أساليب الدعاية:
تحاول الدعاية دومًا التأثير في الآخرين بتغيير آراء المستهدفين وسلوكهم تجاه الرسالة الدعائية.
ولذا: فمَن يقوم بالدعاية يمارس الأساليب التي تمكنه من التأثير كافة، ويجتهد أن تكون تلك الأساليب قوية وفعالة ومتناسبة مع الموضوع من جهة، ومتناسبة مع ظروف الجمهور وطبيعته من جهة أخرى.
وهدفنا من سرد هذه الأساليب التعرف عليها؛ بغية استخدام الأنسب منها للدعوة، وكذلك لإدراك محاولات التشويه التي قد تتعرض لها الدعوة.
وتمهيدًا، نقول: إن الدعاية تستقي أساليبها من علوم النفس وعلم النفس الاجتماعي بالأخص، كما تستفيد من علم الاجتماع على تعدد فروعه، ومن خلال ذلك أمكن اشتقاق أساليب كثيرة استخدمتها الدعايات الحديثة للتأثير والإقناع[1].
ومن هذه الأساليب:
من الأساليب التي تستخدمها الدعاية لتحقيق هدفها أسلوب إيجاد الوهم الخاص بالإجماع، وهي بما تملكه من وسائل تستطيع أن توجِد هذا الوهم.
وتعتمد الدعاية في استعمالها لهذا الأسلوب على فكرة غريزة القطيع، التي تدفع الفرد للخضوع، وهي من السمات التي تميز المجتمعات البشرية؛ لأن الناس يطمئنون للتجمع وينفرون من الوحدة- حتى في الأفكار- أو الشذوذ عن الجماعة.
وفي الشرع اعتداد للجماعة لو كانت خيرة في مجملها، ولكن في حال المخالفة للحق فإن الحق هو الجماعة ولو كنت مستمسكًا به وحدك.
وتعمل الدعاية على تعزيز الإجماع القائم، أو افتراض وجود هذا الإجماع.
ومن وسائل الإيهام بالإجماع:
· أسلوب المظاهرات والحشد، فغالبًا لا تمثِّل المظاهرات التوجه العام في المجتمع، لكن إن وُجِدَت مظاهرة حاشدة فإنها تؤثر في ظن الإجماع على أهدافها.
· الاستقبالات والمواكب والاجتماعات الكبيرة: تُوهِم أيضًا بهذا الإجماع.
· استخدام الزي المُوَحَّد والعلامات المميزة، والإعلام بكثرة وكثافة في أماكن كثيرة وأماكن التجمعات.. كل هذا يُشِيع الإجماع أو في الأقل يُظهِرالقوة؛ فيحدث التأثير من ذلك.
إضافة هالات ومكانات للشخصيات المراد تحقيق التأثير بها وإظهارهم بصورة الأبطال الغيورين على الأهداف، وعلى مدى التاريخ كانت غالبية من يدينون بمذهب أو عقيدة يعود ذلك إلى تأثرهم بزعامات وشخصيات.
ولأجل ذلك: تنتحل الدعاية لنفسها وزعمائها قدرًا أعلى من أقدار الآخرين، ومن ذلك: اتباع أسلوب نسج الأساطير حول الشخصيات المهمة أو تضخيم أحداث عابرة أو بطولات وتحريفها لتصبح أسطورة، وربما تنسبهم لنسب شريف، وفي الوقت نفسه: تقوم الدعاية بتجريح الآخرين والانتقاص من شأنهم.
وهناك أيضًا (أسلوب النبوءات) الذي يقوم على الإخبار عن رؤى أو توقعات - وربما محاولة تلبيس تصورات دينية لهؤلاء الزعماء- مع ترديد تلك الأخبار ليتحقق بها التأثير المطلوب.
3- الدعاية من خلال الرموز:
(دع الأعمال تجذب الآخرين).. انظر: كيف أن كل محتل يحاول أن ينسب لنفسه حمل مشعل الحضارة والتغيير للأفضل، ويدعم بعض مظاهر الحياة السياسية التي تعزز مكانته ووجوده، ويقدم الخدمات العمرانية والاجتماعية، فينشئ شبكات المياه والكهرباء والطرق، ويضيف لمسات إنسانية على أعماله وأقواله فيبتسم جنوده للأطفال ويداعبونهم.. كل ذلك من أجل كسب القلوب، وكم من رمز كهذه الرموز فرقت إجماع الناس على مقاومة المحتل الذي لم يغسل يده من دماء الأبرياء.
