حجم الخط:

محتوى الدرس (5)

ثانيًا: نوع الاتصال من حيث حجم المشاركين في العملية الاتصالية:

يمكن تقسيم نوع الاتصال من حيث حجم المشاركين إلى ثمانية أنواع، هي: الاتصال الذاتي، والشخصي، والجمعي، والعام، والوسطي، والتنظيمي، والجماهيري، والجماهيري التفاعلي.

1) الاتصال الذاتي (Intrapersonal Communication):

الاتصال الذاتي هو ما يحدث داخل الفرد، حين يتحدث الفرد مع نفسه، وهو اتصال يحدث داخل عقل الفرد ويتضمن أفكاره وتجاربه ومدركاته، ويتضمن الاتصال الذاتي الأنماط التي يطورها الفرد في عملية الإدراك، أي: أسلوب الفرد في إعطاء معنى وتقييم للأفكار والأحداث والتجارب المحيطة به[1].

ويعد فهم هذه العملية التي تحدث بين الفرد وذاته أساس فهم عملية الاتصال، ذلك أن رد الفعل تجاه أي رسالة يستقبلها الفرد- في أي شكل من أشكال الاتصال الأخرى- يتوقف على ناتج هذه العملية التي تحدث ذاتيًّا في جميع المواقف، وتتأثر بالمخزون الإدراكي لدى الفرد عن الأشخاص والرموز التي يتعرض لها الفرد في عملياته الانفعالية[2].

2) الاتصال الشخصي (Interpersonal Communication):

وهو الاتصال المباشر، أو الاتصال المواجهي، حيث يمكن فيه أن نستخدم حواسنا الخمس، ويتيح هذا الاتصال التفاعل بين شخصين أو أكثر في موضوع مشترك، ونتيجة الاتصال المواجهي تتكون الصداقات والعلاقات الحميمة بين الأفراد، ويتيح هذا النوع من الاتصال فرصة التعرف الفوري والمباشر على تأثير الرسالة، ومن ثم: تصبح الفرصة سانحة أمام القائم بالاتصال لتعديل رسالته، وتوجيهها بحيث تصبح أكثر فعالية أو إقناعًا[3].

ويدخل في هذا النوع: لقاءات السياسيين والدبلوماسيين المحدودة، والزيارات الرسمية لبعض الشخصيات، والدروس الخاصة واللقاءات العلمية، وموائد البحث قليلة العدد.

ويفيد هذا الاتصال جدًّا في العلاقات العامة أو التأثير في الشخصيات المؤثرة، وهذا يفيد في حملات التوعية إن اكتسبنا لها شخصيات لها وزنها (الزعماء- رؤساء القبائل- قادة الرأي رجال الأعمال..)، وهو أكثر إفادة من الاتصال بطرائق أخرى؛ لأنه يمكن إقناع هؤلاء الأشخاص بما نريد، فنربح تعاطفهم وتفاعلهم مع الفكرة ليصبح داعية إليها، وهو ما نسميه في الدعوة بالدعوة الفردية، وهذا ما فعله رسول الله ، حين كان حريصًا على إيصال الدعوة بنفسه لرجال القبائل والمؤثرين، ولعلنا نستدل على أهمية الاتصال الشخصي بما قام به أبو بكر الصديق رضي الله عنه بعد إسلامه من دعوة وجهد أثمر عن أن أغلب المبشرين بالجنة أسلموا على يديه رضي الله عنه، وكان منهم بعد ذلك كل جهد وجهاد وتضحية وبذل.

ويتميز الاتصال الشخصي بما يأتي:

‌أ- انخفاض تكلفة الاتصال بالقياس إلى الوسائل الأخرى، ويتطلب ذلك جمهورًا معروفًا ومحدودًا وغير مشتت.

‌ب- إمكانية استخدام اللغة المناسبة لمستوى الأفراد الذين نتحدث إليهم.

