عوامل فعالية الرسالة:
ليس من شك أن تقويم الجمهور للمصدر (تقويم المدعويين للداعي) يرتبط إلى حد كبير بالرسالة التي ينقلها، وبناءً على الرسائل الناجحة التي يستطيع إيصالها يمكن تقويم نجاح الداعي أو إخفاقه.
ومن الأمور التي يجب مراعاتها في الرسالة: سهولة استيعابها، ويرتبط بهذا الأمر خمسة متغيرات أسلوبية، حددها (جورج كلير) بأنها:
أ- القابلية (لفهمها والتواصل معها)، عن طريق: القابلية للاستماع (الانسماعية)، أو القابلية للقراءة (الانقرائية)، وهي صفات ترتبط بفهم الرسالة، إذ يجب أن تحتوي الرسالة على كلمات سهلة ويسيرة وجمل قصيرة.
ب- أن تتضمن الرسالة اهتمامات المتلقي ومصالحه.
ج- تنوع المفردات، ويعني ذلك تجنب تكرار الكلمات.
د- الواقعية، أي: التعبير عن الواقع وتجنب استخدام التجريد في: الأحداث، أو الظروف، أو المواقف.
ه- القابلية للتحقق، ومعناها اشتمال الرسالة على جمل وعبارات عملية يمكن اختبارها والتأكد منها في الواقع.
كذلك توجد متغيرات أخرى ترتبط بالاستمالات المستخدمة في الرسائل، وتتضمن ثلاث استمالات رئيسة هي:
أ- الاستمالة العاطفية: وتشمل إيجاد مشاعر ملائمة لدى المتلقي، من خلال مخاطبة المشاعر والقيم والعواطف، أو عن طريق وضع المتلقي في جو سعيد عند استقبال الرسالة.
ب- الاستمالة العقلية: تستخدم المنطق والشواهد التجريبية لتأييد الرسالة.
ج- استمالة التخويف: وهي تخاطب غريزة الخوف عند المتلقي.
5) الوسائل/القنوات (Channels):
حينما يريد المصدر توجيه الرسائل، عليه أن يتخذ قرارات بشأن الوسيلة التي يستخدمها، ويتوقف اختيار الوسيلة على قدرات المتلقي، وعلى قدرات المصدر، فقد يفضل الجمهور التليفزيون عن الراديو، وقد يكون المصدر قادرًا على الكتابة أكثر من الكلام.
ونحن نعرف أن استخدام وسيلتين أفضل من استخدام وسيلة واحدة، وأن المتلقي لا يستطيع أن يحتفظ بالمعلومات الشفهية لمدة طويلة مثلما يستطيع بالمادة المرئية؛ لهذا يكون نقل المضمون المركب أكثر فعالية حينما يكون مرئيًّا عما لو كان شفهيًّا.
[عوامل تتحكم في استخدام الوسيلة]
ويتحكم في استخدام وسيلة الاتصال العوامل الآتية:
أ- طبيعة الفكرة المطروحة أو الهدف الذي نسعى إلى تحقيقه من خلال رسالة معينة.
ب- خصائص الجمهور المستهدف، من حيث: عاداته الاتصالية، وقابليته للتأثر من خلال أسلوب معين يتحقق بشكل فعال عن طريق وسيلة معينة.
ج- تكاليف استخدام الوسيلة نسبة إلى أهمية الهدف المطلوب تحقيقه.
د- أهمية عامل الوقت بالنسبة للموضوع الذي يتناوله الاتصال.
ه- مزايا كل وسيلة وما تحققه من تأثير على الجمهور المستهدف.
عوامل فعالية الوسائل الإعلامية[1]:
عنيت بحوث شكل الاتصال (Communication Modality) بدارسة الوسائل الإعلامية الأكثر تأثيرًا من غيرها في تغيير الاتجاهات أو في التعلم، ويلخص لنا (تان) بعض نتائج الدراسات حول فعالية الوسائل الإعلامية في التأثير، وذلك على النحو الآتي:
أ- الوسائل الحية المسموعة والمرئية تكون عمومًا أكثر الوسائل فعالية في تغيير الاتجاهات، يتبعها الوسائل الشفوية (المسموعة)، ثم الوسائل المكتوبة (المقروءة).
ب- تكون الرسائل المكتوبة أسهل في التعلم والتذكر من الرسائل المسجلة صوتيًّا، أو بالصوت والصورة، وخصوصًا إذا كانت الرسائل معقدة، وإذا قيس التذكر بعد تقديم الرسالة.