وعمومًا يمكن للدعاة الاستفادة من هذا المبدأ، لكن بصورته الشريفة، بإظهار ما يقدمونه من خدمة الناس والإحسان إليهم؛ فإنه قيل: أحسِن إلى الناس تستعبد قلوبهم.
وغالبًا يستخدم هذا الأسلوب في الدعاية السياسية، عن طريق تعبئة كل جماعة في مواجهة الأخرى، أو عن طريق اللعب على وتر حب القيادة عند بعض الأفراد داخل جماعة واحدة، وتستخدم الدعاية لتحقيق هذا الأسلوب وسائل عديدة، مثل: دس شخصيات في المكان- ترديد إشاعات حول الجماعات والشخصيات- التلويح بالمناصب للبعض دون الآخر- إغداق الأموال على جهات دون أخرى، أو على شخصيات داخل التجمع- تحويل الانتباه عن الأفكار الأساسية للتجمع..إلخ.
ويشبه هذا الأسلوب (أسلوب الترغيب والترهيب) الذي يَعِد بما يغري من منح المناصب، وفي الوقت نفسه يهدد بالعنف أو باستخدامه وأن ما حدث لآخرين يوشك أن يحدث الآن (استعراض القوة النووية مثلًا، أو التذكير بحروب سابقة)، ويُطلِق بعض الإعلاميين على هذا الأسلوب: أسلوب العصا والجزرة.
للتكرار تأثير كبير في عقول البشر، سواءً أكانوا أفرادًا أو جماعات، لكن شريطة ألا يبلغ التكرار حد الإملال، وأن يقتصر على عدد من الأفكار القليلة الواضحة، ويستخدم لذلك سياقات متنوعة، مثل: الشعارات- كلمات مؤثرة وبليغة ومفهومة- صور ورموز.
وللتكرار مزايا عديدة؛ حيث يقوي الصلة بين الداعي والمدعوين، ويدعم الاستجابة، ويساعد في استمرار تأثر الناس بالدعاية، ويقلل من استجابتهم لدعايات أخرى، وغير خافٍ استخدام هذا الأسلوب في الدعاية التجارية والإعلانات.
غير أن عامل التكرار يجب أن يُستخدَم بطريقة منتظمة وإلا كانت النتيجة عكسية حين يصل لحد الإلحاح، وعلامة التكرار الناجح هي القدرة على تكييف الرسالة وفقًا لطبيعة الجمهور وحاجته.
ويشبه هذا الأسلوب ما يسمى (بأسلوب التكثيف)، وهو الذي يستخدِم نوعًا واحدًا من الدعاية لهدف التكرار، مثل وضع صور الزعماء أو الحكام في كافة المؤسسات والشوارع ووسائل المواصلات.
ويقترب من هذا الأسلوب: (أسلوب التأكيد)، وفيه تحرص الدعاية على التأكيد دومًا على معانيها، ومن ذلك: ما استخدمه الإنجليز من دعاية إبان احتلالهم لمصر من التأكيد على أنها (تريد مصلحة مصر واستقلالها) وتكرر ذلك دومًا بغية التأثير، ولو كانت تريد ذلك حقًّا لرحلت عنها.. وقس على ذلك شعارات كثيرة.
ويسمى هذا الأسلوب أيضًا: (أسلوب استغلال الدوافع الموضوعية)، وهو ينطلق من الثوابت المجتمعية للترويج لأشياء أخرى، فإن كانت القضية متعلقة بعمل سياسي فإنه يجب ربطها بثابت سياسي (مثل: الاستقلال الوطني- العدالة الاجتماعية- الحرية)، وفي الإنسان ميل إلى نصرة الحق والعدل وحب الخير، وإن كان الموضوع متعلقًا بشأن ديني فإنه يُربَط بثوابت دينية (مثل: الدفاع عن العقيدة- الأخوة الإسلامية- طاعة الله تعالى..إلخ).
لكن أيضًا يجب ألا يكون الربط هنا متعسفًا وإلا استدعى رفض الرسالة.
ويشبه هذا الأسلوب (أسلوب استغلال العواطف الدينية) في الترويج للرسائل وإضفاء صفات دينية على الزعماء أو الرسالة وهي من ذلك خالية.
ويسعى هذا الأسلوب- خاصة في الحرب النفسية- لتحطيم الخصم باستخدام الوسائل المشروعة وغير المشروعة كافة، وذلك للقضاء على تماسك الخصم المعنوي والفكري وإشاعة الرعب والبلبلة والشك في المعتقدات والقيم والثوابت.
ويكون ذلك بدارسة نفسية لسبل التأثير في الخصم، ولعل أقرب مثال لهذا: استعراض التفوق التقني والقدرات العسكرية، وتضخيم النجاحات، وتضخيم عمليات الاستخبارات وقدراتها الخارقة، حتى ولو من خلال الأفلام وما تدعيه من هذا التفوق، أو من خلال البحوث العلمية المزورة والتي تدعي الحيادية بينما هي تبث الرعب وتحطم الثقة.
لقد أصبح شائعًا اليوم أنه لا يمكن مواجهة الغرب ولا الوقوف موقفًا مخالفًا لأوامره، ولا مقاومة الكيان الصهيوني.. كل ذلك من جراء هذا الأسلوب.
ويشبه هذا الأسلوب (أسلوب الشائعات) التي تُبث وتنقل من شخص لآخر؛ حتى تشيع بين الجميع، ومع حركتها يزداد حجمها وتتغير معالمها وتكبر ككرة الثلج، وتترك أثرًا في النفوس ببث اليأس أو الخوف والشعور بالإخفاق، وهذا يفيد في تحطيم الروح المعنوية وتفتيتها (يحطم الجبهتين العسكرية والداخلية).. وهكذا تختفي الحقيقة وتندرس معالمها ويُشكَّك فيها وسط هذا الكم من الإشاعات.
ويشبه هذا الأسلوب أيضًا (أسلوب التغليظ) الذي يستخدم كل ما يخدم اتجاه الدعاية دون الخضوع لضوابط أخلاقية: كالتهكم والقذف والتجريح للشخصيات المشهورة، وربطها بما يثير التهكم أو التقزز أو الدعاية الماجنة أو السباب أو النكات.
يقول وزير الدعاية النازي (جوبلز): (الدعاية هي التحدث عن الفكرة في كل مكان). ومعنى هذا الأسلوب: أن نسلك جميع الوسائل التي تجعل الأفكار في متناول عقل الجمهور وسمعه وبصره أينما كان.
وهذا أسلوب مُكمِّل لأسلوب التكرار، فإننا نقصد به استخدام كل متاح للتذكير بموضوع الدعاية، ومن هنا فإن الدعاية الناجحة تستخدم: وسائل الاتصال الجماهيرية المتاحة (مكتوبة- مسموعة- مرئية- إلكترونية)، مع أساليب الاتصال الأخرى: اجتماعات- ندوات- محاضرات.
ويشبه هذا الأسلوب ما يسمى (بأسلوب الاقتران) حين يربط بين ما يريد التأثير له بشيء محبوب أو جميل، كوضع صور النساء الجميلات في الدعاية، أو استخدام الأناشيد والشعر في الدعاية، أو استخدام الاقتران السلبي، كربط الإسلام بالإرهاب أو مقاومة الاحتلال بالأذى الذي يصبه العدو على أهل البلد؛ حتى يكفوا عن مساندة المقاومة.
ويُضَمَّن هذا الأسلوب:
تفريد القيادة: بمعنى تحديد جهة واحدة تقوم بتوجيه الدعاية والتنسيق لها ورسم سياستها وضمان استمرارها ونجاحها.
تفريد الخصم: تحديد عدو واحد توجه له كل جوانب النقص وكل مشاعر الكراهية (استخدم هذا الأسلوب في التعبئة لمواجهة المسلمين ولمواجهة من يتهم بالإرهاب منهم) حتى يركز الجمهور عليه مشاعر الكراهية بشكل طبيعي.
تفريد الهدف: بمعنى تحديد الهدف الأَوْلَى بالرعاية الذي توجه له وسائل الدعاية وأساليبها المختلفة كافة لتحقيقه، وهو ما يخدم هذا الهدف ويوفر الفرصة للتأثير على الأفراد، ويجعل الدعاية عالقة بالأذهان.