‌ج- رد الفعل فوري ومباشر، وبناء على ذلك: يمكن تعديل محتوى الرسالة أو أسلوب صياغتها بشكل فوري ووفقًا لمقتضى الموقف..

‌د- تلقائية الاتصال، التي تظهر بوضوح في المحادثات غير الرسمية واللقاءات العابرة[4].

3) الاتصال الجمعي (Group Communication):

هو شكل من أشكال الاتصال المباشر، ويحدث الاتصال الجمعي بين مجموعة من الأفراد، مثل: أفراد الأسرة، زملاء الدراسة أو العمل، جماعات الأصدقاء؛ لقضاء وقت الفراغ أو التحادث، أو اتخاذ قرار أو حل مشكلة؛ حيث تتاح فرصة المشاركة لجميع الأفراد في الموقف الاتصالي بين مرسل الرسالة ومتلقيها، وفى الاتصال الجمعي يكون رجع الصدى فوريًّا ومباشرًا، ومثال ذلك: المحاضرات، والندوات، والاجتماعات السياسية، وحلقات المناقشة، والخطب السياسية والدينية..

4) الاتصال العام (Public Communication):

ويعني: وجود الفرد مع مجموعة كبيرة من الأفراد، كما هو الحال في خطبة الجمعة والمحاضرات والندوات والأمسيات الثقافية وعروض المسرح، ويتميز التفاعل بين أعضاء هذا النوع من الاتصال بأنه مرتفع، كما يتميز بوحدة الاهتمام والمصلحة والالتقاء حول الأهداف العامة، ويضم أعضاء الجماعة تنظيم داخلي وإن كان غير رسمي، وعادة ما يكون هذا النوع من الاتصال في أماكن التجمعات أو تلك التي تقام خصيصًا لهذه الأغراض[5].

5) الاتصال الوسطي (Media Communication):

وهو يكون غالبًا بين عاملين أو دارسين في مكان ما، ويسمى هذا بالاتصال الوسطي؛ لأنه يحتل مكانًا وسطًا بين الاتصال المواجهي والاتصال الجماهيري، ويشتمل الاتصال الوسطي على الاتصال السلكي من نقطة إلى أخرى، مثل: الهاتف، والتلكس، والراديو المتحرك، والراديو، والأفلام التليفزيونية من خلال الدوائر المغلقة.

ويشبه الاتصال الوسطي اتصال المواجهة من حيث قلة عدد المشاركين في الاتصال- وفي الغالب يكون المتلقي شخصًا واحد-، وكذلك يكونون معروفين للقائم بالاتصال، وتكون الرسالة ذات طابع خاص، فهي محظورة على التعميم، والمشاركون فيه عادة ذوو ثقافة مشتركة ومرتبطون باتصال شخصي، وغالبًا ما يكون الاتصال الشخصي غير محكم البناء unstructured.

ويمتلك الاتصال الوسطي بعض خصائص الاتصال الجماهيري، إذ يمكن أن يكون جمهوره غيره متجانس، ويمكن أن يكون المشاركين فيه بعيدين مكانيًّا عن بعضهم بعضًا، حيث يستقبلون الرسالة نفسها في أماكن متعددة، وكذلك فإن الرسالة تنقل بسرعة وتصل الأفراد في آن واحد، وقد يكون المتصل شخصًا عاديًّا أو عضوًا في مؤسسة، إلا أنه يستخدم قنوات اتصال باهظة التكاليف (كما هو الحال بشبكات المعلومات وعقد المؤتمرات عن بعد)، ويشبه الاتصال الوسطي الاتصال الجماهيري، من حيث استخدام معدات ميكانيكية أو إلكترونية في نقل الرسالة[6].

6) الاتصال التنظيمي (Organization Communication):

هو ذلك النوع من الاتصال الذي يحدث داخل المنظمات؛ بهدف ضمان انسياب المعلومات والأفكار بكفاءة من المستويات الإدارية المختلفة إلى المرؤوسين، وانتقال رجع الصدى من هؤلاء المرؤوسين إلى المستويات المختلفة في المنظمة[7].