ج- يتفاعل شكل الاتصال مع درجة تعقيد الرسالة في تحديد تغيير الاتجاهات عند المتلقين، وتكون المواد المكتوبة أكثر فعالية في تغيير الاتجاهات من المواد المسجلة صوتيًّا أو بالصوت والصورة، وذلك عندما تكون الرسالة صعبة، أما عندما تكون الرسالة سهلة فإن الرسالة المرئية (الفيديو) تكون أكثر فعالية من الرسائل المكتوبة.
د- عندما تكون الرسالة صعبة فإن قدرة المتلقين على فهم الرسائل المكتوبة تكون أفضل من القدرة على فهم الرسائل المسموعة أو المرئية.
ه- يتفاعل شكل الاتصال مع درجة مصداقية المصدر في تحديد تغيير اتجاهات المتلقين، وعند استخدام التليفزيون تكون الثقة بالمصادر أكثر فعالية في تغيير الاتجاهات من استخدام الراديو أو الطباعة، وعدم الثقة بالمصادر يكون أكثر فعالية عند استخدام الراديو أو المواد المطبوعة.
و- يتفاعل المتلقي مع التليفزيون أكثر من تفاعله مع الراديو، ويتفاعل مع الراديو أكثر من المواد المطبوعة.
6) رجع الصدى (Feedback):
وهو عملية تقويم الرسالة ومدى تأثيرها في المتلقي (المدعو)، وتسمى أيضًا التغذية الراجعة، ويُقصد برجع الصدى: عملية التقويم لوصول الرسالة بشكل صحيح، وهي مهمة في التعرف على الأثر، ونقصد بها: إعادة المعلومات للمرسِل؛ حتى يستطيع أن يميز ما إذا كانت الرسالة حققت أهدافها من عدمه.
ويتيح رجع الصدى وظائف مفيدة لكل من المرسِل والمتلقي على السواء، فهو يتيح للمرسل فرصة قياس مدى فهم الرسالة واستيعابها، ويتيح للمتلقي التأثير في عملية الاتصال، فمثلًا: إذا أشار رجع صدى الجمهور إلى أن الرسالة غير مفهومة بالقدر المناسب، فإن المرسل يستطيع إعادة تقديم الرسائل بأساليب مختلفة أو عبر قنوات أخرى؛ لكي تحقق الرسالة أهدافها بشكل أفضل[2].
كما أن وسائل الاتصال الحديثة أفادت في التغذية الراجعة (المرتدة) القائمة على التفاعل، حيث بإمكان المستقبل التعبير عن رأيه كتابة أو اتصالًا عبر تقنيات التفاعل من خلال شبكة المعلومات (الإنترنت)، أو الاتصال بالبرنامج المباشر وطلب التوضيح أو التعديل أو التعليق.. وكل ذلك يفيد عملية الاتصال.
الأثر هو نتيجة الاتصال، وهو يقع على المرسِل والمتلقي على السواء، وقد يكون الأثر نفسيًّا أو اجتماعيًّا، ويتحقق أثر وسائل الإعلام من خلال تقديم الأخبار والمعلومات، والترفيه، والإقناع، وتحسين الصورة الذهنية.
ويمكن قياس الأثر بمدى التفاعل مع الرسالة الإعلامية من خلال وسائل الاتصال وشبكة التفاعل الاجتماعي.
وتقنيًّا تُحدَّد نِسَب المتابعة للبرامج بواسطة الأقمار الصناعية، عبر تحديدها لعدد الأجهزة التي تتابع البرامج المختلفة في كل أوقات البث، ويمكن من خلال هذا معرفة البرامج التي يكون لها متابعة- ومن ثم: تفاعل- أكثر من غيرها، ويُتَعرَّف على الرسائل الشائقة والشخصيات المؤثرة.
ونلفت الانتباه إلى مراعاة أن ذلك ليس إلا علامة فقط على متابعة الجمهور، وليس علامة على إخفاق الرسالة حين الانصراف عنها؛ لأن الانصراف عن الرسالة قد يكون لمؤثر آخر له جاذبية خاصة، كوجود حدث ما مهم ومنقول في مكان آخر، أو عدم اختيار وقت بث مناسب للرسالة.. وغير ذلك.
ولقد أصبح لأغلب البرامج التليفزيونية والإذاعية والصحف وغيرها صفحات للتواصل الاجتماعي، يمكن من خلالها الاسترشاد عن مدى تأثير الرسالة الإعلامية.
وقد لا تعكس تلك التفاعلات رأي الأغلبية الصامتة، لكنها تعطي انطباعًا في الأقل يجب أن يؤخذ في الاعتبار عند مصدر الرسالة.
8) السياق/ بيئة الاتصال (Context):
كل اتصال يحدث في مكان ما، لا بد أن يعبر عن سياق ما، وأحيانًا يكون السياق طبيعيًّا لا نلاحظه، وفي أحيان أخرى يتولد الانطباع بضرورة بذل الجهد لفهم هذا السياق وإدراكه، فمثلًا: إلى أي حد يمكن أن يتغير سلوك الفرد حين ينتقل من مكان للنزهة إلى مؤتمر علمي؟، أو من الإقامة داخل الوطن إلى الإقامة خارجه؟.. فالسياق هو البيئة الاجتماعية التي تمدنا بقواعد وأحكام للتفاعل معها، وتتمثل البيئة الاتصالية في: المكان، والزمان، والأشخاص، وكل ذلك يؤثر في عملية الاتصال حتى لو لم نعِ ذلك، ولا يمكن فصل السياق الاجتماعي أو السياسي أو الثقافي عن عملية الاتصال، فكلما كان السياق الذي تُنفذ فيه عملية الاتصال ذا جوانب مشتركة بين المرسِل والمتلقي.. كانت فرص النجاح للعملية الاتصالية أكثر.
التشويش (Noise):
التشويش هو: أي عائق يحول دون القدرة على الإرسال أو الاستقبال أو فهم الرسالة، والجدير بالذكر أن التشويش يقوم بوظيفة عائق للاتصال، وكلما ازداد التشويش قلت فعالية الرسالة، وكلما قل التشويش ازدادت فعالية الرسالة.
وينقسم التشويش إلى نوعين.
هذا التشويش يختص بعنصرين من عناصر الاتصال (الوسيلة- المستقبِل)؛ ولذا: فلا يرجع إلى المرسل غالبًا سبب في ذلك التشويش؛ لأنه ليس مسؤولًا عنه.
والتشويش في صورته الخاصة بالوسيلة يعني: أي تداخل فني - بقصد، أو بغير قصد- يطرأ على إرسال الإشارة في رحلتها من المرسِل إلى المتلقي، مثل: وجود عيوب في صوت المرسل.
وبالنسبة للمستقبِل فهو آلي؛ لأنه يرجع إلى سبب خارجي أو داخلي لديه يستدعى آليًّا عند عملية الاتصال، فقد يكون السبب في التشويش هو ضعف حاسة السمع أو البصر عند المتلقي، وقد يحدث التشويش نتيجة مؤثر نفسي، مثل: المشكلات النفسية والاحباطات، أو الاستغراق في التفكير، أو استدعاء صورة ذهنية معينة للموضوع أو المرسل نتيجة خبرات شخصية، وقد ينتج التشويش عن مؤثر جسماني، مثل: الشعور بالصداع أو الألم.
يحدث التشويش الدلالي في عنصرين آخرين من عناصر الاتصال (الرسالة- المرسِل)، ويحدث التشويش هنا على موضوع الرسالة بسبب المشتتات عن الرسالة التي يتسبب فيها العنصران المذكوران.
وهو يختلف عن التشويش الآلي في كونه نتج عن تقصير في ضبط الرسالة من ناحية الصياغة، أو بسبب سوء فهم للرسالة ومدلولاتها؛ لصعوبتها أو لاحتوائها على مصطلحات مبهمة المعنى للمتلقي، فقد يحدث ألا يفهم المستقبِل مراد المرسِل من الرسالة لأي سبب من الأسباب، وحين يعطي المرسل معاني مختلفة للكلمات (مثل: استخدام التورية في اللغة العربية)، وعند استخدام كلمات وعبارات مختلفة للتعبير عن المعنى نفسه، فيحدث بسبب ذلك تشتت المستقبِل.
من ناحية أخرى قد يحدث التشويش لوجود رسائل مشتتة في الاتصال غير اللفظي؛ ومن ثم: نوصي دائمًا بالابتعاد عن التشويشات الدلالية اللفظية وغير اللفظية في: الملبس المتكلف، والديكور غير الملائم، وطريقة النطق الغريبة، والاستفزاز في الكلام، والتعامل غير اللائق مع الضيوف.. وهلمّ جرّا؛ لأن حدوث أي من تلك الأمور بشكل لافت للنظر يشوش على المتلقي ويشتت ذهنه، ومن ثم: نفقد تواصله معنا.