مكونات عملية الاتصال:
المكونات الأساسية لعملية الاتصال- سواء الاتصال المواجهي أو الاتصال الجماهيري- ثمانية مكونات، متداخلة[1] مع عوائق عملية الاتصال؛ وتداخلها بسبب أن عملية الاتصال تتسم بالاستمرارية وليس لها بداية ولا نهاية، كما يمكن تبادل الأدوار فيها، فالمرسِل قد يصير أحيانًا مستقبِلًا، ومن ثم: تنعكس الرسالة.. وهكذا، ولذا: تعتمد عملية الاتصال على مجموعة من العناصر المتصلة والمتداخلة والمتشابكة مع ظروف نفسية واجتماعية وثقافية، يحدث بها التأثير النهائي على عملية انتقال الأفكار والمعلومات بين الأفراد والجماعات.
وتشمل هذه العملية ما يأتي:
1) المرسل (sender):
ويطلَق عليه: القائم بالاتصال، أي: الذي يقوم بعملية الاتصال الأولى، وفي علم الدعوة يكون المرسِل هو الداعية نفسه الذي يقوم بإيصال المفاهيم الدعوية ويحاول التأثير في المدعو، فإذا نجح المرسِل في اختيار الرموز المناسبة للتعبير عن فكره تعبيرًا صحيحًا ودقيقًا وواضحًا، يكون بذلك قد وضع قدمه على الطريق الصحيح، أما إذا عجز هذا المرسل عن صياغة أفكاره في رموز واضحة تعبر عما يقصده، أخفقت عملية الاتصال في مراحلها الأولى.
ويجب أن ينتبه الداعية هنا إلى أنه بذاته وبفكره يؤثر في المدعويين، حتى نظراته، وطريقة لبسه، وتناوله لكأس ماء أمامه، وامتعاضه أو رضاه الذي يظهر على سحنته، وتواضعه في التعامل مع الآخرين، وصبره في الإجابة عن الأسئلة، إضافة إلى وضوح فكرته التي يطرحها ودرجة أهميتها وجاذبيتها.. كل تلك الأمور مجتمعة تعطي رسائل إما سلبية أو إيجابية.
وقد يكون مصدر الرسالة (الجهة التي تكتب المفاهيم والمعلومات) يختلف عن المرسِل لها (الشخص الذي ينقلها أو يتلوها) كما هو الحال في برامج التلفاز التي يعدها شخص ويقدمها آخر؛ حيث تمر صياغة الرسالة في هذه الحالة بمرحلتين بدلًا من مرحلة واحدة، وفي هذه الحالة قد تتعقد الرسالة، أو لا يحسن المرسِل فهم الرسالة عن المصدر، ومن ثم: لا يحسن التعبير عنها[2]، وأحيانًا يكون المصدر هو نفسه المرسِل (المعِد هو المقدم)، وفي هذه الحالة فإن الخطأ المحتمل في التعبير عن أفكاره ينبع من عجزه الشخصي عن صياغة هذه الأفكار في رموز تنقل المعنى بوضوح، ولعلنا نستأنس بحديث: «نَضَّرَ اللهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، ثُمَّ بَلَّغَهَا عَنِّي، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ»[3].
الشروط الأساسية في المرسِل:
يحدد (ديفيد برلو) أربعة شروط أساسية يجب أن تتوافر في المرسِل[4]:
توجد خمس مهارات أساسية يجب أن تتوافر في المرسل، اثنتان منها تتعلقان بوضع الفكرة في رموز، هما: مهارة الكتابة، ومهارة التحدث، واثنتان متصلتان بفك الرموز، هما: مهارة القراءة، ومهارة الاستماع، أما المهارة الخامسة فهي: القدرة على التفكير ووزن الأمور؛ لأن القدرة على التفكير تساعد في تحديد الهدف.
2- اتجاهات المصدر (قناعته برسالته وثقته بنفسه):
عندما يكون مرسل الرسالة (الداعية) مقتنعا بها واثقًا من نفسه فإن هذا ينعكس بشكل إيجابي على من يتلقى الرسالة (المدعوين).
والسيرة النبوية الشريفة بها أمثلة كثيرة على الثقة الكبيرة لدى رسول الله ﷺ ولدى أصحابه بعدالة رسالتهم وصدقها وعظمتها، يظهر ذلك في مواقف، مثل قول الرسول لعمه: «وَاللَّهِ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي، وَالْقَمَرَ فِي يَسَارِي، عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ أَوَ أَهْلِكُ فِيهِ، مَا تَرَكْتُهُ»[5]، وقول جعفر رضي الله عنه للنجاشي يصف دعوته: (فأرسل الله إلينا رسولًا منَّا، نعرف نسبه وصدقه، فأمَرَنا بأن نعبد الله ولا نشرك به شيئًا... وعدد أشياء، إلى أن قال: وأمَرَنا بالصدق والعفاف والبر والصلة، فآمَنَّا به وصدقناه)[6].