ومن المعلوم أن مصطلح المنظمات قد يطلق على المنظمات التجارية أو المنظمات ذات النفع العام.. وغيرها، وقد أُفرد بوصفه نوعًا من أنواع الاتصال؛ لأنه يأخذ صفة المؤسسية.

وقد تكون تلك المنظمة في مكان واحد، أو دولة واحدة، أو عدة دول، أو تكون عابرة للقارات كما هو الحال في الشركات الكبرى.

وما ينطبق على تلك المنظمات من ناحية الاتصال ينطبق أيضًا على الوزارات والهيئات وما يشبهها.

وبكل الأحوال فإن اتجاه سير المعلومات والأوامر في تلك المنظمات يأخذ عدة صور:

إما من المرؤوسين لرؤسائهم ويسمى (الاتصال الصاعد)، وفيه تبين الحالة وترفع التقارير، أو من الرؤساء لمرؤوسيهم ويسمى (الاتصال الهابط)، وفيه تلقى الأوامر وتشرح وتحدد السياسات والمواقف، وإما أن يُتبادل الرأي في أمر ما من خلال الاجتماعات والاستطلاعات (الاتصال المختلط).

فالتفاعل بين مكونات المنظمة ما هو إلا تعبير واقعي عن أن الاتصال مثل العصب في جسم المنظمة، وتشير التقديرات العلمية إلى أن نسبة وقت الاتصال قد تزيد عن 75% من وقت العمل[8].

7) الاتصال الجماهيري (Mass Communication):

هو عملية الاتصال التي تُستخدم فيها وسائل الإعلام الجماهيرية، ويتميز الاتصال الجماهيري بقدرته على إيصال الرسائل إلى جمهور عريض متباين الاتجاهات والمستويات، ولأفراد غير معروفين للقائم بالاتصال، تصلهم الرسالة في اللحظة نفسها، وبسرعة فائقة، مع مقدرة على إيجاد رأي عام، وعلى تنمية اتجاهات وأنماط من السلوك غير موجوده أصلًا، والمقدرة على نقل الأفكار والمعارف والترفيه.

وتشمل وسائل الإعلام الجماهيرية Mass Media تلك الوسائل التي لها مقدرة على نقل الرسائل الجماهيرية من مرسل إلى عدد كبير من الناس، وتتمثل مقدرتها الاتصالية في استخدام معدات ميكانيكية أو إلكترونية، مثل: الصحف، والمجلات، والكتب، والسينما، والراديو، والتليفزيون.. وقد نشأت هذه الوسائل وتطورت في ظل ظروف تاريخية واجتماعية ودولية.

وتحتاج وسائل الاتصال الجماهيرية إلى توافر بعض الشروط اللازمة لنموها وازدهارها في أي مجتمع من المجتمعات، وهي:

‌أ- وجود قاعدة اقتصادية متينة توفر التمويل اللازم للحصول على تكنولوجيا الاتصال، كالمطابع ومحطات الراديو والتليفزيون ونظم الأقمار الصناعية، وكذلك توافر البِنَى الأساسية من شبكات الطرق والنقل والكهرباء، مما يسهل عملية النشر والبث للرسائل المطبوعة والمسموعة والمرئية.

‌ب- وجود قاعدة علمية وثقافية في المجتمع يكون بإمكانها إنتاج المعلومات وتوزيعها واستهلاكها، ويدخل في هذا المجال زيادة التعليم بين أفراد المجتمع، فالعلاقة بين المستوى العلمي والثقافي، وزيادة التعليم تتناسب طرديًّا مع تقدم وسائل الإعلام، ومع زيادة حجم استخدام الجمهور لها، فعلى سبيل المثال: نجد أن توزيع الصحف والمجلات والكتب ينحدر بشدة في المجتمعات التي تسود فيها الأمية، في حين يزداد التوزيع مع ازدياد نسبة التعليم.

