[ 3 ] التوجيه
تتوقف فاعلية العملية الإدارية على نجاح وظيفة التوجيه؛ باعتبارها الوظيفةَ المنوطَ بها إيصالُ الخطط الإدارية إلى الغايات المقصودة من ورائها. وترتبط وظيفة التوجيه بالعنصر البشري باعتباره أحد الموارد الرئيسة للمنظمة، والتخطيط الجيد والتنظيم الأمثل لا يضمنان قيام الأفراد بتنفيذ الأعمال بما يحقق أهداف المنظمة، بل لا بـد من تعليم الأفراد وإرشادهم وتشجيعهم نحو تنفيذ الأعمال وفقًا للخطط المحددة، وفي إطار التنظيم المعتمد.
| دعائم التوجيه الرئيسة هي: |
| الاتصال، والقيادة، والدافعية والحوافز، والتعامل مع الصراع في بيئــة العمل، والتفويض والتمكين. |
ويمكننا تعريف التوجيه بأنَّه: ذلك النشاط الإداري الذي يستهدف توحيد جهود الأفراد والتنسيق فيما بينها، وخلق الرغبة والحافز لديهم لتحقيق أهداف محددة[1]. ويبرز لدينا من التعريف مجموعةٌ من الفوائد التي تجنيها المنظمة من وظيفة التوجيه، وهي على النحو التالي:
· التوجيه يبدأ مع مباشرة الأفراد لتنفيذ خطط الأعمال الموضوعة.
· التوجيه يسهم في تنسيق الجهود وتكاملها بين الوحدات التنظيمية.
· التوجيه من خلال خلق الرغبة والحافز يساعد على أن يبذل الأفراد أقصى جهدهم في تحقيق المستهدفات.
· التوجيه يساعد في تحقيق استقرار المنظمة وتوازنها، والمحافظة على تنافسيتها.
· التوجيه يساعد في إدارة التغيير، ويساعد الأفراد والوحدات التنظيمية على التكيُّف والتلاؤم مع المعطيات الجديدة في المنظمة.
· التوجيه يساعد في تحقيق كفاءة استخدام الموارد التنظيمية، وذلك من خلال حسن توظيف الموارد البشرية وتحديد أدوارها، وكفاءة استخدام الموارد المادية المتاحة، ويُسهم ذلك تبعًا في خفض التكاليف وزيادة الأرباح.
ووظيفة التوجيه تقوم على مجموعةِ دعائمَ رئيسةٍ، ومن أبرزها: الاتصال، والقيادة، والدافعية والحوافز، والتعامل مع الصراع في بيئة العمل، والتفويض والتمكين.
وقد خُصص فصلين مستقلين للحديث عن الاتصال والقيادة، وفي هذا الفصل سوف نتحـدث عن الدعائـم الأخرى للتوجيـه بمزيـدٍ من البيـان والإيضاح، وما يرتبط بهما من نظريات ومبادئ سلوكية في التعامل مع الأفراد في المنظمة.
قم بتوقع الدعائم التي تجعل وظيفة التوجيه ناجحة تجاه الأفراد؟
الإدراك:
[مفهوم الإدراك]
تعتبر عملية الإدراك أحدَ العناصر الأساس في فهم السلوك الإنساني، وسلوكنا يتوقف على كيفية إدراكنا وتفسيرنا للأمور من حولنا، سواءٌ أكان هذا التفسيرُ والإدراك صائبًا أم خطأً. ويُعرَّف الإدراك بأنه: استقبال المثيرات، وتفسيرُها، وترجمتُها إلى سلوك محدد[2].
ويمرُّ الإدراك بالخطوات التالية حسب الشكل أدناه:

[طرق الإدراك]
ويميل الفرد عادة إلى استخدام طرقٍ مختصرة وسريعة للحكم على الآخرين من حوله، وبمعنًى آخر؛ فهو ينزِع نحو إطلاق الأحكام، والوصول إلى نتائجَ سريعةٍ؛ عبر طرق مختلفة للإدراك، ومن أبرزها[3]:
1- تعميم الصفات: حيث يميل الناس عادة إلى تعميم الظواهر استنادًا إلى خصائص أو ملابسات موجودة في هذه الظواهر، وهناك العديد من حالات التعميم؛ فقد يميل الفرد إلى أن يعمم من صفة لأخرى، أو من سلوك لآخر، أو من فرد لآخر.
