مراحل عملية التخطيط:
[تمهيد]

يمر التخطيط بمجموعة من المراحل المنهجية، ونستعرض فيما يلي أبرزَ هذه المراحل:
أولاً: الإعداد للتخطيط:
وتعتبر هذه المرحلةُ تمهيديةً لعملية التخطيط، وتقوم فيها المنظمة باختيار الفريـق المشـارك في عمليـة التخطيط، ويتفاوت نوعيةُ وعدد المشاركين بناءً على الخطة المطلوبِ إعدادُها؛ ففي حالة الإعداد للتخطيط الإستراتيجي نجد أن فريق التخطيط يشمل أعضاء مجلس الإدارة وكبارَ التنفيذيين في المنظمة، وفي حالة الإعداد للتخطيط التكتيكي والتشغيلي فإننا نجد أن فريق التخطيط يشمل مشرفي الأقسام ومديري الوحدات الإدارية؛ كلٌّ حسب اختصاصه.
كما تشمل مرحلةُ الإعداد للتخطيط التحقق من فهم المشاركين للمنهجيات والأدوات المستخدمة في عملية التخطيط، وتهيئة جميع المتطلبات اللوجيستية للفريق المشارك في الإعداد، وتوفير المعلومات والتقارير والدراسات اللازمة للبدء في التخطيط، وإعداد جدول الأعمال ومواعيد الاجتماعات وورش العمل.
ثانيًا: تحليل الوضع الراهن
لا تستطيع أي منظمة أن تعمل بمَعزِل عن البيئة المحيطة بها، فالمنظمة تحصل على مدخلاتها من البيئة، كما أنها تقدم مخرجاتها إلى هذه البيئة[1]، وتُستخدم في مرحلة تحليل الوضع الراهن مجموعةٌ من الأدوات التحليلية المساعدة، ومن أبرزها:
1- التحليل الرباعي SWOT: ويشمل التحليل الخارجي للفرص والتهديدات، والتحليل الداخلي لنقاط القوة والضعف. ويقوم مديرو التخطيط بتوفير بيانات البيئة المحيطة بالمنظمة، ومناقشة هذه البيانات وتحليلها عبر ورش العصف الذهني مع فريق التخطيط.
2- تحليل الأطراف ذات العَلاقة: حيث يقوم فريق التخطيط بحصر جميع الأطراف ذات العلاقة بالمنظمة أو الوحدة الإدارية، ودراسة متطلبات كل طرف من الأطراف، ويمكن تحديدُ هذه المتطلبات من خلال ورش تركيز مع مختلف الأطراف، أو من خلال المقابلات الميدانية.
3- تحليل بورتر الخماسي: وهو إطار عمل قام بتطويره «مايكل بورتر»، ويشمل خمسة عوامل يقوم فريقُ التخطيط بتحليلها (انظر الشكل أدناه) ويخلُص بورتر إلى أنه كلما زادت قوة عامل من هذه العوامل، تقلصت بدرجة كبيرة قدرةُ المنظمة على المنافسة[2].

ثالثًا: تحديد رؤية ورسالة المنظمة
وتقوم المنظمات بإعداد رؤيتها ورسالتها عند قيامها بالتخطيط الإستراتيجي. وتشير الرؤية إلى الصورة التي تود المنظمة تحقيقَها في المستقبل، وتشمل ثلاث عناصر رئيسة؛ وهي: الموقع الإستراتيجي، والميزة الإستراتيجية، والدور الإستراتيجي للمنظمة. أما رسالة المنظمة فهي خطاب مختصر توجهه المنظمة إلى مختلِف الأطراف ذات العلاقـة، وتتضمن تحديدًا لمجال عمل المنظمة، والفئـات المستهدفة من خدماتها، وتُبرز الرسالة أهم القيم والمعتقدات الفلسفية التي يقوم عليها عملُ المنظمة.
| تشمل الرؤية ثلاثة عناصر.. |
| الموقع الإستراتيجي.. الميزة الإستراتيجية.. الدور الإستراتيجي للمنظمة. |
ويوضح الجدول التالي أبرز الفروق بين الرسالة والرؤية[3]:
| وجه المقارنة | الرسالة | الرؤيـــــة |
| المعنى | غرض المنظمة وأنشطتها | صورة تودُّ المنظمة تحقيقها |
| درجة العمومية / التحديد | أكثر عمومية | أكثر تحديدًا |
| التغطية الزمنية | تغطي عمر المنظمة | تغطي فترة من عمر المنظمة |
| قربها من الأهداف | بعيدة نسبيًّا | قريبة نسبيًّا |
| درجة الثبات / المرونة | أكثر ثباتًا | أكثر مرونة |
هل تستطيع أن تحدد رسالة المنظمة التي تعمل بها الآن ورؤيتها؟
الرسالة: ...........................................................................................
