ضوابط شرعية فيما يحتاجه الإعلام من الممارسات:
هناك عدة موضوعات يحتاج الإعلامي أن يضبطها بميزان الشريعة إن أراد أن يكون عمله الإعلامي شرعيًّا صحيحًا، من ذلك[1]:
· معرفته الحرية المنضبطة للإعلام في الإسلام.
· معرفة حقوق الإنسان والأفراد (المتابعين أو الضيوف) في العمل الإعلامي.
· ما يجب مراعاته من حق المجتمع في الإعلام.
· أخلاق الإعلام في مضمون ما يقدم.
· الإعلام وترشيد المجتمعات.
· الضوابط المتعلقة بالحوار الإعلامي.
1- الحرية المنضبطة في العمل الإعلامي:
يحتاج العمل الإعلامي إلى الحرية كحاجة الإنسان إلى الهواء، فلا يقوم العمل الإعلامي الناجح إلا على أساس كبير من الحرية التي تسمح له بتناول الواقع ونقده وانتقاد المنحرفين والمجاهرين وتشجيع الناجحين حتى ولو كانوا من المهمشين.
لكن تلك الحرية لها ضوابطها التي تجعلها لا تتخطى حدودها إلى الأذى أو التشهير أو تصفية الحسابات مع الآخرين، وهاك بعض تلك الضوابط:
يكمن منهج الإسلام في حدود حرية الرأي والتعبير وضوابطها في كلمة واحدة، هي: (التزام الحق)، بمعنى التزام أوامر الشرع؛ يقول الحق سبحانه: { وَالْعَصْرِ ١ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ٢ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ٣ } [العصر: 1- 3]، أي: تواصوا بالخير والمصلحة العامة كما بينها الشرع (حق الله).
ولقد أمر رسول الله ﷺ بقول الحق ولو كان مرًّا؛ فعن عبادة بن الصامت، قال: «بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ: فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ»[2].
و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أو لِيَصْمُتْ»[3]، وهذا الحديث جامع لحدود حرية الرأي السياسي، وضوابطه، ذلك أن كلمة الخير تعني الالتزام بالحق، وأنها تحمل المعنى الإيجابي، وهو المصلحة العامة المستهدفة من النقد والنصح، فضلًا عن توافر كل عناصر حسن النية والصدق، وهو ضابط لحرية القول أو النقد السياسي وغيره.
ومن المعروف أن في المجتمع قوى مختلفة ومتنوعة ومتعددة، فبعضها يكون في جانب الحق، وبعضها في جانب الباطل؛ فإن لم يقم أهل الحق بواجبهم تغلب الباطل وأهله وساد منطقهم.
وفي الوقت نفسه: يجب أن تُحتَرم خصوصية الناس، وتقدر قيمهم الاجتماعية، وألا يُساء إلى لغاتهم أو لهجاتهم أو قيمهم أو وظائفهم؛ لذا: فحرية الرأي مكفولة لأصحاب الفكر المستقيم في مواجهة المزينين للباطل؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ اللَّهَ لَم يَبْعَث نَبِيًّا وَلا خَلِيفَةً إِلا وَلَهُ بِطَانَتَان: بِطَانَةٌ تَأمُرَهُ بالمَعروفِ وتَنْهَاهُ عَن المُنْكَر، وبِطَانَةٌ لا تَألُوهُ خَبَالًا، وَمن يُوقَ بِطَانَةَ السُّوء فَقَد وُقي»[4]، وواضح أن المصلحة العامة تدخل في عموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولأن الإسلام دين الوسطية فإنه لم يترك الأمر بلا ضوابط، بل وضع إطارًا عامًّا للحرية عمومًا أساسه- كما أشرنا- (التزام أوامر الشرع)، فهذا هو الضابط الوحيد للحرية في الإعلام الإسلامي؛ فإذا أمر الشرع بعفة اللسان، وحفظ كرامة الإنسان، وعدم إيذائه بما يسيئ إليه، وعدم فضحه أو تعييره على رؤوس الأشهاد.. صارت تلك من ضوابط الحرية، وإن أمر بالصدع بالحق دون خوف لائم، والوقوف أمام الظالم في ظلمه، ورفع شكوى المظلومين.. صار هذا ضابطًا آخر مكمِّلًا للأول، وإن أمر الشرع بتعظيم شعائر الله، وتعظيم حرمات الله، وعدم جواز التعرض لأوامر الله تعالى وأحكامه بالنقد أو الإساءة.. صارت تلك ضوابط أخرى.
وهكذا نجد كل الضوابط الشرعية المختلفة تتعاضد لترسم تلك الصورة المشرقة للحرية في الإسلام، حيث لا مانع من النقد الموضوعي للأشخاص أو الهيئات أو الدول إن كان لا يجرح ذواتهم ولا يسيئ إلى أشخاصهم، وإنما ننقد ما قاموا به من أعمال، كما أن أحكام الله تعالى، وشعائره، ودينه، ورموزه، وأشخاص الرموز فيه، وقيم المجتمع المستقرة- ومنها: أدوار أفراد الأسرة، كالدور الاجتماعي (للأم والأب..إلخ) -.. كل ذلك يكون مصونًا لا ينتقد ولا يُساء إليه.
فتلك إذن بعض الضوابط التي ينبغي استصحابها عند النظر في أمر حقوق الإنسان في التعبير وحرية الرأي المتعلقة بالبرامج الحوارية وغيرها من أمور الإعلام.
من حقوق الإنسان الأساسية التي لا يجوز أن تسلب منه بحال من الأحوال: حرية إبداء الرأي؛ فمن حق الإنسان أن يفكر، وأن يقول ما يعتقد، وأن يعلن رأيه فيما يراه من عوج وفساد، وأن ينكر على غيره ما وقع منه من تجاوزات وظلم، ولقد جاء الأمر بذلك في أدلة عدة، مثل الحديث الوارد عن أبي سعيد رضي الله عنه، عن النبي ﷺ، قال: «لا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ هَيْبَةُ النَّاسِ، أَنْ يَتَكَلَّمَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أو شَهِدَهُ أو سَمِعَهُ»، فقال أبو سعيد: وددت أني لم أكن سمعته، وقال أبو نضرة: وددتُ أني لم أكن سمعتُه[5]؛ أي: خوفًا مما حمَّلهم ذلك العلم من وجوب النطق بالحق واستشعارهم التقصير في التطبيق.
وفى الحديث أيضًا: عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَصِلَ رَحِمِي، وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَنْ أَقُولَ الْحَقَّ، وَإِنْ كَانَ مُرًّا، وَأَنْ لا تَأْخُذَنِي فِي اللهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ..»[6].
ورحم الله سيدنا عمر رضي الله عنه القائل: «لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها».
وتعد حرية الرأي مثل الأم لسائر الحريات، فما الحريات الأخرى إلا مظهر من مظاهر حرية الرأي، إذ إن جميع هذه الحريات ترجع إليها.
وما دامت الضوابط المتعارف عليها من حفظ حقوق الآخرين ومن حفظ مقام الشريعة وقيم المجتمع.. مصونة، فلا حرج بعدها من إبداء الرأي في أي موضوع.
لكن لا يعني هذا أن يُتلاعب بدين الله، ويتخذ بعض المغرضين الحرية سبيلًا للإساءة، فيثير تساؤلات حول ما يشكك الناس في عقائدهم أو قيمهم أو يبلبل أفكارهم، وما زال الغرب مثلًا يحرص على حفظ قيم مجتمعه، بل قد يعاقب ويحاكم من أساء إلى أفكار ثابتة عنده أو ما يعده حقائق، على غرار محاكمة جارودي الذي اعترض على ادعاءات اليهود في محارق الهلوكوست.
2- ما يجب مراعاته من حقوق الإنسان بوصفه فردًا في الإعلام الإسلامي:
ما يميز العمل الإعلامي أنه موجه في الأساس إلى المتابعين- قراء أو مستمعين أو مشاهدين-؛ ولذا: فإن حق المتابع في العمل حق كبير؛ لأنه الجهة التي توجه لها العملية برمتها.