2- انطباع اللحظة الأولى: يميل البعض إلى الحكم على الآخرين من اللحظة الأولى التي يرونهم فيها؛ على الرغم من تعرض الناس بصورة وقتية لصفات أخرى، ولكنهم يحاولون أن يعمموا هذه الصفات اللحظية أو المؤقتة على باقي الصفات.
3- التنميط: يميل الناس عادة إلى وضع الآخرين في أنماط اجتماعية، ثم يقيِّمون الآخرين بمدى انتمائهم لتلك الأنماط الاجتماعية، أي أن التنميط هو عبارة عن تقويم للفرد بحسب انتمائه إلى جماعة معينة.
4- التشابه: يدرك الفرد الأشخاص من حوله بصورة محببة ومفضلة إذا كان هناك تشابه بينه وبينهم، فالتشابه في النوع أو التعليم أو المستوى المادي أو الجنسية أو الانتماء الجغرافي؛ كفيلٌ بالتأثير في فهم الفرد وإدراكه لمن حوله من الأشخاص الآخرين.
5- الإسقاط: وهنا يرى الشخص صفات الآخرين من خلال صفاته الذاتية، فالشخص الكسول قد يعزو انخفاض أدائه في العمل إلى انخفاض أداء الآخرين.
6- الحكم السابق: وهنا يرى الشخص الآخرين في الصورة التي يودُّها ويرغبها، بمعنى أن مدركاته وعواطفه ومشاعره جاهزة بالفعل، وحينما يرى الآخرين فإنه يرى فيهم الإدراك الجاهـز، فالتاجر مثلا يرى المشكلات أمامـه من زوايا تجارية.
ويقع المديرون في كثير من الأخطاء الإدراكية عن الأشياء والأشخاص من حولهم، وذلك في أثناء ممارستهم لأدوارهم الإدارية المختلفة في المنظمة، ومن أمثلة الأخطاء الإدراكية ما يقع في عمليات التوظيف، وتقويم الأداء، واتخاذ القرارات، وإدارة التغيير، والتعامل مع المشكلات اليومية.
سلوك الفرد في المجموعة:
إن فهم سلوك الأفراد والقدرة على التنبؤ به من العوامل الأساس التي تساعد على نجـاح المديـر في عمله، والمشكلات التي تنشأ نتيجـة للعلاقات الشخصيـة المتبادلة بين الأفراد لا يمكن تجاهلُها، فقد تتحول إلى سلوك خفي بدلًا من التعبير عنها بصورة علنية، ويتمثل ذلك السلوكُ الخفي في ضعف مستوى الأداء، وفِقدان الدافع على العمل.
| أكبر حافز بالنسبة لي هو أن أتحدَّى نفسي دائمًا. |
| أنا أعتبر الحياة مدرسة، ففي كلِّ يوم أتعلَّم درسًا جديدًا.. ريتشارد برانسون |
وقد يواجه الفرد مشكلات تتعلق بمشاعره وعواطفه وتفاعلاته مع أعضاء الجماعة الجديدة التي انتمى إليها، وتخلق هذه المشكلات التوتر والقلق، ويتحدد نمط الفرد تجاه الجماعة من خلال محاولة حله لهذه المشاكل، أو التغلب على التوتر والقلق[4].
وتوصلت إحدى الدراسات إلى وضع إطار عام لوصف أنماط سلوك الأفراد في المجموعة وتحليلها من خلال دراسة للمديرين من مستوى الإدارة العليا والوسطى في أثناء تعاملهم مع مشكلات الجماعة، وركز البحث على متغيرين أساسين للسلوك، وهما: درجة الاهتمام بالعمل، ودرجة الاهتمام بالنواحي الاجتماعية، والإطار يضم أربعة أنماط للأدوار السلوكية للفرد في الجماعة كما هو موضح بالشكل أدناه[5]:

وهذه الأنماط السلوكية المتباينة توضح أن الأفراد لا يختارون الدور نفسه في العمل، فبعض الأفراد يفضل دور المتخصص الفني، والبعض الآخر يفضل دور المتخصص الاجتماعي، واختيار الفرد للدور السلوكي يتوقف على عدة عوامل؛ منها: الشخصية، نمط الاتصالات، مستوى إشباع الحاجة، ونمط القيادة.