الرؤيـة: ............................................................................................
رابعًا: تحديد الأهداف:
وتعتبر هذه المرحلةُ الأكثرَ أهمية في مراحل التخطيط المختلفة. وتُعرَّف الأهداف بأنها: الأغراض والغايات التي يراد تحقيقها في المستقبل[4]، وتتنوع الأهداف تبعًا لأهميتها الإستراتيجية والتشغيلية، أو فترتها الزمنية، أو موقعها الوظيفي من الهيكل التنظيمي للمنظمة. وتتميز الأهداف الفعالة بمجموعة من الخصائص المميِّزة لها، وهي:
1- أن يكون الهدف محددًا: ويعني ذلك أن يكون سهلَ الفهم، ويصف النتائجَ المستقبلية بوضوح، ويحدد الإجراءاتِ الواجبَ اتخاذُها لتحقيق الهدف.
2- أن يكون قابلًا للقياس: حيث يصف كيفية قياس الهدف بشكل رقمي أو وصفي أو نسبي، ويجيب عن تساؤلات: كيف أعرف أن الهدف قد تحقق؟ وما المستوى المطلوب من الأداء لتحقيق النتائج المستهدفة؟
3- أن يكون قابلًا للتحقيق: بأن يكـون الهـدف واقعيًّا، وقابلًا للتحقيق بنـاءً علـى المهـارات والقـدرات والإمكانات المتاحة لفريق العمل، وأن يكون الهدف ضمن نطاق مهام العمل المحددة، وصلاحيات ونفوذ المنوطِ بهم تحقيقُ النتائج.
4- أن يكون ملائمًا: فلا يتعارض الهدف مع الأهداف الأخرى في المنظمة، ويكون متوافقًا مع طبيعة عمل المنظمة أو الوحدة الإدارية، ولا يتعارض كذلك مع السياسات والقواعد المتبعة في المنظمة.
5- أن يكون مؤطرًا زمنيًّا: وهذا يعني أن يكون للهدف (بداية زمنية ونهاية) لتحقيقه، ويتضمن خطواتٍ إجرائيةً محددة، ويضع خطة للرصد والمتابعة والتقويم على المدى القصير والطويل.
خامسًا: تحديد المبادرات والمشاريع التنفيذية:
تُحدد في هذه المرحلة المبادرات والمشاريع التنفيذية اللازمة لتحقيق الأهداف المحددة، ويُقصد بالمبادرات «الأفكار الإبداعية غير المسبوقة والقابلة للتطبيق»، أما المشروع فقد عُرِّف من قِبَل معهد إدارة المشروعات بأنَّه: «مسعًى مؤقت من أجل إنشاء منتج متفرد أو خدمة أو نتيجة متفردة»[5]. كما يُحدد في هذه المرحلة جميع المتطلبات والموارد المادية والتقنية والبشرية اللازمة لتطبيق المبادرات والمشاريع التنفيذية.
سادسًا: وضع خطة العمل:
بعد أن حُددت الأهداف والمبادرات والمشاريع التنفيذية، يَشرَع فريق التخطيط في كتابة الخطة الإجرائية التفصيلية، وهي تُعد جدولة زمنية تجيب عن (ماذا؟ كيف؟ من؟ متى؟)، وتشمل جدولة تنفيذ المبادرات والمشاريع، وتحديد الجهة أو الأفراد المسؤولين عن التنفيذ، وتحديد المواعيد الزمنية للبدء والانتهاء، وآليات الرصد والمتابعة، وتسهم هذه المرحلة في بناء الصورة النهائية لمشروع التخطيط بمراحله المختلفة.
سابعًا: التنفيذ والمتابعة والتقويم:
بعد وضع الكتابة بجميع تفاصيلها، وإقرارها، يبدأ العاملون في المنظمة بتحويل الخطط المكتوبة إلى أفعال، ويقوم المديرون بمتابعة التنفيذ، وممارسة أدوار التوجيه والتفويض والتحفيز؛ وصولًا إلى تحقيق الأهداف المنشودة.