‌ج- وجود قدر معقول من الكثافة السكانية في المجتمع، ذلك أن وسائل الإعلام ذات تكلفة باهظة، وتشغيل هذه الوسائل بفعالية يحتاج إلى كثافة سكانية يمكنها أن تستهلك نتاج الوسائل الإعلامية.

‌د- وجود مناخ ملائم من حرية الرأي والتعبير، ففي المجتمعات التي تتيح المجال لإظهار الرأي والرأي الآخر وحرية التعبير نجد أن وسائل الإعلام أكثر تقدمًا وأكثر تعبيرًا عن مصالح الناس وآرائهم؛ مما يوفر لهذه الوسائل شعبية، ويتيح لها جمهورًا واسعًا يدعم وجودها، ويعطيها مسوغًا للبقاء وللبحث عن سبل تقدمها وتطوير أدائها.

‌ه- الإمكانات التكنولوجية المتاحة للاتصال، مثل: البرق، والهاتف، والأقمار الصناعية، والمطابع الحديثة، فإن توافرها سيسهم في دعم وسائل الاتصال الجماهيرية وتطورها[9].

8) الاتصال الجماهيري التفاعلي (Mass interactive Communication):

وهذا النوع أضفناه هنا لنعبر به عن الاتصال الذي يحدث عبر وسائل الاتصال التي تسمح بالتفاعل مع الجمهور بشكل مباشر؛ وقد كان ذلك بعد ثورة الاتصال التي أسفرت عن تقنيات الاتصال عبر الأقمار الصناعية وتلك التي تبعت ظهور شبكة المعلومات الدولية وما تلاها من وجود مواقع للتواصل الاجتماعي.

هذا النوع من الاتصال يُعَد ثورة حقيقية في مجال إيصال المعلومات والأخبار وأفرز قدرة كبيرة للمتلقي ليكون فاعلًا كبيرًا في عملية الاتصال.

فالمتلقي الآن أصبح بإمكانه إيصال صوته أو كتابة رأيه والتعليق على آراء الآخرين أو تصوير ما يريد ورفعه عبر المواقع المختصة برفع الملفات وتخزينها، بل يستطيع أن ينشئ كيانًا إعلاميًّا خاصًّا به عبر صفحته على شبكات التواصل الاجتماعي أو مدونته؛ فانكسر بذلك الاحتكار الذي فرضته الحكومات والدول على تداول المعلومات وإيصال الأخبار.

وقد أطلقنا هنا لفظ (الجماهيري) على هذا النوع من أنواع الاتصال لاتساع مدى التأثير، و(التفاعلي) لأن المستقبل يصير في تلك العملية مرسلًا، ومن ثم: نتعرف مباشرة منه على الأثر ويمكننا أن نُقوِّم عملية رجع الصدى عبر تلك الشريحة المتفاعلة، ثم المرسل قد يعقب عليه بما يزيل لبسًا أو يوضح فكرة، وقد يحدث تغيير في طريقة عرض الرسالة أو في مضمونها استجابة لهذا التفاعل.

والداعية الناجح هو الذي يستفيد من تلك الطريقة في التفاعل مع الناس ويمكنه أن يفرغ لها وقتًا لمزيد من التواصل مع الناس.

ولا يخلو هذا النوع من سلبيات، منها: الاستخدام غير المسؤول للمعلومات، بما قد يضر أحيانًا بمصالح عليا للدول، لا سيما وأن ما يقدم يُرصد من الأعداء.

ومن تلك السلبيات: استخدام هذا الأسلوب في فضح الحياة الخاصة لبعض الناس، أو عدم استئذانهم في نشر ما يتعلق بهم، وقد تكون لتلك المنقولات حقوقًا مادية أو أدبية.

وبوجه عام: فإنه يمكن وضع قواعد أو استصدار قوانين منظمة لتلك العمليات، شريطة ألا يؤثر ذلك على حرية إبداء الرأي المنضبطة.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة