حجم الخط:

محتوى الدرس (30)

[ 9 ] إدارة الجودة الشاملة

مفهوم إدارة الجودة الشاملة :

يُعد مدخل إدارة الجودة الشاملة من الاتجاهات الحديثة في الإدارة، وتقوم فلسفته على مجموعة من المبادئ التي يمكن أن تتبناها المنظمةُ من أجل الوصول إلى أفضل أداء ممكن، وتعتمد إدارة الجودة الشاملة على استخدام عدد من الأدوات الكمية والنوعية لقياس مدى التحسن في الجودة وتحقيق الأهداف.

ولقد عرَّفت منظمة القياس العالمية إدارةَ الجودة الشاملة بأنها: «عقيدة أو عرف متأصل وشامل في أسلوب القيادة والتشغيل لمنظمة ما، بهدف التحسين المستمر في الأداء على المدى الطويل من خلال التركيز على متطلبات وتوقعات الزبائن مع عدم إغفال متطلبات المساهمين وجميع أصحاب المصالح الآخرين»[1].

ويمكننا تعريف إدارة الجودة الشاملة على أساس الكلمات التي يتكون منها المصطلح كما يلي[2]:

· إدارة: تخطيط جميع النشاطات المتعلقة بتطبيق الجودة وتنظيمها وتوجيهها ومراقبتها، كما يتضمن ذلك دعمَ نشاطات الجودة وتوفير الموارد اللازمة.

· الجودة: تلبية متطلبات العميل وتوقعاته.

· الشاملة: تتطلب مشاركة واندماجَ جميع موظفي المنظمة؛ ومن ثَم ينبغي إجراء التنسيق الفعال بين الموظفين لحل مشكلات الجودة، وإجراء التحسينات المستمرة.

ويقوم منهج إدارة الجودة الشاملة على قاعدة: «العمل الصحيح بدون أخطاء من المرة الأولى»، وهذا يستوجب استخدام مجموعة من المفاهيم والمبادئ الإدارية الحديثة، وترسيخ العمل الجماعي والتعاوني المنسق بين العاملين، واستغلال الطاقات والإمكانات المتوفرة في المنظمة، وتحسينها بشكل مستمر؛ مما يعود بالنفع على المنظمة وعلى من يعمل فيها، وعلى المجتمع الذي تعيش في كنفه، لتحصل في النهاية على رضاه.

المراحل التاريخية لتطور مفهوم إدارة الجودة الشاملة:

بدأ التركيز على مفهوم الجودة في اليابان في القرن العشرين، ثم انتشر بعدها في أمريكا والدول الأوربية، ثم باقي دول العالم؛ حيث تجسد في نهج إداري حديث أطلق عليه اسم «إدارة الجودة الشاملة»، يقوم على مفهوم الإدارة القديم؛ ليتماشى مع التوجهات الحديثة والمعاصرة، التي تؤكد تحقيق الجودة لكسب رضا العملاء؛ تأكيدًا أن مسألة الجودة لا تشمل مجالًا معينًا أو أكثر داخل المنظمة، بل تشملها جميعها.

كما أن الاهتمام بالجودة ارتبط وتداخل مع التطور في علوم أخرى متعددة؛ خاصة علوم الإدارة والإحصاء والحوسبة التي استخدمت أساليبها في تطوير فكر وممارسات الجودة في المنظمات. وارتبط أيضًا تطور الجودة من جهة أخرى بالتطور الاقتصادي والاجتماعي والتكنولوجي في الدول المختلفة؛ متقدمة أو نامية، والذي انعكس سلبًا أو إيجابًا على بيئة الاستثمار والأعمال الوطنية التي تعمل فيها المنظمات، ويمكن أن تكون بيئة محفزة أو معوقة لنمو الأعمال والمنظمات بأنواعها[3].

ولقد كانت العولمة الاقتصادية على وجه الخصوص السببَ الرئيس في تحول الجودة من مجرد أساليب أو عمليات منعزلة في المنظمات، إلى فلسفة إستراتيجية وتوجه تنافسي شامل يمكِّن منظمات الأعمال المعاصرة من التعامل الإستراتيجي مع ذلك العالم المتحول والمتغير، الذي لا يحترم إلا المنظمات المحترفة التي تعي وتفهم وتحترم طبيعة هذا العالم الجديد[4].