كما يؤدّي المديرون عمليات التقويم والمتابعة للتعرف على مدى التقدم الذي أُحرز، وتحديد الصعوبات والمشكلات التي تقف في طريق التنفيذ، ورفع التقارير الدورية عن سير العمل وتقدمه، وعن المراحل التي أنجزت، وعن الصعوبات التي تؤخر سير العمل، كما تقارن النتائج الفعلية مع النتائج المتحققة.
إن الغاية من المتابعة والتقويم هي تحسين العمليات، وتطوير الخطط المستقبلية بعد تنفيذها بكفاءة وفاعلية، وبالاستناد إلى دورة التحسين المستمر (مبدأ ديمنغ) كما هو موضح في الشكل[6].

خصائص التخطيط الفعَّال:
تمثل خصائص التخطيط الفعال مجموعةً من المحددات المرشدة لممارسي التخطيط، ومن أبرز هذه الخصائص:
1- الأهداف الفعالة: إذ يعتمد نجاح عملية التخطيط بشكل رئيس على كتابة الأهداف بشكل فعَّال واحترافي، فالأهداف تمثل القاعدة الجوهرية لعملية التخطيط.
2- البيانات والمعلومات: تعتمد عملية التخطيط على توفير البيانات والمعلومات الصحيحة للبيئة المحيطة بالمنظمة، وفي حال سوء الفهم لأي منهما فقد يؤدي ذلك إلى تقديرات خاطئة في عمليات التحليل والتخطيط والتنبؤ المستقبلي.
3- المشاركة: يتطلب نجاح التخطيط مشاركةَ جميع الإدارات المعنِيَّة في الإعداد، وربما يتطلب الأمر أيضًا الاستعانة بخبراءَ ومستشارين متخصصين من خارج المنظمة.
4- التكامل: يتسم التخطيط الفعال بتحقيق التكامل بين الأهداف الإستراتيجية والتشغيلية، والتوافق مع الخطط البعيدة المدى والقصيرة المدى.
5- المرونة: يجب أن تكون الخطط الموضوعة مرنة، وقادرة على مواجهة المتغيرات الداخلية والخارجية المحيطة بالمنظمة بسهولة وسرعة.
6- الواقعية: التخطيط هو عمليةُ إيجادِ البدائل الممكنة للمنظمة، وبعض البدائل قد يكون مكلفًا، وبعضها قد يكون أقل تكلفة، ومهمة التخطيط الفعال هي البحث عن أفضل البدائل التي تلبي احتياجات المنظمة مع الحفاظ على تنافسيتها.
7- الكفاءة في استخدام الموارد: لا بد أن تراعي الأهدافُ والخطط الموضوعة الاستخدامَ الأمثل للموارد التنظيمية المتاحة، وأن تكون العوائد المتوقعة مجزية للمنظمة على مدى عمر الخطة.
معوقات التخطيط:
يُعد التخطيط عملية ذهنية مُضْنية، ويواجه العديدَ من الصعوبات والمعوقات في طريقه؛ سواءٌ كان في أثناء مرحلة الإعداد، أو عند التنفيذ، وتتحدث مجلة فوربس الشهيرة عن العناصر المعوقة لنجاح التخطيط، ومن أبرزها:
1- التخطيط لمجرد التخطيط: وهذا ما تمارسه بعض المنظمات حينما تجعل من التخطيط نوعًا من بناء الصورة الذهنية الإيجابية عنها، وفي واقع أمرهم فإن تخطيطهم لا يتجاوز مرحلة إعداد الخطط وكتابة الأهداف بصياغة جذابة وتسويقية.
2- البيئة المحيطة: التعقيدات وعدم الوضوح في البيئتين الداخلية والخارجية المحيطة بالمنظمة يؤدي إلى صعوبة في تحديد الأولويات، وقد يتجاهل فريق التخطيط بعض العناصر البيئية الحرجة؛ وذلك يؤدي إلى ضعف مخرجات التخطيط.
3- الالتزام الجزئي: نجاح تطبيق مخرجات مشروع التخطيط يتطلب التزامًا تامًّا لا جزئيًّا من قِبَل المديرين وكبار التنفيذيين في المنظمة.
4- عدم مشاركة المعنيين: ينبغي أن يشارك المعنيُّون بالتخطيط منذ البداية في مشروع التخطيط، وهو ما يخلق لديهم التزامًا بتنفيذ المخرجات المتفق عليها.
