نظريات الاتصال والتأثير:
(النماذج المفسِّرة لعملية الاتصال):
لمعرفة تفسير كيفية حدوث التأثير في عملية الاتصال لجأ كثير من الباحثين إلى عزل عدد من المتغيرات المحتملة التي تتضمنها العملية وتجريدها في شكلها الكلي، واستخدموا فكرة (الأنموذج) الذي يسعى إلى فهم المتغيرات المختلفة لعملية الاتصال وتفسيرها، فالأنموذج هو مخطط يضعه الباحث ليحدد من خلاله عناصر عملية الاتصال وعلاقات التفاعل بينها، في محاولة منه لفهم عملية الاتصال والتنبؤ بنتائجها، ومن ثم: تظهر على إثر النماذج المذكورة نظريات تفسر مجالات وطرائق التأثير وتشرحها؛ ليفيد ذلك من يرسل الرسائل الإعلامية في معرفة كيف يحقق أفضل النتائج.
وقد تطورت نماذج الاتصال بتطور الدراسات الإعلامية وبحوث التأثير، ففي البداية وفي إطار تصور التأثير المباشر لوسائل الإعلام وسرعة تأثيرها الكبير في المتلقين وما يطلق عليه فكرة (الحقنة تحت الجلد) أو (الرصاصة السحرية) التي بدأت مع النظر لوسائل الإعلام على إنها أدوات سحرية لديها قدرة هائلة على التأثير.. ظهرت النماذج التي تحدد عناصر عملية الاتصال التي تسير في اتجاه واحد من المصدر للمتلقي، فقد ظهر أنموذج (شانون وويفر) الذي ينظر إلى عملية الاتصال بوصفها عملية خطية: مصدر معلومات، الوسيلة، الرسالة، المتلقي، الهدف أو الغاية. وخلال عملية نقل الرسالة من المصدر إلى المتلقي أضاف عنصرًا مهمًّا من عناصر عملية الاتصال وهو (الضوضاء) أو (التشويش).
وعلى المنوال نفسه ظهر أنموذج (لازويل)، حيث حدد عملية الاتصال في العناصر الآتية: مَن؟ يقول ماذا؟ بأي وسيلة؟ لمن؟ وبأي تأثير؟ وهي العملية الخطية ذاتها لدي (شانون وويفر) غير أنه أضاف عنصر التأثير، وتعريفه بأنه: أي تغير يطرأ على المتلقي مما يمكن ملاحظته نتيجة لاستقباله لرسالة المصدر أو المرسل.. وهكذا عشرات النماذج التي تسير جميعًا في عملية خطية: من المرسل إلى المتلقي ليحدث التأثير المباشر.
ثم جاءت بعد ذلك نماذج أخرى تشير إلى التفاعل بين المصدر والمستقبِل وإلى تبادل الأدوار في عملية الاتصال، فيصير المستقبِل مرسلًا أيضًا.
وبصفة عامة: فإنه يوجد اتفاق بين الباحثين في مجال تأثير وسائل الإعلام على:
· أن التأثيرات تأخذ شكل تدعيم الاتجاهات والآراء السائدة أكبر من تغييرها.
· التأثيرات تتباين وفقًا لأهمية المصدر أو مكانته، أو ما يطلق عليه بعض الباحثين: المصدر الأكثر جدارة بالثقة والهيبة أو المعقولية، بالإضافة إلى قدراته في تقديم الحجج والبراهين.
· كلما ازداد انتشار أجهزة الإعلام وتغلغلها بين الجمهور، ازدادت احتمالات التأثير في الاتجاه المرغوب.
· معرفة الجمهور بالقضايا والموضوعات تؤثر في احتمالات التأثير؛ فالموضوعات غير المعروفة لدي الجماهير يزيد احتمال تأثير وسائل الإعلام حولها، بعكس الموضوعات الملموسة أو التي لدي الجمهور معلومات مسبقة عنها.
· أن انتقاء الجمهور وتفسيره للمضمون الإعلامي يتأثر بالآراء والاتجاهات السائدة وبمعايير الجماعة.
· أن بناء العلاقات الشخصية السائدة بين الجمهور له دور وسيط في انتقال المضمون الإعلامي (انتقال المعلومات عبر مراحل).
وفيما يأتي أهم اتجاهات تفسير تأثير وسائل الإعلام ونظرياته:
أولاً: نظريات التأثير الاجتماعي[1]:
وهي نظريات حاولت التفسير للتأثير على المجتمع بصفته الكلية، مثل:
ووفقًا لهذا الافتراض فإن أجهزة الإعلام لا تؤثر فقط بصورة مباشرة على الأفراد، ولكن تؤثر أيضًا على الثقافة وحجم المعرفة والمعايير وقيم المجتمع، وأنها تقدم مجموعة التصورات والأفكار والأحكام التي من خلالها يستخرج الأفراد تصوراتهم.
ويمكن أن تستفيد الدعوة من تلك النظرية، بأن تخطط للتأثير على المجتمع بصفته الكلية، وليس في الأفراد وحدهم، ويكون ذلك ببث الثقافة الدعوية، والتركيز على مفاهيم معينة، لتنتقل بشكل مخطط له، ومن ثم: يمكن الانتقال لغيرها من المفاهيم.
ب- نظرية ترتيب الأولويات (الأجندة):
وتقوم على أساس أن اهتمام وسائل الإعلام بموضوعات معينة وإبرازها، وإهمال موضوعات أخرى وتجاهلها؛ يجعل الموضوعات التي تهتم بها وسائل الإعلام محور حديث الرأي العام.
فالجمهور لا يتعرف فقط على القضايا العامة والموضوعات الأخرى التي تطرحها أجهزة الإعلام، وإنما يستشف أيضًا الأهمية الحقيقية لكل قضية وموضوع، من خلال حجم حجم طرحها في أجهزة الإعلام وتركيزها على كل منها، وهذه القدرة على التأثير في تغيير المعارف بين الأفراد تُعَد واحدة من أكثر الجوانب أهمية في قوة أجهزة الإعلام.
ويمكن أن نستفيد دعويًّا من تلك النظرية بترتيب أولويات الثقافة في المجتمع وفقًا للأولويات الدعوية، واستخدام أسلوب التكرار والاستفادة من الوسائل المختلفة؛ لزرع الشعور بأهمية ما يطرح، مع ملاحظة أن الأهمية للموضوعات يجب ألا تكون متكلَّفة؛ لئلا نحصل على نتيجة عكسية.
تُعَد من أبرز الأفكار التي ظهرت في مجال بحث التأثيرات الطويلة والممتدة، فقد أشار عدد من الباحثين مؤخرًا إلى أن التدفق المتزايد للمعلومات غالبًا ما يكون له تأثير سلبي؛ نتيجة لتزايد المعرفة داخل جماعة أو فئة إلى حد يفوق ما يحدث لدى جماعة أخرى.
وجدير بالذكر أن لمِلْكية وسائل الإعلام أو كثافة التعرض لها دورها في إحداث فجوة المعلومات؛ فمن يملك هذه الوسائل أو يحوزها تكون لديه فرصة أكبر في تحصيل المعلومات، مقارنة بمن لا يحوزها أو تتقلص قدرته على التعرض لها، والنتيجة أنه يوجد في المجتمع مَن يعلم ومن لا يعلم، فتحدث الفجوة التي هي نوع من التأثير لأجهزة الإعلام في المجتمع.
ويمكن أن تستفيد الدعوة من التدفق المعرفي، لا سيما بعد انتشار الوسائل الإلكترونية، بالدفع بمزيد من المعلومات حول ما يفيد المجتمع؛ لئلا ينشغل بسفاسف الأمور فتُلْهيه عن الأكثر أهمية، وأن تبتكر طرائق تصل بها إلى من لا يتعرض لوسائلها، مثل: الرسائل النصية أو الإلكترونية التي تحوي ملخصات.
د- نظرية الاستخدامات والإشباعات:
ويتجه هذا الافتراض إلى إثارة التساؤل: ماذا يفعل الناس بوسائل الإعلام؟ لماذا يستخدمونها؟. ويقوم الافتراض على أساس أن هناك أسبابًا اجتماعية ونفسية للحاجات المختلفة للأفراد، التي تولِّد لديهم توقعات من أجهزة الإعلام أو المصادر الأخرى، وهو الأمر الذي يؤدي إلى أنماط مختلفة من التعرض لوسائل الإعلام، التي تؤدي بدورها إلى إشباع هذه الحاجات وإلى نتائج أخرى غير مقصودة. وقد يتضمن هذا الافتراض أيضًا الدوافع لإشباع الاحتياجات والبدائل الوظيفية للوفاء بهذه الاحتياجات، ومن أمثلة توقع الاستخدامات: (مراقبة البيئة المحيطة- التعرف على أخبار المجتمع والعالم- إشباع التوجه المعرفي- عدم الرضا عن الواقع والبحث عن بدائل- التوجه العاطفي- التسلية)..
وتبدو العملية على النحو الآتي:
(فرد معين له حاجة أساسية، مثل الحاجة إلى التفاعل الاجتماعي، من خلال الخبرة يتوقع هذا الفرد أن التعرض لمضمون أجهزة الإعلام أو استخدامه سوف يلبي له بعض جوانب هذه الحاجة، وهذا يدفعه إلى مشاهدة برامج معينة أو قراءة أنواع خاصة من مضمون الصحف..إلخ، وعندما يتحقق له الإشباع يمكن القول إن استخدام الفرد لأجهزة الإعلام عمل بديلًا وظيفيًّا للتفاعل).
ويمكن أن يستفيد الداعية من هذه النظرية بأن يهتم بإشباع حاجات من يدعوهم، سواء الحاجات المعرفية أو العلمية أو حتى الحاجات النفسية، مثل الحاجة للتقدير والنجاح.
تُولِي قوة وسائل الإعلام في تكوين الرأي العام أهمية كبيرة (كثرة المعلومات تجبرك على الصمت خشية مواجهة كثيرين من مؤيدي وسائل الإعلام)، بمعنى: خشية الخطأ في التقدير أو التوقع أو الظهور بمظهر الجاهل تدفع الإنسان للصمت، وهذا وإن كان به فائدة عدم الخطأ أو الكلام بغير علم، لكنه قد يمنع الشخص من التعبير إن تجاوز الحذر حده.
ثانيًا: نظرية تأثير القائم بالاتصال:
هناك لعبة قديمة لها معنى تربوي مارستُها شخصيًّا في فريق الكشافة في صغري: يجلس اللاعبون في حلقة كبيرة، ثم يبدأ الأول في الإسرار لمن يليه ببضع معلومات وأوامر، ويطلب منه نقلها سرًّا لمن يجاوره.. وهكذا حتى آخر لاعب، ثم نقارن بين المعلومات والأوامر الأولى وما نُقِل حتى وصلنا إلى آخر شخص. وهنا تتضح أهداف اللعبة؛ حيث يكتشف الجميع أن الرسالة الأولى اختلفت كثيرًا عن الأخيرة، ومعنى هذا أن الناس لا يدققون في النقل.
وتستند (نظرية حارس البوابة) لشيء مشابه، فإن الخبر المنقول والمعلومة المتداولة قد يصيبها تحريف قد يكون متعمدًا أو غير متعمد، وذلك عند نقلها من شاهد العيان ثم للمراسل ثم للمحرر.. وهلم جرّا.
فضلًا عن وجود شخصيات في وسائل الإعلام المختلفة يعهد إليها بانتقاء المادة الإعلامية وصياغتها، بما يعني أيضًا تدخلهم في الصياغة والتصور وتحديد حجم الموضوع ومساحته.
وهذا كله يعني في النهاية أن ثمة تحكمات يفرضها (حراس البوابات) الذين تُنَفَّذ من خلالهم الأخبار والمعلومات، وهؤلاء يكثرون كلما أضيفت شخصيات أخرى لعملية الاختيار، مثل: المراقبين الأمنيين على العمل الإعلامي.
العوامل المؤثرة على حارس البوابة الإعلامية:
1- معايير المجتمع وتقاليده: فأي نظام اجتماعي ينطوي على قيم ومبادئ يسعى إلى إقرارها.
2- المعايير الذاتية للقائم بالاتصال، مثل: ميوله، اتجاهاته، تعليمه، وانتماءاته.
3- المعايير المهنية للقائم بالاتصال: كسياسة الوسيلة، وعلاقات العمل.
4- معايير الجمهور: حيث يجب أن يتعرف المرسِل على الجمهور حتى يقدم له ما يرضيه؛ لضمان تأثير الرسالة.
ثالثًا: نظريات التأثير المباشر على الأفراد:
وتقول بوضوح: إن الأشخاص المختلفين يستجيبون بشكل مختلف للرسائل الإعلامية، وفقًا لاتجاهاتهم، وبنيتهم النفسية، وصفاتهم الموروثة أو المكتسبة؛ لذا: فإن وسائل الإعلام تُستقبَل وتفسر بشكل انتقائي؛ وذلك بسبب اختلاف الإدراك الذي يفكر به كل شخص وما يعتنقه من المعتقدات، والقيم، والاتجاهات.. ولأن الإدراك انتقائي، فالتذكر والاستجابة انتقائيين أيضًا، ومن ثم: فتأثير وسائل الإعلام ليس متماثلًا.
ويمكن أن يستفيد الدعاة من هذه النظرية بمراعاة الفروق الفردية في قبول الرسالة، وأن يحرصوا على تقديم رسائلهم بطريقة تناسب تصورات من يدعونهم وتحرص على عدم مصادمة ما استقر في وجدانهم.. وهذا بالطبع قد لا يتحقق في جميع الأحوال؛ إذ كيف يمكن دعوة منحرف أو غير مسلم بطريقة تناسب تصوراته؟، فنقول: ليكن المدخل هنا من خلال المتفق عليه واستثارة التأثير العاطفي الذي يعتمد على استدعاء المعاني المحببة للنفس.
ومفادها: أن الناس ينقسمون إلى فئات اجتماعية، والفئة قد تتحدد بناء على: السن، الجنس، الدخل، التعليم، الوظيفة.. وأن السلوك الاتصالي يتشابه داخل كل فئة، وأن موقع الفرد في البناء الاجتماعي يؤثر في استقباله، كما أن أنماط الاستجابة تتشابه في داخل كل فئة؛ لذا: فتأثير وسائل الإعلام لا يكون قويًّا ولا متماثلًا في أفراد المجتمع، ولكنه يختلف بتأثير الفئات الاجتماعية.
ولقد سبق عند دراستنا للمستقبِل أن أشرنا إلى أنواع الجمهور، مثل: الجمهور الحساس (النساء- الأطفال- المراهقين- كبار السن) ويناسبهم الخطاب العاطفي، والجمهور العنيد، ويناسبه الخطاب العقلي، والجمهور غير المبالي، ويناسبه الخطاب الإبداعي.
بدأت تلك النظرية تتناول التأثير بشكل مختلف عن فكرة المجتمع الجماهيري والنظريات الأولي؛ لأنها تنظر إلى جمهور وسائل الإعلام على أنهم ليسوا مجرد أفراد منعزلين، أو أفرادًا مجتمعين في فئات اجتماعية، ولكن على أنهم يرتبط بعضهم ببعضهم في اتحادات، وعائلات، ونوادي.. لذا:
· فالمناقشات السياسية المباشرة يكون لها أكبر الأثر في قرارات الناس بدرجة أعلى من التعرض للراديو والصحافة مثلًا.
· والذين يزيد تعرضهم لوسائل الإعلام يمكن أن يؤثروا في الأقل تعرضًا لها.
فالعلاقات يجب أن توضع في الاعتبار.
وهنا يمكن أن نستفيد دعويًّا من هذا بأن نجري حوارات مباشرة، ونستخرج ما لدى المدعوين من تصورات؛ ليسهل علاجها، كما يجب الاستفادة من العلاقات المجتمعية والتجمعات الشبابية والنقابية وغيرها في التأثير الدعوي.
رابعًا: نظريات التأثير غير المباشر:
أ- نظرية التأثير المعتمد على تقديم النموذج:
تقول إن تعرض الفرد لنماذج السلوك التي تعرضها وسائل الإعلام يقدم للفرد مصدرًا من مصادر التعلم الاجتماعي، مما يدفعه لتبني هذه النماذج في سلوكه.
وهنا يمكن أن نستفيد دعويًّا من النظرية بتقديم نماذج ناجحة تصلح للقدوة والتأثير، وهذه الوسيلة ناجحة جدًّا في التأثير، واستخدمها القرآن الكريم كثيرًا بسرد قصص الأنبياء والصالحين؛ ليكونوا قدوة للناس.
يمكن لوسائل الإعلام أن تقدم معاني جديدة لكلمات اللغة، وتضيف عناصر جديدة للمعاني القديمة. ولما كانت اللغة عاملًا حاسمًا في الإدراك والتفسير والقرارات، فإن وسائل الإعلام يصبح لها دور حاسم في تشكيل السلوك بشكل غير مباشر، باستخدام ألفاظ تستدعي معاني محددة..
وهنا نعمل دعويًّا على ترسيخ ألفاظ تستدعي معاني طيبة ومفيدة، وتبتعد عن الألفاظ المُسِفَّة.
خامسًا: نظرية الاعتماد المتبادل:
وفي نظرية الاعتماد المتبادل بين الجمهور ووسائل الإعلام والمجتمع، لا بد من وضع ثلاث علاقات في الاعتبار عند التحدث عن تأثير وسائل الإعلام:
أولًا: النظام الاجتماعي.
ثانيًا: دور وسائل الإعلام في هذا النظام.
ثالثًا: علاقة الجمهور بوسائل الإعلام.
فاستخدام وسائل الإعلام لا يكون بمعزل عن تأثيرات النظام الاجتماعي السائد، وطريقتنا في التعامل مع هذه الوسائل تتأثر بما تعلمناه من المجتمع، وبما يحدُث في اللحظة التي نستقبل فيها الرسالة.