ويمكننا من خلال نظرة تاريخية أن نجد أن الوصول لمفهوم إدارة الجودة الشاملة مرَّ بأربع مراحل تاريخية رئيسة، ويوضح الشكل التالي هذه المراحل وأبرز معالمها[5]:


ü ظهور مفهوم رضا العميل.

ü التخطيـــــــط الإستراتيجي للجــــــــــــــــودة.

ü ظهور مفاهيم إدارة التغيير في المنظمات والأفراد.

ü أدوات التحسين المستمر.

ü ظهور مفاهيم تأثير المجتمع في الجودة.

ü ظهور جوائز التميز العالمية.

ü أدوات قياس الأداء.

ü مفاهيم فرق العمل.

ü ظهور أدلة الجودة.

ü ظهـــــــور الأدلـــــة الإجرائية للجودة.

ü ظهـــــور البرامج الحاسوبيـــــــــــــــــة لتأكيد الجودة.

ü شيوع مفهوم أن الجودة مسؤولية الجميع.

ü ظهور مواصفات تأكــــــيد الجــــودة ISO9000/ 1400

ü برامــج تأكـــــيد الجــــــودة.

ü الإجراءات المستندية.

ü إجراءات التأهيل للجودة.

ü ظهور مواصفات تأكـيد الجــــودة مثل الآيزو.

ü اختبار وفحص المنتجات.

ü استخدام الأدوات الإحصائية.

ü عـامـــل ضبــــــــط الجـودة.

ü اكتشاف الأخطاء وتصحيحها.

1990م-حتى الآن

1980م-1990م

1970م-1980م

1960م-1970م

إدارة الجودة الشاملة

TQM

إدارة الجودة

Quality Management

تأكيد الجودة

QualityAssurance

ضبط الجودة

QualityControl


مبادئ إدارة الجودة الشاملة:

اعتمدت اللجنة الفنية ISO/TC176 -بعد دراسة متكاملة لأساسات مفاهيم وفلسفة إدارة الجودة الشاملة- ثمانية مبادئ لإدارة الجودة الشاملة تعكس أفضل الممارسات الإدارية التي اُستند إليها عند إجراء التغييرات في سلسلة المواصفات الدولية ISO9000؛ تلك المبادئ هي[6]:

1- التركيز على الزبون: تعتمد المنظمة على زبائنها في استمرارها ونجاحها، مما يوجب عليها فهم حاجاتهم الحالية والمستقبلية، والعمل على تلبيتها، والسعي بجد لتجاوز توقعاتهم.

2- القيادة: تقع على قيادة المنظمة مسؤولية تحقيق هدف المنظمة الأساس وتوجهها الكلي، وإيجاد البيئة الداخلية المناسبة التي تسمح للعاملين بالمشاركة الفاعلة في تحقيق الأهداف، والمحافظة على تلك البيئة.

3- مشاركة الأفراد: إن الأفراد في جميع المستويات هم ضروريون للمنظمة، والسماح لهم بالمشاركة الكاملة يمكنهم من إظهار قدراتهم ومواهبهم من أجل فائدة المنظمة.

4- مدخل العملية: إن الوصول للنتائج المرجوة يتحقق بصورة أكثر كفاءة عندما تتم إدارة الأنشطة والموارد ذات العلاقة من خلال نموذج العملية.

5- استخدام مدخل النظام للإدارة: إن تحديد وفهم إدارة العمليات المترابطة والمتفاعلة كنظام، يسهم في تحقيق المنظمة لأهداف بفعالية وكفاءة.

6- التحسين المستمر: إن التحسين المستمر للأداء الكلي للمنظمة، يجب أن يكون هدفًا ثابتًا ومستمرًّا.

7- مدخل الحقائق في اتخاذ القرار: إن القرارات الفاعلة هي تلك المستندة على تحليل البيانات والمعلومات، وليس على الحَدْس والتخمين أو الخبرة.