5- مقاومة التغيير: تواجه المنظمات عند الشروع في تنفيذ مخرجات التخطيط مقاومةً للتغيير من بعض الأفراد والوحدات في المنظمة، وهو ما يستلزم إيجاد مشروع لإدارة التغيير، وإقناع الجميع بثمار التغيير الإيجابية على المنظمة والعاملين فيها.
6- ضعف القيادات الإدارية: يجب على إدارة المنظمة أن تكون على استعداد لاتخاذ قرارات صعبة؛ لضمان وضع القيادات المناسبة في المناصب القيادية الصحيحة، وإبعاد القيادات الضعيفة وغير المؤهلة للبدء في التغيير وتنفيذ مخرجات التخطيط.
7- ضعف آليات المتابعة والمساءلة: إن عدم وجود آليات واضحة لمتابعة التنفيذ، وتحديد الصلاحيات، وتوزيع المهام، ومعاقبة المقصرين، ومكافأة المتميزين؛ يؤدي إلى فشل في تحقيق النتائج المرجوة من مشروع التخطيط.
8- عدم الواقعية: يجب وضع العدد المناسب من الأهداف والمبادرات والمشاريع التنفيذية، وبما يوازي المواردَ التنظيمية المخصصة لتطبيق مخرجات مشروع التخطيط.
دراسة حالة
| دراسة حالة | هجرة الحب |
لماذا تتعثر مئات الشركات والمؤسسات في تنفيذ خططها، وتتراجع، مع أن عليها أن تتقدم؟
حتى منتصف القرن الماضي كان حلمُ الأفراد هو الحصول على وظيفة الأحلام، أي الوظيفة التي سيستقرون بها مدى الحياة. ولكي يحصلوا على الوظيفة كانوا مستعدين لفعل أي شيء ابتداءً من الحضور باكرًا، والعمل ساعات إضافية، وإطاعة الأوامر؛ رافعين شعار «مهنة واحدة.. شركة واحدة.. مدى الحياة».
ولكي تحافظ الإدارةُ على وهج الحلم وبريقه كانت تستخدم سياسة العصا والجزرة.
أما الآن فقد خسر مئات الآلاف حول العالم وظائفَهم بسبب التكنولوجيا والمنافسة على الخبرة لدى الشركات والمؤسسات.
ويظل السؤالُ قائما.. ما الذي دفع بالألوف من المصريين الفقراء أن يُكِبوا لمدة تتجاوز العشرين عامًا في بناء الأهرام التي يزيد عدد أحجارها عن مليوني حجر؟ ويزن أصغرُها نصف طن؟ هل هي السخرة؟ أو البحث عن لقمة العيش؟ أو هي الرؤية المشتركة والهدف الأعلى الذي يؤمنون به؛ من أصغر عامل إلى أكبر مهندس، إلى الفرعون نفسه؟
إن عملًا كادحًا بلا رؤية يغدو عبودية .. ورؤية بلا عمل تظل حلمًا وسرابًا ..
أما الرؤية الممزوجة بخطة عمل فهي مطلبنا؛ لأنها تفجر الطاقات.
ناقش من خلال الحالة السابقة: ما المفاتيح التي يمكن استخدامها لفتح قلوب الموظفين للعمل وفق خطة قابلة للتطبيق ؟
نموذج من نماذج التخطيط النبوي:
من أهم الترتيبات (الخطط) التي أعدها المصطفى صلى الله عليه وسلم، ونفذها من أجل الوصول إلى دار الهجرة:
· تدبير احتياجات الهجرة: أي تحديد الاحتياجات الأساس للرحلة؛ كالمال ووسائل النقل ومؤونة الطريق.
· السماح لأبي بكر الصديق بمرافقته في الهجرة.
· اتباع خط سير مخالف لما كان يتوقعه الأعداء.
· اللجوء إلى الغار لحماية نفسه ورفيقه، وللراحة من عناء السفر.
· خصَّص من يكون مع أهل مكة صباحًا ويأتيه بالأخبار مساءً (عبدالله بن أبي بكر).
· خصص من يحضر لهما الطعام (أسماء بنت أبي بكر).
· كلف عامر بن فهيرة ليرعى الغنم فوق آثارهما[7].
| تمرين.. |
| تأمل قصة هجرة المصطفى ﷺ.. واستنتج منها محاور التخطيط. |
الموضوع في شريحة:
