، وآليات اتخاذ القرارات.
· التوجيه: ويتضمن تحفيز الموظفين وتوجيههم نحو تحقيق الأهداف، واختيار وسائل الاتصال الفعالة مع الموظفين، ومعالجة أي تعارض أو نزاع قد ينشأ داخل المنظمة.
· الرقابة: وتتضمن قياس أداء الموظفين والمنظمة، ومقارنة الأداء الفعلي بالمستهدفات المحددة، والقيام بالإجراءات التصحيحية اللازمة للأداء.
4- الموارد التنظيمية:
وتعني جميع الموارد والمدخلات التي تتطلبها العمليات الإدارية للمنظمة، وتشمل: الموارد البشرية، والمالية، والمادية، والمعرفية.
[تمهيد]:
أصبح التميز الإداري في عصرنا الحالي أحد أبرز مؤشرات تقدم الأمم ونهضتها.
ولذا فلا غرابة أن نرى التسابق الكبير بين مختلِف الأفراد والمنظمات والدول في عصرنا الحالي نحو تعلم الإدارة بمختلف فنونها، والسعي الدؤوب إلى اكتساب مهاراتها وتطبيق أحدثِ نظرياتها.
ولو ألقينا نظرة سريعة إلى العناصر الرئيسة التي تجعل من الإدارة أمرًا حيويًّا لأي فرد أو منظمة أو مجتمع، فسنجد أن من أبرز تلك العناصر:
تحقيق الأهداف:
فالإدارة تُسهِم في حصر الموارد وتنسيقها بطريقة فعالة، وتوجيه الجهود الجماعية نحو تحقيق الأهداف المشتركة، وتخفيض الهدر الناشئ عن عدم التخطيط السابق.
| * الأهــداف ليست ضرورية لتحفيزنا فحسب * |
| بـل هـي أساس فعلا لبقائنا علـى قيـد الحيـاة. روبرتشولر |
الاستخدام الأمثل للموارد:
تسهم الإدارة في الاستخدام الأمثل للموارد التنظيمية المتاحة؛ ويعزز ذلك من الكفاءة، ويقلل من هدر الموارد، ويخفض من التكاليف، ويسهم في تحقيق الاستدامة المؤسسية للمنظمات.
المحافظة على التوازن والاستقرار:
وهذا يعني أن تبقى المنظمة على اتصال مع البيئة المتغيرة خارجيًّا وداخليًّا، وذات مقدرةٍ على التكيف المستمر مع مختلف التغيرات الناشئة؛ مما يعزز من التنافسية ومعدلات النمو، ويقلل من احتمالية إغلاق المنظمات، وفِقدان العاملين لوظائفهم.
تحقيق الرخاء الاقتصادي:
الإدارة الفعالة تعود بالنفع على المنظمات والمجتمع على حدٍّ سواء، فهي تسهم في تحقيق إنتاجية قصوى بأقل تكلفة ممكنة، وتعزز من توفير فرص العمل لأبناء المجتمع، وتسهم في تحقيق أداءٍ اقتصاديٍّ يساعد بدوره في رفاهية المجتمعات وتحسين مستويات المعيشة.
| رسخ الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله مفهوم التنظيم الإداري في أركان دولته وجعله من أولوياته |
| وقسم الأعمـال مثل: القضاء، بيت المـال، التربية والتعليم، الاقتصاد. |
تطوير الكفاءات البشرية:
تُسهم المنظماتُ الإدارية الحديثة في تطوير الكفاءات البشرية لديها، وذلك يؤدي إلى رفع مستوى الوعي الإداري والفكري لدى هذه الكفاءات، ويؤهلُها لتبـوُّء مناصبَ قياديةٍ مستقبلية في المنظمة ذاتهـا أو في منظمات المجتمع الأخرى.
تنظيم المجتمعات:
تؤثر المنظمـاتُ في مختلِف جوانبِ الحيـاة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، بـل يمتـد تأثيرُها إلى المعتقـدات الدينيـة والحيـاة الأسريـة، وتُسهم الإدارة الفعالة لهذه المنظمات في تنظيـم شئـون المجتمع وتحقيق حاجات أفـراده ورغباتهم بشكل متوازن وبما يتوافق مع الخطط الإستراتيجية للدول والمجتمعات.
تطوير منهجية صناعة القرارات:
يقوم المديرون باتخاذ العديد من القرارات بشكل دوري، وتسهم منهجياتُ الإدارة الحديثة في تزويدهم بالطرق والأدوات العلمية في صناعة القرارات الفاعلة، وكيفية تقويم البدائل، وتحليل المخاطر المحتملة من جرَّاءِ القرارات المتخذة، وكيفية تقليل هذه المخاطر إلى أدنى احتمالية ممكنة.