فتؤثر اتجاهات المصدر نحو نفسه، ونحو الموضوع، ونحو المتلقي (أي: ثقته بنفسه، وحبه لرسالته، وحرصه على من يدعوه) على عملية الاتصال بشكل مباشر، فإذا كان اتجاه المصدر نحو ذاته سلبيًّا، يحتمل أن يؤثر هذا التقييم للذات على نوع الرسالة التي يصنعها، وعلى تأثيرها من ناحية أخرى، كما يؤثر اتجاه الفرد نحو ذاته على الطريقة التي يتصل بها، فالثقة بالنفس عند المصدر تولد عند المتعاملين معه ثقة فيما يقوله أو يفعله.
وإذا كان اتجاه الفرد نحو الموضوع إيجابيًّا سيكون الاتصال فعّالًا، أما إذا لم يؤمن المصدر بصدق ما يقوله ويقتنع به فإنه يصبح من الصعب عليه أن يقنع الآخرين بجوانب الموضوع.
كذلك يؤثر اتجاه المصدر نحو المتلقي في نجاح الاتصال؛ فحين يدرك المتلقي أن المصدر يحترمه ويتعاطف معه يصبح أقل انتقادًا لرسائله، ويزداد احتمال تفهمه واستيعابه للأفكار المقدمة.
من الواضح أن قدر المعرفة التي لدى المصدر (الداعية أو المؤسسة الدعوية) عن الموضوع يؤثر في رسالته، فنحن لا نستطيع أن نشرح ما لا نعرفه، ولا نستطيع أن ننقل بفعالية مضمونًا لا نفهمه، من ناحية أخرى إذا كان المصدر متخصصًا أكثر من اللازم فقد لا ينجح في نقل المعاني المطلوبة؛ لعدم قدرته على التبسيط (بمعنى التسهيل والتفكيك)، واستخدامه مصطلحات قد لا يستطيع المتلقي أن يفهمها.
4- مركزه في النظام الاجتماعي والثقافي:
لقد كان رسول الله ﷺ حريصًا في بداية الدعوة على اكتساب أفضل العناصر تأثيرًا في المجتمع، ولقد دعا ربه عز وجل بأن يعز الإسلام بأحب الرجلين إليه، فكان أن هدى الله تعالى عمر بن الخطاب للإسلام[7].
ويتأثر القائم بالاتصال بمركزه في النظام الاجتماعي والثقافي، فلكي نحدد تأثير الاتصال، علينا أن نعرف أنواع النظم الاجتماعية التي يعمل في إطارها القائم بالاتصال، ومكانته في النظام الاجتماعي، والأدوار التي يؤديها، والمهام التي يجب أن يقوم بها، والوضع الذي يراه الناس فيه؛ فالشخص الذي يقتدي به الناس كالداعية أو العالم أو المفكر يكون أقرب إلى التأثير من غيره، وكذا الشخصيات المحبوبة.
هناك عدة عوامل تؤثر في فعالية المصدر، ويذهب (ألكسيس تان)[8] إلى وجود ثلاثة عوامل تجعل المصدر مؤثرًا في إقناع جمهوره، وهي:
1- المصداقية (Credibility):
ويقصد بها: المدى الذي يُرى فيه المصدر خبيرًا يعرف الإجابات الصحيحة، وينقل الرسائل دون تحيز، وتنبع خبرة المصدر من عدة عوامل، مثل: التدريب، والخبرة بالموضوع، والقدرة على الاتصال بما تحتويه من مهارات: الكلام، والكتابة، والتعبير، والاحترافية، والوضع الاجتماعي.
والداعية[9]- بوصفه مصدرًا أو مرسلًا للرسالة- يجب أن يسعى دائمًا لتعزيز مصداقيته عند الجمهور، من ناحية اعتماده على الصدق والحقائق عندما يخبرهم بخبر، أو تحضيره لمادته عندما يطرح عليهم أفكاره.
وعندما تتولد تلك المصداقية عند الناس فإنهم يسلِّمون للداعية بما يخبرهم به؛ لأنهم جربوا عليه الصدق وتحريه، ألم تر إلى رسول الله ﷺ وكيف استخدم مصداقيته عند قومه دليلًا على صدق دعوته لهم حين قال: «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟» قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلا صِدْقًا، قَالَ: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ»[10].
كما يجب أن تسعى الدعوة دومًا بكافة عناصرها ومؤيديها لدعم المواقف الجماعية لها بما يعزز تلك المصداقية. وعمومًا فإن كثرة الصدق تولِّد المصداقية، ومصداق هذا حديث: «وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا»[11].
2- الجاذبية (Attractivevess):
وتتحقق حين يكون القائم بالاتصال قريبًا من الجمهور في النواحي النفسية والاجتماعية والأيديولوجية، إذ إننا نحب القائم بالاتصال الذي يساعدنا على التخلص من القلق والضغط والتوتر وعدم الأمان، ويساعدنا في اكتساب القبول الاجتماعي، والحصول على ثواب شخصي لأنفسنا، ولا نحب من يثير قلقنا أو انزعاجنا..
وعلى ذلك فيجب على الدعاة أن يخففوا من لغة التخويف ما استطاعوا، لا أقول أن يلغوها لأنها بالطبع مهمة عند الحاجة إليها، لكن ليكن الخطاب أكثر أملًا، أكثر تبشيرًا، أكثر تفاؤلًا، وهذا ما وصَّانا به حبيبنا حين قال ﷺ: «بَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا»[12].
3- السلطة/ النفوذ (Power):
الشخص في موقع السلطة يستطيع تقديم الثواب أو العقاب، ويهتم بالحصول على الموافقة للرسائل التي يقدمها، ويحب أن يدقق النظر فيها من جانب المتلقي.
وتؤدي مصداقية المصدر إلى تفاعلنا الداخلي مع الأفكار الجديدة، وتحقق جاذبية المصدر الشعور بالتوحد Identification، وتؤدي السلطة إلى الحصول على الموافقة أو الإذعان.
2) المتلقي/ المستقبِل (Receiver):
[الحلقة الأهم في عملية الاتصال]
كل ما ذكرناه عن المرسِل ينطبق على المتلقي (أي الشخص المستهدف بالرسالة، كالقارئ والمشاهِد)، والمتلقي في العملية الإعلامية هو المدعو في العملية الدعوية.
والمتلقي (المستقبل) هو الحلقة الأهم في عملية الاتصال، فالقارئ هو الشخص المهم لنا عندما نكتب، والمستمع هو الشخص المهم عندما نتحدث، ويجب أن يضع المصدر في اعتباره طبيعة المتلقي ويتفهمها حتى يضمن تحقيق الهدف من الرسالة.
لا يستقبل المتلقي الرسالة ويتأثر بها مباشرة، وإنما يقوم بعمليات تنقيح وتنقية حسب سماته النفسية والاجتماعية ومستوى تعليمه واتجاهاته، وقد يتعرض أيضًا لظروف في أثناء تلقيه للرسالة تمنعه من فهمها، وعمومًا يمكن التغلب على التشويش وعدم التيقن من خلال تكرار الرسالة Redundancy حتى يتفهَّم المتلقي ما يخفى عليه من جوانب الرسائل.
وهذا ما كان يفعله رسول الله ﷺ، عندما كان يكرر قوله مرات حتى يُحفظ عنه، وهذا التكرار قد ينفذ من خلال الفواصل المتكررة التي تُتَداوَل؛ كالتوعية بمخاطر التدخين التي تذاع على شكل إعلان، أو تكرر الرسالة بصورة أخرى من خلال ترديد المعنى واللفظ الغريب أكثر من مرة، أو إعادة صياغته بصورة أخرى، أو تلخيص النقاط كلما انتقل الحوار من فكرة لأخرى، أو تلخيص أهم الأفكار في نهاية اللقاء.
كذلك يتأثر المتلقي بما يطلق عليه: عوامل الانتقائية (selectivity) أي: ما هو موافق لرغباته وقناعاته، وتشمل: التعرض الانتقائي[13]، والإدراك الانتقائي، والاحتفاظ بالمعلومات بشكل انتقائي أيضًا، وهنا دور المتلقي في قبول الرسالة أو عدم قبولها؛ لأنه ينتقي من الرسائل ما يحب أن يتأثر به، ويكون دور المرسل صعبًا في إقناعه أولًا بأن يتابعه، ثم في إقناعه ثانيًا بأن ما يذكره له من رسائل يستحق التأمل أو الاقتناع.
لذا: فمن المعروف أن الرسالة سهلة الوصول هي تلك التي تتناسق مع قناعات المستقبل، والرسالة الصعبة الوصول هي التي تخالف قناعاته أو تصادمها، ونحتاج إلى مزيد من الإلحاح والإقناع بسبل شتى حتى نزحزحه عن تلك القناعات.