8- علاقات المنفعة المتبادلة مع الموردين: يعتمد كلٌّ من المنظمة والموردين على الآخر، إذ تربطهم علاقة مصلحة مشتركة؛ تؤدي -عند إدارتها بكفاءة- إلى تعزيز قدرتهما على خلق قيمة مضافة لكل منهما.

فوائد إدارة الجودة الشاملة:

تجني المنظمات الإدارية العديد من الفوائد من جرَّاء تبنِّيها وتطبيقها منهجيةً متكاملة لإدارة الجودة الشاملة، ومن أبرز هذه الفوائد ما يلي[7]:

1- زيادة الربحية: وذلك من خلال عمل الأشياء الصحيحة من أول مرة، وتقليل عدد الأخطاء ونوعيتها، وتجنب إعادة الأعمال، مما يؤدي إلى خفض التكلفة وزيادة الربحية.

2- تقوية المركز التنافسي للمنظمة: وذلك من خلال تقديم سلعة أو خدمة ذات جودة عالية وفق طلب العميل، وبسعر جيد بالنسبة للعميل، وفي الوقت الذي يناسبه، وذلك يؤدي إلى كسب رضاه؛ مما يحقق التميز على المنافسين والاستحواذ على حصة أكبر في السوق.

3- المحافظة على حيوية المنظمة: وذلك من خلال أنشطة التجديد والتحسين والتعليم والتدريب، مما يسهم في التكيف مع المتغيرات البيئية بشكل مستمر، ويحقق البقاء والاستمرار للمنظمة.

4- كسب رضا المجتمع: وذلك من خلال إرضاء حاجات العملاء الذين هم جزء من المجتمع، وإشباع رغباتهم، وتحقيق ذلك بأعلى جودة وأقل تكلفة، وأيضًا من خلال المحافظة على البيئة والصحة العامة.

5- تخفيض معدل دوران العاملين: وذلك من خلال الحفز المادي والمعنوي، وتطبيق أساليب العمل الجماعي وروح الفريق، مما يسهم في زيادة الولاء والانتماء للمنظمة.

6- تحسين الأداء والإنتاجية: وذلك من خلال تبني منهجيات فرق العمل، والمشاركة الجماعية في حل المشكلات وتحسين الجودة، والاعتماد على التدريب والتعليم المستمرَّين للعاملين.

7- رفع كفاءة عملية اتخاذ القرار: وذلك من خلال المشاورة والمشاركة، التي توفر معلومات وآراء وحقائق عن موضوع القرار.

8- جعل المنظمات أكثر استجابة للتغيرات البيئية: وذلك يسهم في زيادة القدرة التنافسية، وارتفاع معدلات النجاح والاستقرار.

9- توسيع أفق القيادة الإدارية: من خلال استخدام أدوات التخطيط الإستراتيجي؛ وذلك يسهم في اتخاذ قرارات ذات كفاءة وفعالية.


تطبيق إدارة الجودة الشاملة:

يتحدث الباحث في الجودة الشاملة (جابلونسكي) عن خمس مراحل لتطبيق ناجح لإدارة الجودة الشاملة في المنظمات، وهي[8]:

1- المرحلة الصِّفْرية: مرحلة الإعداد:

حيث تقوم المنظمة بتهيئة أوضاعها لتطبيق مفهوم إدارة الجودة الشاملة، وهو ما يتطلب القيام بما يلي:

· اقتناع الإدارة العليا بأهمية تطبيق منهجية إدارة الجودة الشاملة؛ سعيًا منها لتحقيق مجمل الفوائد والمزايا المتوقعة من جرَّاء التطبيق الصحيح لهذه المنهجية.

· تشكيل مجلس للجودة يرأسه رئيس المنظمة، ويضم كبار المديرين في المنظمة، وذلك لدعم مشروع تطبيق الجودة الشاملة، والتغلب على مقاومة التغيير المتوقعة في المنظمة.

· تدريب مجلس الجودة والمديرين الرئيسِين على منهجية إدارة الجودة الشاملة، وعادة ما يتم هذا التدريب بواسطة استشاريين خارجيين.

· تحديد أهداف المنظمة من خلال تطبيق منهجية إدارة الجودة الشاملة.

· رسم سياسة المنظمة المتعلقة بتطبيق منهجية إدارة الجودة الشاملة.

· تشكيل فرق العمل من مختلِف المستويات التنظيمية في المنظمة، وذلك للمشاركة والتعاون فيما بينها نحو تحقيق الأهداف المشتركة لتطبيق منهجية إدارة الجودة الشاملة.

· إرساء وضبط معايير دقيقة لقياس مدى رضا العاملين حول تطبيق منهجية إدارة الجودة الشاملة، بالإضافة إلى قياس آراء وتطلعات العملاء والمستفيدين.

2- المرحلة الأولى: مرحلة التخطيط:

ويتم في هذه المرحلة إعداد خطة التطبيق التفصيلية، كما يتم تحديد هيكل الدعم والموارد اللازمة لتنفيذ هذا التطبيق، وتتضمن هذه المرحلة ما يلي:

· تحليل البيئة الخارجية لرصد الفرص المتاحة والتهديدات المحتملة، ثم تحليل البيئة الداخلية لمعرفة عناصر القوة والضعف.

· صياغة رؤية المنظمة ورسالتها المتعلقة بتطبيق منهجية إدارة الجودة الشاملة.

· تحديد الأهداف الإستراتيجية، والموارد والإمكانات الضرورية لتحقيق هذه الأهداف.

· اختيار منسق للجودة، ويتم غالبًا اختياره من المستويات الإدارية العليا، على أن يتمتع بتأييد ودعم قوي لقضية الجودة، ويعمل كهمزة وصل بين جميع المستويات الإدارية.

· تدريب منسق الجودة، وعادة ما يتم هذا التدريب بواسطة استشاريين خارجيين.

· إعداد مسودة تطبيق إدارة الجودة الشاملة بواسطة مجلس الجودة وبالتنسيق مع مختلف الأطراف المعنية بهذا التطبيق.

· مناقشة خطة التطبيق وذلك لاعتمادها، وتخصيص الموارد اللازمة لها.

3- المرحلة الثانية: مرحلة التقويم:

وتتضمن هذه المرحلة توفير المعلومات الضرورية لتقويم مراحل الإعداد، والانتقال لتنفيذ مرحلة التطبيق فيما بعد، من خلال عمليات المسح داخل المنظمة وخارجها. وتشمل هذه المرحلة الخطوات التالية:

· التقويم الذاتي: الذي يهدف إلى تقويم وعي وإدراك العاملين حول أهمية تطبيق إدارة الجودة الشاملة.

· تقويم آراء العملاء: الذي يتم بواسطة إجراء مسح شامل حول آراء العملاء نحو منتجات وخدمات المنظمة الحالية والمستقبلية.

· تقويم تكلفة الجودة: ويضم هذا التقويم الأقسام الأربعة للتكلفة، وهي: تكاليف الوقاية من الأخطاء، وتكاليف تقويم المنتجات والخدمات والتيقن من مطابقتها للمواصفات المطلوبة، وتكاليف الإجراءات التصحيحية في حال عدم مطابقة المواصفات، وتكاليف التعامل مع العيوب المكتشفة بعد تسلُّم العملاء لمنتجاتهم.

4- المرحلة الثالثة: مرحلة التنفيذ:

خلال هذه المرحلة يبدأ التطبيق الفعلي للخطط التي حُدِدت سابقًا، ويجب علينا في هذه المرحلة التركيز على المهام التالية:

· اختيار وتعيين من سوف يقوم بمهام التدريب داخل المنظمة، وفي العادة يتم دعوة هيئات خارجية متخصصة لتقوم بتدريب مجموعة من الأفراد داخل المنظمة يطلق عليها (الميسَّرون) وهم من يتولى التدريب على الجودة لباقي العاملين في المنظمة.

· تدريب المرؤوسين والعاملين في المنظمة، ويشمل التدريب الإدراك والوعي لأهمية تطبيق إدارة الجودة الشاملة، واكتساب المعرفة والمهارات التي تتعلق ببناء فرق العمل، والعمل بروح الفريق الواحد، ومهارات الاتصال، وحل المشكلات.

· يقوم مجلس الجودة بتحديد طرق التحسين المستمر للأنشطة والعمليات في المنظمة.

5- المرحلة الرابعة: مرحلة تبادل ونشر الخبرات

بعد أن ينجح تطبيق منهجية إدارة الجودة الشاملة في المنظمة؛ فإن إدارة المنظمة تقوم بدعوة المديرين الذين أسهموا في التطبيق الناجح، وتدعو أيضا جميع شركاء المنظمة؛ من مالكين وعاملين وعملاء وموردين؛ لإطلاعهم على نتائج تطبيق منهجية إدارة الجودة الشاملة، ودعوتهم للتعاون والتكاتف للاستمرار في تطبيق هذه المنهجية بفعالية وكفاءة.

ويوضح الشكل أدناه مراحل تطبيق إدارة الجودة الشاملة:



إدارة الجودة الشاملة في شريحة :


قصة نجاح بدأت من ظلام مخزن:

كانت ليلة عاصفة، رجع فيها كل الموظفين إلى بيوتهم، ولم يبقَ في المخزن إلا شابٌّ فقيرٌ وحده، وأخذ يرتب البضائع القديمة وحده، وسحابة من الغبار تنطلق من بين ثنايا البضائع المهملة، وعمل في الظلام الدامس، ينتظر ضوء البرق المنعكس بين الفينة والأخرى من نافذة ذلك المستودع المهجور، ليستدل من خلاله على موضعٍ جديدٍ يرتبه في ذلك المخزن المهجور، وانتصف الليل ..... وحدث شيءٌ غريب!! فلقد ارتطمت قدماه بجسمٍ مجهولٍ على الأرض، فرفعه بيديه ليكتشف أنه كتابٌ ملقى في ثنايا الصناديق المهملة، وبعد انتظار.... سقط نصلٌ لامعٌ من البرق لتصبح الحروف المنقوشة على غلاف الكتاب وكأنها حروفٌ من نور انعكست في عيني ذلك الشاب، فلقد ظهر اسم الكتاب وهو «إظهار الحق»! وهو الكتاب الذي غير حياته رأسًا على عقب بعد قراءته، ليتحول بعدها إلى بطلٍ عظيمٍ من عظماء أمة الإسلام، يملأ عبقُه الآفاق ذكرًا وشهرة، ليغير بعد ذلك مجرى التاريخ الإنساني، فلقد كانت هذه الليلة العاصفة وتلك الغرفة المظلمة بداية الانطلاق لأسطورةٍ إسلاميةٍ اسمها: الشيخ أحمد ديدات!