الدافعية والحوافز:
[مدخل]
يُعد موضوعَا الدافعيةِ والحوافزِ من أبرز الموضوعات الإدارية التي تثير اهتمام المديرين في المنظمات الإداريـة؛ إذ يتعلق بهما المـورد الرئيس للمنظمة - وهو المورد البشري- من ناحية كفاءته، وحسن أدائه، وضمان استمراريته بروحٍ عالية في المنظمة، وتعتبر المهمة الرئيسة للمديرين هي توجيه سلوك الأفراد في اتجاه تحقيق الأهداف المطلوبة، والسلوك يعني التصرفات أو الأنشطة التي يقوم بها الإنسان؛ سواءٌ أكانت مادية أو عقلية.
ولقد تعددت تعريفات الباحثين للدافعية، ومن أبرز التعريفات الجامعة للدافعية: أنها قوى داخلية تحرك الفرد وتوجه سلوكه باتجاه معين؛ لتحقيق هدف أو منفعة، أو لإشباع حاجة معينة فسيولوجية أو نفسية[6]. وأبسط طريقة لفهم موضوع الدافعية هو النظر إليها كعملية تضم مراحل متتابعة حسب الشكل أدناه[7]:

[معنى الدافع والحافز]
إذن فالدافع هو: الناتج السلوكي للحاجة أو الرغبة، ويعمل على الوصول إلى الهدف الذي يسُدُّ هذا النقص، ويُقصد بالهدف: أي شيء يعمل على الوفاء بمتطلبات الحاجة. وعلى سبيل المثال: فالشخص الذي لديه رغبة قوية في رفع دخله المادي؛ قد يحاول (الدافع) زيادة ساعات عمله (السلوك) بأمل الحصول على دخل مادي أعلى (الهدف).
أما الحوافز: فهي النتيجة، أو العائد المادي أو المعنوي الموجود في المحيط الخارجي، الذي يود أن يحصل عليه الفرد، ومن أمثلة الحوافز في مجال الأعمال: زيادة الأجر، والأمن الوظيفي، والترقيات الوظيفية، والمركز الاجتماعي، والتقدير، وغيرها.
والمدير الفعال هو الذي يستطيع التعرف على دوافع وحاجات الأفراد التي تؤثر في سلوكهم، ثم يحدد الحوافز التي تشبع هذه الحاجات، فتَلاقي الحوافز مع الحاجات والدوافع يحققُ حالة الرضا عند الفرد العامل[8].
نظريات الدافعية:
[بداية]
تتعدد نظريات الدافعية، وذلك بحسَب التركيز في التعرف على مسبِّبات ونشأة الدافعية، وشرح وبيان العوامل المؤثرة في توجيه السلوك أو تثبيته أو تحويره، وسوف نتعرض إلى أبرز نظريات الدافعية، وتطبيقاتها الإدارية.
| تمرين: فكر ببعض النظريات التي تناولت موضوع الدافعية للعمل أو موضوع الحوافز ؛ التي قد تشكل عاملًا للعطاء والإنجاز لدى الأفراد.. |
1- نظرية سُلَّم الحاجات البشرية:
ولقد تعرضنا لها عند حديثنا عن تطور الفكر الإداري في مدرسة العلوم السلوكية، وتُنسب هذه النظرية إلى العالم (إبراهام ماسلو)، واستند في هذه النظرية على أن هناك مجموعةً من الحاجات التي يشعر بها الفرد، وتعمل كمحرك ودافع للسلوك، ثم رتَّب وصنَّف هذه الحاجات إلى خمس مجموعات رئيسة حسب أولويتها للفرد بشكل هرمي، انظر الشكل أدناه:

2- نظرية الإنجاز:
طُورت هذه النظرية من قِبَل عالم النفس (ديفيد ماكيلاند)، الذي ركز على حاجة الأفراد للإنجاز. وقد افترضت النظريةُ أن هناك ثلاثَ حاجات رئيسة يسعى الناس إلى إشباعها، وهي: القوة، والانتماء، والإنجاز، ومن خلال مجموعة من التجارِب توصل ماكيلاند وزملاؤه إلى الحاجات الرئيسة لدى أفراد الدراسة، وهي[9]:
أ. الحاجة للإنجاز: وتمثل رغبة الفرد الشديدة للنجاح والتفوق والتحدي، ووضع أهداف واضحة وطَموح ويمكن تحقيقها، ورغبة في تلقي تغذية راجعة استنادًا إلى الأهداف.
ب. الحاجة للانتماء: وتمثل رغبة الفرد للعمل والوجود مع الآخرين، والتفاعل الاجتماعي، ومساعدة الغير، والتعلم من تجارب الآخرين، ويشعر الفرد بالبهجة والسرور حينما يكون مقبولًا من الآخرين.
ج. الحاجة للقوة: وهي الميل والرغبة في التأثير في الآخرين، وممارسة النفوذ والرقابة على الغير، والتأثير في سلوكهم، والوصول إلى مركز قيادي.
وتساعد نظرية الإنجاز في الاختيار والتعيين للموارد البشرية، إذ أظهرت الدراساتُ أن مديري الشركات الصغيرة لديهم درجةٌ عالية من الدافع نحو الإنجاز، وأن مديري الشركات الكبيرة يظهرون دوافع قوية نحو القوة والانتماء أكثر من الإنجاز[10].
3- نظرية التوقع:
صاحب هذه النظرية هو الكاتب (فيكتور فروم)، وتفترض النظرية أن دافعية الفرد لأداء عمل معين أو التصرف بطريقة معينة؛ هي محصِّلة للعوائد التي يتوقع أن يحصل عليها الفرد، وشعوره واعتقاده بإمكانية الوصول إلى هذه العوائد. وعلى سبيل المثال: فإنه يمكن تحفيز الفرد للقيام بجهد عالٍ حينما يعتقد أن هذا الجهد سيؤدي إلى حصوله على تقويم جيد، وأن التقويم الجيد سوف يضمن له الحصول على ترقية وظيفية أو زيادة في الراتب، وأن هذه العوائد التي سوف يجنيها ستلبي أهدافه الشخصية. وترتكز النظرية على ثلاث علاقات رئيسة ومترابطة، وهي:
أ. العلاقة بين الجهود المبذولة، والأداء المراد تحقيقه.
ب. العلاقة بين الأداء المراد تحقيقه، والعوائد المتحققة من خلاله.
ج. العلاقة بين المكافأة المراد إعطاؤها للفرد، وبين تحقيق الأهداف الشخصية المراد إنجازها.
ويبين الشكل أدناه العلاقة الرياضية بين عناصر نظرية التوقع:

ويستطيع المديرون الاستفادة من نظرية التوقع عند تصميمهم لنظام إدارة أداء الأفراد، ونظام الحوافز والمكافآت، كما أن مبادئ الإدارة بالأهداف تقوم على وضع أهداف أدائية قابلة للتحقيق، وربطها بأنظمة التقويم والحوافز.
4- نظرية تعديل السلوك:
ويطلق عليها أيضًا نظرية التعزيز الإيجابي، وتركز هذه النظرية على أن السلوك الذي ينتج عنه نتائج إيجابية يميل الفردُ إلى تَكراره، بعكس السلوك الذي له تأثير محايِدٌ أو سلبي؛ فإن الفرد لا يرغب في تَكراره. ومن أهم رواد هذه النظرية العالم (سكينر)، الذي يعتقد أن سلوك الإنسان يمكن تعديله أو التحكم فيه عن طريق التعزيز الإيجابي، ويقصد بالتعزيز الإيجابي تقديم ثواب أو حافز إيجابي في مقابل سلوك معين، ولا يحبذ (سكينر) استخدام وسائل التعزيز السلبي؛ لأنه يؤدي إلى انخفاض الروح المعنوية وزيادة نسبة الغِياب وترك العمل[11].
| الأنماط السلوكية تقع ضمن بُعْدين وهما: الاهتمام بالذات، والاهتمام بالآخرين.. |
وقد توصلت البحوث إلى وجود نوعين من الجداول الزمنية للتعزيز، وهما التعزيز المستمر، والتعزيز الجزئي.
ففي التعزيز المستمر: يُقدم الثواب عقب السلوك المرغوب مباشرة.
أمـا التعزيز الجزئي: فالثواب يُقدم بعد فترة زمنية معينة ثابتة؛ مثل الأجر الأسبوعي والشهري أو يُقدم بعد فترة زمنية متغيرة؛ مثل: زيارة المديرين إلى مواقع العمل في مواعيد مختلفة لمتابعة وشكر العاملين.
ولكي تستخدم نظرية التعزيز الإيجابي بفاعلية، يجب على المديرين مراعاة التالي[12]:
· تحديد السلوك المرغوب فيه بدقة (مستوى الأداء).
· تحديد الثواب (الحافز) الذي يعزز ويدعم السلوك المرغوب.
· جعل الحوافز كنتيجة مباشرة للسلوك.
· اختيار الطريقة والجدول الأمثل لمنح وتَكرار التعزيز الإيجابي.