وهذا ما اشتكى منه نوح عليه السلام من قومه: { وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا } [نوح: 7].
فبسبب انتقائيتهم الرافضة لتلك الرسالة- وبسبب تعصبات جاهلة- قاوموا وصول الرسالة إليهم بشتى السبل.
يرتبط نجاح عملية الاتصال أساسًا بمدى معرفتنا بنوعية الجمهور الذي يستقبل الرسالة، ويتحكم في ذلك متغيرات، مثل: العمر، والنوع، والدخل، والوضع الاجتماعي، والعرقي، والانتماء الديني، وأيضًا تشمل متغيرات، مثل: الذكاء، والسلوك، والآراء، والقلق، والانفتاحية، والثقة بالنفس، ومثل تلك الخصائص تعد مهمة جدًّا في عملية الإقناع[14].
وقد قام علماء الاتصال بوضع مبادئ تتناول صفات معينة بقبول الجمهور للرسالة، فقد صنف (دينيس هوويت)[15] جمهور المتلقين إلى نوعين رئيسين، هما:
وهو الجمهور الذي لا يستسلم تمامًا لوسائل الإعلام التي تسعى إلى تغيير آراء الجمهور ومواقفه واتجاهاته، ويقاوم السيطرة عليه؛ ذلك أن الرؤية هنا تفترض أن وسائل الإعلام ليس لها قوة إقناعية كبيرة لتغيير عقول الناس، وذلك بسبب عوامل الانتقائية selectivity التي تؤثر في فعالية وسائل التصال، وتتمثل فى: التعرض الانتقائي، والإدراك الانتقائي، والتذكر الانتقائي- كما أسلفنا-.
يرى (هوويت) أن وسائل الإعلام لا تؤثر في كل فرد، وإنما هناك بعض الأفراد الذين يتأثرون بوسائل الإعلام أكثر من غيرهم، وهذا ليس نابعًا من خصائصهم الشخصية، إذ إنه لا توجد دلائل قوية تؤكد فكرة أن بعض الأشخاص أكثر اقتناعًا من غيرهم بالرسائل الإعلامية، ولكن الأمر يتعلق بأفراد أكثر حساسية يفترض فيهم أن يكونوا بحاجة أكثر إلى الحماية، مثل: الأطفال والمراهقين والشباب والنساء وكبار السن، وهذا النوع من الجمهور هو الذي يطلق عليه (هوويت): الجمهور الحساس.
ويرى صالح أبو إصبع إضافةَ نوعٍ ثالث من الجمهور، وهو ما يطلق عليه (الجمهور غير المبالي)، وهو الجمهور الذي لا يقف موقفًا رافضًا، مثل الجمهور العنيد، ولا موافقًا، مثل الجمهور الحساس، ولكنه يتعامل مع الرسائل الإعلامية بإهمال، وهو جمهور غير معني بالرسالة، على عكس الجمهور العنيد الذي يهمه الرسالة ولكنه لا يستجيب لها، والجمهور الحساس الذي يتأثر بسهولة أكبر بوسائل الإعلام.
وبكل حال يجب على من يرسل الرسالة- وبالأخص الدعاة- عند الاتصال المواجهي الذي يرى فيه الجمهور أن يتعرف على طبيعة ذلك الجمهور ليرسل رسائله بطريقة تناسبهم، فالجمهور الحساس مثلًا يمكنه أن يتأثر به بسرعة إن وَجَّه إليه المرسِل خطابًا مقبولًا يعتمد على مخاطبة العواطف بطريقة غير متكلفة وموزونة ويختلط بها بنسبة أقل الخطاب العقلي المعتمد على سرد المعلومات والأرقام والمنطقيات، أي: بخطاب يتميز باليسر والحميمية والوضوح.
ويحدث الشيء نفسه في البرامج الجماهيرية الخاصة بالطفل والشباب والمرأة التي توجه عبر وسائل الإعلام.
وبينما يحتاج الجمهور العنيد إلى الإقناع العقلي أكثر من غيره، فإن الجمهور غير المبالي يحتاج أكثر للصور الإبداعية في العرض التي تجذب المشاهد رغمًا عنه - إن صح التعبير-، فتُروَي قصة مؤثرة كافتتاحية، أو ينقل خبر صادم، أو مفاجئة سارة.. وهلمّ جرّا.