وقد كان هذا الكتاب أحد أسباب فتح آفاق الشيخ ديدات للرد على شبهات النصارى، وبداية لمنهج حواري علمي مع أهل الكتاب، وتأصيلِ ذلك تأصيلًا شرعيًّا يوافق المنهج القرآني في دعوة أهل الكتاب بالتي هي أحسن إلى الحوار وطلب البرهان والحجة من كتبهم المحرفة، ليتحول ديدات من خلاله إلى الـمُناظر الأول للنصارى في تاريخ أمة محمد !وقد يعجب البعض حين يعلم أن النصارى أنفسهم هم الذين صنعوا هذا العملاق الإسلامي! فقد كان الشيخ أحمد ديدات مجرد صبي فقير لا يعرف في الإسلام غير «الشهادة» على حد قوله، ففي أربعينيات القرن الماضي كان المنصِّرون في مدينة «ديربن» في جنوب أفريقيا يمرون عليه في دكان الملح الذي كان يعمل به ليوجِّهوا له أسئلة استفزازية من قبيل: «يا هذا... هل تعلم أن نبيك محمدًا سرق قرآنه من التوراة والإنجيل؟ يا هذا... هل تعلم أن نبيك محمدًا كانت له نساء كثيرات؟ هل تعلم أن نبيك نشر دينه بحد السيف؟» والحقيقة أن أحمد ديدات لم يكن يعرف ماذا يريد أولئك المنصرون بالضبط، فهو بالكاد يعرف أن اسم نبيه هو محمد، فضلًا عن أن يعرف عدد زوجاته! لكنه فهم أن سبب عجزه عن الإجابة ينبع من جهله، فقام بتنفيذ أول أمرٍ إلهي للمسلمين «اقرأ»!، فقد أدرك أنه بالقراءة سيصبح قويًّا، فصار يقرأ عن أشياء يعرف معناها وأشياء لم يسمع بها البتة، فقرأ في التاريخ والأدب والفيزياء والهندسة واللغات وكل ما يخطر على بال إنسان، ثم قرأ عن المسيحية: كتبها - تاريخها - فلسفتها - تفاسيرها، كل شيء من دون استثناء، حتى جاء وقت على الشاب أحمد ديدات لم يجد فيه كتابًا يقرؤه في مكتبة ديربن بعد أن قرأ كل الكتب والمجلات والوثائق الموجودة في المكتبة! فأصبح ذلك الشاب القارئ يمتلك حصيلة لغوية وموسوعة معرفية واطلاعًا ثقافيًّا واسعا، وعندما انتهى الشاب أحمد ديدات من مرحلة بناء الشخصية، بدأ ديدات مرحلة الهجوم المضاد، فصار ينتظر أولئك المنصرين انتظارًا في دكان الملح الذي كان يعمل به أجيرًا، ليرد على أسئلتهم، فيُفحمهم بإجاباته، ثم يلقي الكرة في ملعبهم، مستعينًا بما يحفظه من كتبهم، فقد حفظ الشيخ الأناجيل الأربعة «لوقا - يوحنا - مرقص - متَّى» عن ظهر قلب، بعد أن حفظ القرآن بأرقام آياته وسُوَره، ليتحول هذا الشابُّ الفقير بفضل أولئك الحمقى إلى ماردٍ إسلامي ضخم، فامتنع القساوسة من المجيء للدكان بعدما رأوا ما رأوه منه. المضحك في القصة، أن أحمد ديدات صار ينتظر يوم عطلته الأسبوعية انتظارًا ليتوجه بنفسه إلى كنائسهم يبحث عنهم ليناظرهم! وبعد أن عثر شيخنا على كتاب «إظهار الحق» للعلامة (رحمت الله الأموي) في القصة التي ذكرناها سابقًا، أصبح الشيخ أحمد ديدات أهمَّ مناظر إسلامي على وجه الكرة الأرضية، ليجوب القارات الخمس مناظرًا للنصارى وداعية للإسلام.

وفي نهاية عمره وعلى الرغم من مرضه، طاف الشيخ ديدات ولايات أستراليا محاضرًا ومناظرًا ومدافعًا عن دين محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، غيرَ آبهٍ بنصائح الأطباء، حتى وقع الشيخ أرضًا من شدة الإرهاق والتعب، فأصيب بجلطة في الدماغ، فأصبح داعيتنا البطل طريح الفراش لا يستطيع أن يحرك إلا عينيه، ولكنه رغم ذلك لم ييأس، فقد استخدم لوحة ضوئية يختار منها بعينيه حروف الكلمات التي يريد التعبير بها، ليستمر هذا الأسد في مسيرة العلم التي بدأها صغيرًا يوم كان يعمل في دكان الملح، ويوم كان يذهب خُلسة إلى مكتبة ديربن، ويبقى على تلك الحالة الثابتة مدة تسع سنوات يعلم تلاميذه بنظرات عينيه. وفي صباح يوم الاثنين الثامن من أغسطس 2005م الموافق الثالث من رجب 1426هـ فقدت الأمة الإسلامية الداعية الإسلامي الكبير، أسد جنوب أفريقيا الإسلامي، الشيخ أحمد ديدات، فعليه من الله جزيل الرحمات، وواسع المغفرة والكرامات[9].


الخلاصة:

تمثل الموارد البشرية أبرز الموارد التي تمتلكها المنظمات الإدارية الحديثة، وتسعى لتحقيق هدفين أساسين؛ هما: الكفاءة والعدالة، ولبلوغ ذلك فإنها تقوم بأداء سلسلة من الوظائف التي تندرج تحت أربع مجموعات رئيسة، ويندرج تحت كل مجموعة منها عددٌ من الواجبات المتعلقة بها.

وتمثل إدارة المتطوعين تحديًا؛ لأن هذا الصنف يُعد فريدًا في الموارد البشرية للمنظمات غير الربحية، فهو يتطوع للعمل دون انتظار عائد مادي أو معنوي، وهناك شروط لنجاح عملية التطوع يجب أن يتحلى بها المتطوع لضمان نجاح عملية التطوع في المنظمة، إضافة إلى تطبيق المبادئ والوظائف الإدارية الأساس التي تبدأ بمرحلة التخطيط وتنتهي بالشكر والتقدير.

ويعد التسويق أحد أهم الوظائف التي تُعنى بها المنظمات؛ لأنه يهدف إلى اكتشاف احتياجات ورغبات العملاء والمستفيدين؛ سواءٌ كانوا حاليين أو مرتقبين، ثم يلبيها بطريقة صائبة إن استخدم أدوات المزيج التسويقي بطريقة جيدة مع إتقان عمليات التسويق الخاصة ببحوث السوق وتصميم المنتجات والتنفيذ والرقابة.

ويغلب الحديث عن الاستدامة المالية وتطبيقاتها في المنظمات غير الربحية ذات الهدف الاجتماعي، ويرتبط نجاح إدارة الاستدامة المالية بإدارة التسويق ارتباطًا جوهريًّا. ومفهوم الاستدامة المالية غير مرادف للاكتفاء الذاتي المالي، ويختلف أيضًا عن مفهوم الاستقرار المالي؛ الذي يعني قدرة المنظمة على الإيفاء بالتزاماتها في المدى الزمني القصير والمتوسط.

ويعد مصطلح «إدارة العمليات» مفهومًا حديثًا نسبيًّا قياسًا لباقي المفاهيم في مجال إدارة الأعمال، وتعتبر إدارة العمليات هي المسؤولة عن كل الأنشطة التي تقوم بتحويل المواد الأولية (المدخلاتإلى منتجات لها كِيان مادي ملموس أو خدمات ذات منفعة ما (المخرجات) بما يحقق متطلبات العملاء والمستفيدين.

كما تعتبر الإدارة المالية من الإدارات المهمة التي يتوقف عليها نجاح المنظمات ونموها، وتهتم الإدارة المالية بجوانب كيفية التعامل مع الموارد المالية وإدارتها بكفاءة وفعالية. وترتبط وظيفة المدير المالي في المنظمات بأربعة أنواع رئيسة من القرارات.

وفي سياق متصل؛ فإن مفهوم المسؤولية الاجتماعية من المفاهيم الحديثة، وقد ظهر نتيجة تنامي اقتصاديات الشركات العابرة للقارات التي تُعد بمنزلة مجتمعات ضمن مجتمعات عالمية، بالإضافة إلى انتشار مفاهيم الحفاظ على البيئة وعدم الإضرار بها نتيجة لتوسع الأنشطة الاقتصادية والإنتاجية على كوكب الأرض، وما خلفه ذلك من أضرار بيئية تستلزم إعادة النظر في مفهوم الرأسمالية القائم على أساس الحرية الفردية.

ويستمر الحديث عن النظام وأهميته عبر مناقشة مفهوم نظام المعلومات، وهو مجموعة من العناصر التي تتكامل فيما بينها لتحقيق هدف معين، ويتكون النظام من ثلاثة مكونات أساس؛ وهي: المدخلات، والمعالجات (العملياتوالمخرجات. وغالبًا ما يسمح النظام بحدوث تغذية عكسية في صورة مدخلات مرتدة تسهم في التقويم والرقابة على الأداء. ويعمل النظام داخل بيئة محيطة به تقع خارج حدوده، ويتأثر النظام بهذه البيئة المحيطة ويؤثر فيها أيضًا.

ونصل إلى ختام هذا الفصل بمناقشة الجودة الشاملة، وتقوم فلسفتها على مجموعة من المبادئ التي يمكن أن تتبناها المنظمة من أجل الوصول إلى أفضل أداء ممكن، وتعتمد إدارة الجودة الشاملة على استخدام عدد من الأدوات الكمية والنوعية لقياس مدى التحسن في الجودة وتحقيق الأهداف.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة