مكانة الإعلام في الإسلام:
علمنا من قبل أن الإعلام فرع من الاتصال، حيث لم ينفصل الاتصال يومًا من الأيام عن مسيرة الحياة الإنسانية، سواء أكان اتصالًا ذاتيًّا أو فرديًّا أو جمعيًّا.
ويستمد الاتصال قيمته الفكرية من عِظَم المضمون الذي يحمله، وإذا كانت بعض السلبيات تعتري المسيرة الاتصالية باستخدامها في الخداع والظلم فإنما تقع مسؤولية ذلك على فاعله وليس على الوسيلة نفسها.
ولقد استفادت الدعوة إلى الخير من علوم الاتصال؛ لأنه يمثل مهارة بشرية تميِّز بني البشر عن غيرهم، وما أرسل الله الرسل إلا لإعلام الخلق بحقيقة الخالق وبيان الطريق الصحيح للحياة السعيدة، وجاء كل نبي ورسول يؤكد هذه المهمة { أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ } [الأعراف: 62]، وكان هذا أمر الله لرسوله الخاتم: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۖ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ } [المائدة: 67]، والبلاغ هو الإعلام بكل وظائفه: بشارة ونذارة، وتفسيرًا وإيضاحًا، وإخبارًا وتذكيرًا.
ومن هنا: فإن الإعلام يجب أن يكون عملًا مسؤولًا وقضية بشرية توجه الإنسان وتضبط سلوكه؛ ليستقيم في أسلوبه ورسائله ولتستقيم حياته باستقامته على منهج الله.
والمجتمع الراشد هو الذي يتلمس جوانب الخير في الإعلام ومناهجه ويُسخِّر وسائله- التي هي محايدة في الأساس-؛ ليتحقق بها وعن طريقها صلاح الأمة واستقامة المجتمع، ويظل للإعلام مزاياه وأثره الإيجابي في المجتمع الإنساني ما دام ينطلق من وعي صحيح واستقامة على المنهج القويم.
وقد اصطلح على تسمية هذا النوع من الإعلام بالإعلام الإسلامي؛ ليتميز بأنه إعلام طاهر يحرص على الخير وعلى دعوة الناس إليه، فهو إن نقل فينقل الأخبار الصحيحة الصادقة، وإن نصح فينصح بما يرشد الناس للحق والخير، وإن استُخدِم في الترفيه فلا يضيع الأوقات ولا يُرفِّه بالمحرمات ولا يخرج عن المباحات، كما أنه يحرص على تربية الناس على الفضائل.
بين (الإعلام الديني) و(الإعلام الإسلامي):
يجب أن نميز بين مصطلحي (الإعلام الديني) و(الإعلام الإسلامي)؛ وذلك بسبب:
1- أن الإعلام الديني أعم من الإسلامي، من جهة التعامل مع النصوص الشرعية؛ لأنه إعلام متخصص في مجاله؛ لذا: فالإعلام الديني يشمل المناهج الإسلامية ومناهج الأديان والملل الأخرى، ونجد وسائل إعلام رسمية لبعض الدول العربية تقدم هذا النموذج من الإعلام.
2- أن الإعلام الديني ينحصر في الصفحات الدينية في الصحافة والبرامج الدينية في الإذاعة والتليفزيون، وأما الإعلام الإسلامي فهو أن تكون الوسيلة الإعلامية مقبولة إسلاميًّا من الغلاف إلى الغلاف، ومن الافتتاح إلى الاختتام حتى لو تنوعت المواد المطروحة.
3- أن المفهوم الديني للإعلام يرسخ المفاصلة بين الدين وشؤون الحياة الأخرى، فكأنه يوجد هناك إعلام ديني كهنوتي، وآخر علماني غير ديني، وهذا المفهوم ينتقص من شمولية الإسلام وعموميته، في حين أن الإعلام الإسلامي يلغي هذه المفاصلة ويرسخ شمولية الإسلام (دينًا ودولة ودنيا).
ومن هنا تظهر ميزات الإعلام الإسلامي، التي منها:
1- أنه وسيلة لإرشاد الإنسان إلى عبوديته لله وحده؛ لتوجيه فكره نحو التفكر في ملكوت الحق سبحانه، بعرض مظاهر قدرته وعجائب قدرته، وهذه عبودية عملية، كما يرشد عمل الإنسان ببيان أوجه الخير من الشر، وهذا يوجهه نحو التزام منهجه ومحبة دعوته ومحبة أنبيائه وعباده الصالحين، وتفنيد كل ما يثار من شبهات وادعاءات.. وهذه عبوديات عملية وعلمية.
2- الرسالة الإعلامية الراشدة هي التي تقود إلى تنمية المجتمع ورفاهيته وإقامة علاقات المودة والألفة والتعاون بين أفراده وجماعاته وعامة المسلمين، وتقريب الفوارق بين الثقافات وبيان معالم فكر الإسلام لغير المسلمين { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ } [الحجرات: 13]، وبذلك تقوم دولة الهداية وأمة الفضيلة.
3- وسائل الإعلام منبر يستخدمه أبناء الأمة للتعبير عن آرائهم البناءة، ولتقديم الجديد في أمور الحياة، ولتحديث أساليب العيش والعمل، بما يتيح التنمية والنماء؛ حتى أضحت هذه الوسائل دربًا لازمًا من دروب الحياة المعاصرة.
4- الإعلام الإسلامي هو لغة الخطاب الإسلامي للأفراد والجماعات عبر وسائل الاتصال، وقد تميز الإسلام بوسائل خاصة وأساليب منفردة، كخطبة الجمعة، وخطبة العيدين، وتجمع عرفة يوم الحج الأكبر، وانفرد بالأذان إعلانًا عن الدعوة إلى العبادة والصلاة.
5- الإعلام الإسلامي ووسائله من أهم عوامل نقل الحضارة، وإشاعة الثقافة الجادة والعادات الاجتماعية المنضبطة، ودعم الفكر الصالح، والتوعية السياسية والاقتصادية الراشدة الواعية، وبث القيم الصحيحة في العادات والسلوك، والصحة الجسدية والبيئية والنفسية، وتحقيق التواصل الاجتماعي والثقافي بين الأفراد والجماعات والأمم.
وحتى نحقق رسالة الإعلام في المجتمع فإنه لا بد من توفير الحصانة للمجتمع ضد الإعلام الوافد والموَجّه لإفساد عقائد الأمة وسلوكها[1].
يتميز الإعلام الإسلامي عما سواه بعدة خصائص، هي:
فلا بد أن يعكس الإعلام الإسلامي العقيدة الإسلامية بشكل فاعل ومؤثر؛ فهو ملتزم بعقيدة الإسلام في كل شأن من شؤون الحياة، هو يعمل على نشر العقيدة وتعميق الوعي بها والتحاكم إليها في كل شيء[2]، فالعقيدة تمثل المنهل الأكبر للإعلام الإسلامي والأحكام الشرعية، والتزامها هو أحد معاني الالتزام بالعقيدة.
يغطي الإعلام الإسلامي مجالات الحياة المتباينة، أي: لا يرتبط بمهام معينة كالوعظ والإرشاد مثلًا، وإنما يتجاوزها إلى شتى مجالات الحياة: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية.. وغيرها[3]، ليضبطها جميعًا وفقًا لأحكام الإسلام وتوجيهاته.
يتوجه للناس كافة ولا يرتبط بحدود جغرافية، قال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } [الأنبياء: 107]، وقال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [سبأ: 28]، وهذا التوجه للبشرية من باب الشعور بالمسؤولية التي حمّلنا الله تعالى إياها للسعي لهداية الخلق.
لا يكتفي بترجمة الواقع في مجالاته المختلفة أو التعبير عنه، ولكنه يتجاوز ذلك من أجل تغييره؛ ولذا: يسعى دومًا إلى الترقي والسمو، وبذا: يتحقق من خلاله القيادة الحقة التي لا تستسلم لواقع الإخفاق، وهو بذلك إعلام إيجابي بناء.
الإسلام دين ظاهر ليس فيه أسرار ولا كهنوت، ولا يختص طائفة بفهمه دون أخرى، ويمكن للإنسان أيًّا كانت لغته وقدراته أن يفهم عقيدته وأن يستوعب رسالته، وهو يعلن عن نفسه وعقيدته وشريعته في كل مكان وزمان؛ وانطلاقًا من هذا لا بد أن يكون الإعلام الإسلامي جريئًا وعلنيًّا وصريحًا فيما يقدمه، لا يتوانى عن الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر، فهذا من أصول الدين، لكنه يقدِّم ذلك بأسلوب علمي موضوعي لا يلجأ فيه لفضح المستورين، بل يفعل كما كان رسول الله ﷺ يفعل «مَا بَالُ أَقوام يَفْعَلُونَ كَذَا وَكَذَا»، أما من جهر بالعداوة والخطأ فهذا يمكن التصريح باسمه وتفنيد شبهه؛ لأنه هو الذي أخرج الأمر للعلن[4].
وفي الوقت نفسه: يشجع كل عمل إيجابي ويسعى لإشاعته ونشر أخباره وبيان أفكاره ومنفذيه؛ ليكون قدوة للناس.
يعتمد الموضوعية ويحترم الآراء { قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [البقرة: 111]، كما أنه يترك الجدال والمراء؛ لأن الإسلام يذم المراء، يقول رسول الله ﷺ: «أَنَا زَعِيمُ بَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ، وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا»[5].
ومن اتزان الإعلام الإسلامي أنه لا يبالغ في نقد الآخرين، ولا يبالغ في تهويل الأخطاء، ولا يعرضها بأسلوب تهكمي ساخر، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ } [المائدة: 8][6].
والإعلام الإسلامي لا يفتعل الأحداث، ولكنه يرتبط بها ارتباطًا وثيقًا، وبصفة خاصة الأحداث التي يمكن استثمارها إعلاميًّا، ويحاول من خلالها لفت الانتباه إلى مواطن التأمل والعظة والعبرة[7].
إعلام واقعي ومثالي في الوقت نفسه:
فهو واقعي بحيث لا يكلف الناس بما لا يطيقون، وهو مع الناس في همومهم ومشكلاتهم يخالطهم ويصبر على أذاهم، لكنه أيضًا مثالي يحبِّذ الصورة المثالية دائمًا ويدعو إليها، ويعلم بأن أقوامًا سيسعون للالتزام بها ولا ييأس من ذلك.
للإعلام الإسلامي أهداف أربعة، وهي تتفق مع الأهداف التي ذكرناها في فصل الإعلام، لكنها هنا منضبطة بالإسلام.
الهدف الأول للإعلام هو الإخبار:
وهو نفسه هدف الإعلام الإسلامي الأول، لكن الإسلام يضبطه بضابط (الإخبار النافع الصادق)؛ فربما انحدرت بعض وسائل الإعلام لتخبر الناس بكل ما تقع عليه، بغية تحقيق سبق صحفي، وربما كان خبرًا كاذبًا فيقدح في مصداقية الوسيلة، وربما كان الخداع يلوِّن الخبر تنفيذًا لما تريده بعض الجهات المنتفعة بصياغته بطريقة معينة تؤدي لقلب الحقائق أو تشويهها أو لتسُوق المتلقي نحو تبني وجهة نظر معينة.
لكن الهدف من سوق الخبر في الإعلام الإسلامي يختلف عن هذا، فهو يسعى للخبر المفيد النافع الذي يضيف للمتلقي فائدة ويرفع عنه حرجًا وينبئه بما يحدث حوله بصدق غير خادع.
ولقد قيدناه بالنافع مع الصادق؛ لأن بعض الأخبار صادقة ولكنها خالية من النفع، فكل أخبار تافهة قد تكون صادقة لكنها غير مفيدة، وكل نقل لغيبة قالها شخص عن آخر قد تكون أخبارًا صادقة لكنها غير مفيدة، وكل إفشاء لسر متعلق بالدولة أو أفرادها قد تكون أخبارًا صادقة لكنها غير مفيدة، بل قد تسبب ضررًا، ومن ثم: يكون الإعلام هو المتسبب لهذا الضرر.
وبالعكس: قد يقوم بعض المشتغلين بالإعلام بافتعال لبعض الأخبار أوتضخيمها؛ ليحث الناس على سلوك معين أو يطلب منهم القيام بعمل نافع من خلال خبر أو معلومة غير صادقة، فيظن أنه بذلك يفيد ولو لم يكن صادقًا، وهو مرفوض أيضًا، ويشبه حاله حال الوضاعين للأحاديث النبوية الذين كانوا يُسوِّغون فعلهم بادعاء أنهم لم يكونوا يكذبون على النبي بل يكذبون له!.
فالهدف الأول في الإعلام الإسلامي هو (الإخبار الصادق المفيد).
وقد تواجه القائمين بالاتصال صعوبات في الالتزام بهذه الاحترازات، عندما يغربلون الأخبار ويطرحون منها الغث ويكتفون بالمفيد، ونقول: قد يأخذ ذلك جهدًا نعم، خاصة مع وجود وكالات الأنباء العالمية التي هي مصادر أساسية للأخبار، وفي الوقت نفسه هي علمانية لا تعمل وفق هذا الضوابط الإسلامية، لكن نقول: إن هذا الالتزام هو الذي يحقق المصداقية العالية ويأخذ بيد المجتمع للحق والخير ويرشده إلى ما ينمي مهاراته وقدراته، ولعل الله تعالى يَمُنّ على المسلمين بوكالات أنباء ذات مكانة مهنية عالية تسعى للصادق المفيد.
كما أن على المؤسسات الإعلامية الإسلامية أن تسعى للأخبار بنفسها؛ ليكون ذلك متوافقًا مع أهدافها وتحقق بذلك السبق على غيرها.
وهو في الإعلام الإسلامي يُقيَّد (بالتثقيف المفيد)؛ لأن التثقيف الذي يتبناه الإعلام العام قد يكون فيما لا فائدة منه، فيضيع الأوقات أو يثير الغرائز.
كما أن التثقيف قد ينحو نحو تفسير الأحداث بصورة متحاملة أو مشوهة للحقائق، لا سيما مع تسلط اتجاهات علمانية على وسائل الإعلام، وهي ترغب في فرض سيطرتها على الفكر.
إن من الخيانة عند القائمين على بعض الأجهزة الإعلامية أن يتركوا توجيه الناس وتثقيفهم في يد مجموعة يرفضها المجتمع ويأبى قبول أفكارها.
وهم وعلى الرغم من عدم مصداقيتهم لدى كثير من المتابعين ينظرون بتعالٍ ويتكلمون بثقة في محاولة لتمرير مفاهيمهم عند من يتعرض لهم من البسطاء.
إن التثقيف في الإعلام الإسلامي يسعى لتبصير المتابعين بما يجري حولهم من أحداث، ويرشدهم إلى وجهات نظر مخلصة صادقة من مفكرين متخصصين.
وهو مقيد في الإعلام الإسلامي بأنه (الترفيه المباح)، وهو الذي لا يستخدم المحرمات ولا يكشف العورات ولا يضيع الأوقات.
ولقد ابتلينا في الإعلام بإسراف كبير وتنافس شديد في قضايا الترفيه، حتى إن شهرًا كشهر رمضان يُساء إليه بتفريغه من محتواه وإشغال المشاهدين بكل ما يصرفهم عن العبادة في الشهر الفضيل. فالمنافسة تشتعل في السوء والفحشاء بلا أي تعظيم لجلال الشهر، وبلا إحساس بالمسؤولية التي ينبغي أن تكون رادعًا للإعلاميين عن هذا التنافس الذي يشتعل على حساب قيم مجتمعنا.
لقد صار مصطلح (ليالي رمضان) لا يعني الانشغال بالذكر ولا العبادة، وإنما يعني الانشغال بالتفاهات والمسلسلات.
وهنا يبرز الإعلام الإسلامي ليضع الترفيه في موضعه الصحيح بلا إفراط ولا تفريط؛ فلدينا ترفيه، ويجب أن نراعي فيه عناصر الإبداع والتشويق، لكننا ننزهه عن الأفكار الهدامة أو التافهة، ونبعده عن الاستخدام في تضييع الأوقات.
الهدف الرابع هو التغيير للأفضل:
وهو الذي يعتمده الإعلام الإسلامي بدرجة عالية؛ ليسعى من خلاله إلى توجيه الناس؛ فالجمهور يحتاج لمن يأخذ بيده ويغير سلوكه للأفضل، ولا يكتفي بمجرد التثقيف والتعليم؛ لأنه لا فائدة كبرى من اكتساب الشخص معلومات دون الإفادة منها ودون أن تؤثر في سلوكه. فكل مسلم يعلم بوجوب الصلاة وإيتاء الزكاة، لكن بعض المسلمين يُقصِّر في العمل والاستجابة، وكل مسلم يعلم كثيرًا من المحرمات لكن طائفة كبيرة قد لا تمتنع عنها، وهنا يأتي دور تغيير السلوك، أو التربية.
وهناك قضايا أساسية داخل المجتمع المسلم- الفقر والجهل والمرض على سبيل المثال- تحتاج إلى همم عالية وإيجابية كبيرة وتظافر للجهود وتعاون.. وكل ذلك لا يكفي مجرد وصول الأخبار ولا الثقافة حول أبعاد تلك الموضوعات، وإنما تتطلب تحركًا لحل المشكلات وسد الثغرات، وكل ذلك لا يتحقق إلا من خلال إعلام مسؤول يسعى للتحفيز نحو حل تلك القضايا.
وعلى الصعيد الدولي والعالمي هناك قضايا أخرى تحتاج للجهود (إغاثة المتضررين- محاربة الجريمة المنظمة- دعم الأقليات المسلمة- دعم قضايا المسلمين العامة- محاربة التشويه المتعمد للإسلام والمسلمين)، وكلها تحتاج لتغيير إيجابي يتجاوز فيه الفرد المسلم مجرد اجترار المعلومات ليكون عنصرًا فعالًا من عناصر العمل وحلًّا أساسيًّا لهذه المشكلات.
ويسعى الإعلام الإسلامي لتحقيق ذلك من خلال التناول المتنوع والتكرار للرسائل الإعلامية الساعية إلى تحقيق أهداف سامية، من تغيير اتجاهات الجمهور نحو الأفضل، ومن ثم: تبدأ القناعات تتشكل، وأخيرًا يترجم ذلك إلى سلوك، وبذا: يحصل الإعلام الإسلامي على بغيته من إصلاح أحوال المجتمعات.
العلاقة بين الإعلام الإسلامي والدعوة:
لا شك أن هناك علاقة كبيرة بين الإعلام والدعوة (بمعناهما العام) من جهة، وبين الإعلام الإسلامي والدعوة الإسلامية من جهة أخرى.
والدعوة لغة: من الفعل دعا يدعو دعاء ودعوى، بمعنى: طلب، وحَثَّ، ونادى، ورغب، ومنه الدعاء: الرغبة إلى الله، وهي النداء والصيحة، والابتهال والسؤال[8].
وتُعَرَّف الدعوة بأنها: مطلق الطلب إلى شيء، سواءً أكان هذا الشيء حسيًّا أو ماديًّا، وسواء أكان إلى خير أو إلى سوء[9]، وسواء أكانت حقًّا أو باطلًا؛ كما في قوله تعالى: { وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ } [غافر: 41].