وقد أجملت حقوق الأفراد في العمل الإعلامي، وأشير هنا إلى أصول تلك الحقوق، وهي:
بمعنى ألا يحقر فكره، ولا يستهان بمتابعته، ولا يساء إليه بحال، ونقصد بـ (ألا يحقر فكره): ألا يُنظَر إليه باستعلاء على اعتبار أنه من العامة ولا يفهم كثيرًا مما يذكره أصحاب الاختصاص، كما أن الاستهانة بمتابعة المتابع تعني الظن بأنه لا يدقق كثيرًا فيما يقال، ولا يبني عليه مواقف مناسبة، ولا يقارن بين الكلام المتضارب والتصريحات المختلفة.. وهذا يخالف الشرع ويخالف الواقع أيضًا؛ ففي الشرع وردت أدلة كثيرة على تحريم الاستهانة والتحقير والسخرية؛ قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ١١ } [الحجرات: 11]، ومن ذلك ما ورد في الحديث عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ»[7].
وأما مخالفة الاستهانة للواقع فظاهرة؛ لأن المشاركين بالبرنامج - من فريق وضيوف- يجب أن يدركوا أن مِن المتابعين مَن هو أكثر منهم تخصصًا أو أكثر علمًا وقدرة، وهذا لا يحتاج لدليل فهو مستقر في الأذهان، وفوق كل ذي علم عليم.
وعلى ذلك، فالعمل الإعلامي الذي يراعي حق المتابع ولا يستهين به يجب أن يتحلى بعدة صفات:
· حُسن العرض وحُسن التحضير.
· الأدب في الرد على مشاركات المتابعين.
· التأني قبل دحض الأفكار، فقد تكون الفكرة المطروحة أعمق مما تبدو لأول وهلة.
· التواضع في ذكر الإنجازات والأعمال.
ويجب أن تُراعَى حرمات الشخص- متابعين، وفريق عمل، وضيوف-، وللناس حقوق أخرى تمثل بقية حلقة الحرمات الشخصية، كعدم تحقير عقيدته، وعدم تحميله أخطاء قرابته، وعدم تعييره بأخطاء وقع فيها- تاب منها أو لم يتب-؛ فإن التعيير حرام في ذاته يستجلب العداوة والبغضاء ولا يزيل منكرًا، بل قد يُزيد من تمسك فاعله من باب العناد، وفي الصحيحين، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا: «إذا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُحِدَّهَا الْحَدَّ وَلا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا»، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: معنى (لا يُثَرِّبْ): لا يقتصر على التَّثْرِيبِ، وهو التعيير والتوبيخ واللوم والتقريع، أي: يجب أن يقيم الحد. وقال في النهاية: أَيْ: لا يوبخها بالزنا بعد الضرب[8]؛ فلا يجوز توبيخ الذي أقيم عليه الحد أو التائب من الذنب، أيًّا كان.
وينبغي مراعاة مشاعر المتابعين، فلا يعرِض عليهم الإعلامي المسلم ما يخدش حياءهم، ولا يتحدث معهم فيما لا يُحسِن عرضه، ولا يؤذيهم بعرض مشاهد القتل أو الدمار مما يؤذي ضعافهم، ولينتبه من يقوم بالبرنامج إلى أنه قد يتابعه أطفال ونساء، وعن كعب بن مالك، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «مَنْ رَأَى مَقْتَلَ حَمْزَةَ؟، قَالَ رَجُلٌ: أَعَزَّكَ اللَّهُ، أَنَا رَأَيْتُ مَقْتَلَهُ، فَانْطَلَقَ فَوَقَفَ عَلَى حَمْزَةَ، فَرَآهُ قَدْ شُقَّ بَطْنُهُ، وَقَدْ مُثِّل بِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مُثِّل بِهِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ..»[9]، وقد منع رسول الله السيدة صفية أن تطلع على مشهد مقتل أخيها، فعُلِم من هذا أن الإسلام يراعي مشاعر الناس ولا يعرض عليهم ما يجرح تلك المشاعر، وقِسْ على هذا.
ومن ذلك أيضًا: ستر العورات وترك التهاون في حجاب النساء، والنظر في العورات حرام داخل في قوله تعالى: { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ } [الأعراف: 33]، فالفاحشة تتناول أيضًا كشف العورة، وكما قال تعالى: { وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا } [الأعراف: 28]، وهذه الفاحشة كانت طوافهم بالبيت عراة، فإنهم كانوا يقولون: لا نطوف بثياب عصينا الله فيها، فرد الله تعالى عليهم بذلك، وقال: { قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } [الأعراف: 28]؛ فعُلِم أن من الفحشاء كشف العورات، وهو مع الأسف يقع كثيرًا في الإعلام، لا سيما الفني منه.