3) الخبرة المشتركة (Field of experience):
كل فرد منا يحمل نطاقًا من الخبرات والعادات والتقاليد والمعارف والاتجاهات والسلوكيات التي تصاحبه أينما ذهب، وحين يكون الأفراد الذين نتصل بهم لديهم خبرات حياتية مشابهة لنا، فإنّ فرص التفاهم وتحقيق نجاح الاتصال يكون متاحًا بطريقة فعالة، وعلى النقيض: كلما تباعدت الخبرة الحياتية بين المرسِل والمتلقي.. صعب التفاعل والتفاهم بينهما ووجدت صعوبات في المشاركة في فهم المعانى، ومن هنا: فالداعية الحصيف يتعرف على نطاق الخبرة في المكان الذي يحل به، وعلى القضايا الشائعة في المكان، والشخصيات المؤثرة، والثقافة ولغة الحوار الشائعة، ومن ثم: فإن أفضل الدعاة لمكانٍ ما هو ابن البيئة نفسها؛ لأنه يدرك ثقافتها أكثر من غيره.
الرسالة هي ما نقدمه للجمهور، فهي مضمون العملية الاتصالية وفحواها، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، فالإنسان يرسل ويستقبل كميات ضخمة ومتنوعة من الرسائل، بعض هذه الرسائل يتسم بالعفوية (مثل: الحركة، والإيماءة، والإشارة، والإبتسامة، والنظرة)، وبعضها الآخر يتسم بالعمومية، مثل ما يحدث في: الندوات، والمحاضرات، والمؤتمرات، ورسائل الصحف والمجلات والراديو والتليفزيون. فبعض الرسائل تُنقل بقصد، ورسائل أخرى يُتعرَّض لها بالمصادفة، وكلما كان هناك تفاعل وفهم مشترك بين المرسل والملتقي، وكلما استطاع المتلقي أن يستوقف المرسِل لمزيد من الفهم.. اكتسبت الرسالة فعالية أكبر.
ومن السهل على المتلقي أن يتّقي الرسائل أو يتجاهلها، بمثل: أن يغلق جهاز الراديو، أو يدير مؤشر التليفزيون نحو قناة أخرى، أو يتقبل بعض الأفكار التي تطرحها الصحيفة ويرفض أفكارًا أخرى، أو يتجنب كل ذلك ويدير محادثة شخصية، أو ينفرد مع ذاته، وكل هذه التصرفات تُعَد رسائل لمراقبي السلوك، وعلى هذا الأساس فسواء أكنت تبتسم، أم تسمع الراديو، أم تشاهد التليفزيون، أم تقرأ الصحيفة، أم تجلس صامتًا.. فأنت في كل هذه الحالات تتلقى رسائل ولا بد أنْ يكون لهذه الرسائل بعض الأثر.
قال تعالى: { إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ } [ق: 37]؛ فمتى كان يشعر ويتجاوب مع الرسالة { لَهُ قَلْبٌ } ، ويفهمها ويصغي إليها { أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ } ؛ فإنها تؤثر فيه وتفيده { إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ } .
وهناك ثلاثة أمور يجب أن نأخذها في الحسبان بالنسبة للرسالة، هي:
فعناصر اللغة هي مجموعة الحروف والكلمات التي لا تقبل التقسيم، والتكوين عبارة عن تجميع للعناصر في بناء متكامل، وكود (شفرة) الرسالة وتكوينها هو مجموعة الرموز التي إذا وضعناها في ترتيب معين يصبح لها مغزًى عند المتلقى، وأي لغة هي كود ما دامت بها مجموعة من العناصر، فالبناء الشعري هو كود للرسالة (في شكل بنائي)، والخطابة كود آخر، ورسم الصورة كود ثالث.. تصل الفكرة بأي طريقة منها.
يمكن تعريف المضمون بأنه مادة الرسالة التي يختارها المصدر لتعبر عن أهدافه، فهو العبارات التي تقال، والمعلومات التي تقدم، والاستنتاجات التي نخرج بها، والأحكام التي نقترحها.
تشير معالجة الرسالة إلى القرارات التي يتخذها المصدر (الكاتب مثلًا) بالنسبة للطريقة التي سيقدم بها البناء ومضمونه، فالمصدر قد يختار معلومة معينة ويتجاهل معلومة أخرى، وقد يكرر الدليل الذي يثبِّت به رأي، وقد يلخص ما يقوله في البداية أو في النهاية، ويستطيع المصدر أن يذكر كل الحقائق في رسالته، وقد يترك للمتلقي مهمة إكمال الجوانب التي لم يذكرها في الرسالة، ويتخذ كل فرد القرارات التي تحقق أهدافه بأفضل شكل متاح.