وأما تعريف الدعوة الإسلامية: فهناك تعريفات عدة سنقتصر على بعضها بما يتلاءم مع طبيعة هذا المبحث:
فقد عرفها د. إبراهيم إمام بأنها: (نشر عقيدة الإسلام ومبادئه وقيمه وتعاليمه بين سائر الناس)، ويضيف: (والدعوة الإسلامية لها معنيان:
الأول: رسالة الإسلام وما تتضمنه من عقيدة وشريعة وقيم وأخلاق وسلوك.
والثاني: هو التبليغ، أو إيصال هذه الرسالة إلى الناس، وحثهم على فهمها والإيمان بها واتخاذها معيارًا لسلوكهم في الحياة، والذي يهمنا هو المعنى الثاني)[10].
وعرفها د. هاشم نغيمش بأنها: (الدعوة إلى دين الإسلام، باستخدام أساليب الاتصال ووسائله، من قائم بالاتصال فردًا أو جماعة أو هيئة، وتهدف إلى دعوة غير المسلمين إلى اعتناق الإسلام الصحيح، عن طريق تقديم الحجج والبراهين وإقناعهم بها. وهذا التعريف يقصر الدعوة على غير المسلمين)[11].
أما الإعلام الإسلامي فأعرفه بأنه: هو الرسالة العلنية المقصودة، الموضوعية وغير التجارية، المنضبطة بأحكام الإسلام، الداعية إلى منهجه.
وهذا التعريف مستقى من التعريف للإعلام الذي سُقتُه في الفصل الثاني من البحث. وقد زِدتُ عليه الانضباط بأحكام الإسلام والدعوة لمنهجه؛ لكي أشير إلى أن هاتين الخصلتين مرتبطتين، فلكي يكون الإعلام إسلاميًّا لا بد من خلوه من المحرمات، فضلًا عن توجهه الخير نحو توجيه المجتمع والأخذ بيده نحو الإصلاح.
وهو بذلك أعم من الإعلام الديني الذي يُنظر إليه على أنه إعلام متخصص في القضايا الدينية، مثل البرامج الدينية والفتاوى والتفسير..إلخ، بينما يمكن أن يكون البرنامج الثقافي والرياضي والفني إسلاميًّا إن خلا من المحرمات الشرعية ودعا الناس إلى الخير ولم يتعمد ضياع أوقاتهم ووقوعهم في الإسراف في المباحات.
[التداخل بين الدعوة والإعلام الإسلامي]
ولذا: نجد تداخلًا بين المفهومين: الدعوة، والإعلام الإسلامي؛ مما دفع الباحثين لإيضاح العلاقة بينهما:
ومن البداية نعرف أنهما ينتميان إلى الاتصال باعتبار كل منهما فنًّا من فنونه؛ ولذا: فبينهما سمات مشتركة، وهذا الذي حدا ببعض الباحثين لتصور العلاقة بينهما في إطار التساؤل الذي يطرح نفسه: أيهما أعم من الآخر؟ أو أيهما يعد فرعًا من الآخر؟.
والأمر نفسه يُطرح في تصور العلاقة بين الدعوة الإسلامية بوصفها عِلمًا له خصائصه وصفاته، والإعلام الإسلامي بوصفه عِلمًا له أيضًا خصائصه وصفاته: أيهما يتبع الآخر؟.
والذي أراه أن تلك التساؤلات هي أقرب للتساؤلات النظرية البحثية دون أن يكون لذلك آثار عملية؛ لأن النتيجة في النهاية واحدة، وهي: أن الإعلام الإسلامي يخدم الدعوة ويساعد في نشرها بصورة كبيرة تتجاوز حدود الزمان والمكان؛ فالإعلام الإسلامي يمثل ذراعًا مهمة من أذرع الدعوة الإسلامية.
[الإعلام الإسلامي جزء من الدعوة]
ولو نظرنا للأمر نظرة كلية سنجد أن الدعوة تشمل التأثير في المدعوين نحو الاستجابة لمطالب الشريعة أو توجيهاتها، سواءً أتخذت في ذلك سبيلًا فرديًّا، وهو ما يطلق عليه الدعوة الفردية، أو باستخدام الدعوة الجماعية التي تعتمد على مستويات مختلفة من عملية الاتصال (اتصال جمعي، أو تنظيمي، أو جماهيري).
وبالنظر إلى أن الإعلام يعتمد فقط على الاتصال الجماهيري فإن ذلك يؤكد لنا بوضوح أن الإعلام الإسلامي يكون جزءًا من الدعوة، وليس العكس. فالإعلام بهذا المفهوم هو جزء من جزء يمكن أن يمثل الدعوة الإسلامية، وهذا ما نميل إليه ونستدل عليه بما سبق.
إن مما يقلل الاختلاف في هذا الشأن: حصر العلاقة إما بين الدعوة والإعلام عمومًا، أو بين الدعوة الإسلامية والإعلام الإسلامي، ولذا: نرى أن الإعلام الإسلامي بوصفه علمًا له أصوله وقواعده ووسائله المخصوصة هو جزء من الدعوة الإسلامية التي تعمل على التعريف بالإسلام عقيدة وشريعة وسلوكًا ونشره وتبيينه للناس كافة، وأما المفهوم العام للإعلام (وهو الاتصال) فهو يتوافق مع المفهوم العام للدعوة بمعنى الإخبار والتبليغ.
وأخيرًا: لا بد أن ننبه إلى أنه لا بد أن تبقى للمصطلحات الإسلامية خصوصيتها، ومع احترامنا لجهود الباحثين الآخرين في صياغة المصطلحات، خاصة التي تتعلق بالجانب المهني وجواز الإفادة منها، إلا أننا نحذر من جعل مفاهيم الآخرين لهذه المصطلحات أصلًا ومعيارًا، ومحاولة جر المصطلحات الإسلامية إليها، فهذا له أثره السيِّئ على هويتنا ويعطي الفرصة للتطاول، أو يجعل بعض ألفاظنا الشرعية عرضة للطعن أو التشويه من ضعاف النفس الذين لا يجيدون إلا فن التبعية والانقياد للغرب[12].
الضوابط والأحكام الشرعية المتعلقة بالإعلام:
وفقًا للخصائص التي سقناها آنفًا للإعلام الإسلامي يمكننا عَدّ ذلك إطارًا عامًّا للأحكام الشرعية التي تتعلق بالإعلام، وهذا يعد أحد الضوابط، بمعنى أن من الضوابط في الإعلام الإسلامي أن يكون: إعلامًا يدعو للعقيدة ويلتزم برسالتها، شاملاً لجوانب الحياة المختلفة، عالميًّا، قياديًّا، علنيًّا، منصفًا، متزنًا، واقعيًّا ومثاليًّا في آن واحد.. على نحو ما فصلناه قبل قليل.
وهناك إشكالية يجب أن يدركها القائمون على الإعلام الإسلامي، وهي: أن أكثر الكتابات المتعلقة به إنما كتبها متخصصون في الإعلام لديهم رغبة مخلصة في الإفادة للدين، وهذا جهد طيب مشكور، لكن يعيبه أن من يكتب غالبًا ما يكون غير متخصص في العلم الشرعي، وقد تغيب عنه مفاهيم تأصيلية متعلقة بالموضوع، لذا: فالأمر ما يزال بحاجة إلى مزيد من التأصيل الذي يجمع بين العلم التأصيلي والجهد النظري وتصور التطبيق العملي. وربما بسبب ذلك: لم أجد (فيما أعلم) كتابات تأصيلية للإعلام تُرْجِع أموره لأصولها في الشريعة، كما خرجت الكتابات البحثية في الموضوع بصورة عامة لا تتمتع بالدقة التي تتميز بها الكتابات الشرعية للباحثين في علوم الشريعة، فبحسب علمي لا توجد كتابات تأصيلية تناولت تلك القضية.
ولقد حاولت جهدي في رسالتي للدكتوراه أن أضع قواعد إعلامية عامة مستمدة من الشريعة، إضافة لقواعد خاصة فقهية اجتهدت في تصور تطبيقها إعلاميًّا[13].