من حقوق المتابعين للعمل أن يكون العمل الإعلامي يتضمن توجيهات مباشرة وغير مباشرة؛ فإن الإنسان مدني بطبعه، يتأثر بسلوك الآخرين وبطريقة كلامهم وطرائق تفكيرهم.. والبرنامج الناجح هو الذي لا يغفل توجيه الناس بالقدوة، وذلك يكون بحسن الأدب بين المتحدثين- من ضيوف وفريق عمل-، ويكون بطرح الموضوعات التي تؤثر إيجابيًّا في الناس، وبطريقة طرح تساهم في بناء شخصياتهم وترشدهم وتوجههم.
وكان الناس- وما يزالون- يحبون كِرام الأخلاق ويجلونهم؛ فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، قال: «ثلاثة من قريش أصْبَحُ قريش وجوهًا، وأحسنها أخلاقًا، وأثبتها حياءً، إن حدثوك لم يكْذِبُوك، وإن حدثتهم لم يكذِّبوك: أبو بكر الصديق، وأبو عبيدة بن الجراح، وعثمان بن عفان رضي الله عنهم»[10].
ولقد ابتليت الأمة ببعض المتعصبين من العلمانيين والمستغربين الذين اتخذوا منابرهم الإعلامية وسيلة للترويج لانحرافاتهم الفكرية فاستضافوا من يثير الشبهات ويوهن العزائم ويشيع الفواحش، وفي كل ذلك مخالفة لما ذكرنا من أصول، ويعاقب الله تعالى عليه في الآخرة؛ ويستوجب من القائمين على الإشراف على البرامج والفضائيات أن يسعوا دائمًا لتطهير برامجهم من أمثال هؤلاء.
ومن الحقوق المهمة للمتابعين: حق المعرفة، بمعنى حقه في أن تصله معلومة موَّثقة صادقة خالية من الغلو ومن التهوين أيضًا، ولقد كان الصحابة يسألون عما أُشكِل عليهم في أمور الدين، وينصحون الحكام، ويطالبونهم بتفسير ما يتعلق بحقوقهم في أمر الدنيا، كمن سأل عمر رضي الله عنه عن لبسه: من أين أتى به؟.
فمن حق المتابع أن تصله صورة صادقة غير مغلوطة، وموضوعية غير متحيزة؛ لتتهيأ له معرفة سليمة، وليتسنى له الحكم على الأمور بطريقة صحيحة لا تشوبها الأخطاء التي تسببت فيها المعرفة المتحيزة أو الناقصة التي منحت له- أو رُوِّجت عليه وخدعته- من خلال البرنامج.
ومن حق المتابِع أيضًا أن يشارك برأيه في الأمور التي تخصه؛ فمن حقوق الإنسان الأساسية التي لا يجوز أن تسلب منه بحال من الأحوال: حقه أن يفكر، وأن يقول ما يعتقد، وأن يعلن رأيه فيما يراه من عِوج وفساد، وأن ينكِر على غيره ما وقع منه من تجاوزات وظلم.
وعلى ذلك فإنه يجب على العمل الإعلامي أن يتسع ليشمل اهتمامات المتابع الحقيقية، وأن يفسح له مجالًا للتعبير، وأن يتحمل بعض ما يبدر منه من غِلظة إن كان يقول الحق، والحق مر.
ندب الإسلام إلى نصرة المظلوم وإعانة المحتاج وفك الأسير وإعالة الفقير، وكل ذلك من الدفاع عن حقوق الإنسان، فكل ما يُفضي إلى تحقيق ذلك يكون من صميم العمل الإعلامي:
جاء في حديث البخاري عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أو مَظْلُومًا»، قلت: يا رسول الله أنصُرُه مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: «تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ، فَذَلِكَ نَصْرُكَ إِيَّاهُ».
وروى أبو داود مرفوعًا: «مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَءًا مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلا خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنْ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ»[11].
هذه هي بعض مكانة الإنسان في الإسلام، وتلك هي منزلته؛ فلا بد من تقدير هذا الإنسان والمحافظة على حقوقه من الانتهاك، وعدم النيل من كرامته، سواءً بحجب المعلومات عنه من جانب، أو بالإساءة إليه أيضًا من جانب آخر.
وهنا تبرز قدرة الإعلام المنضبط على مراعاة كافة الحقوق، فلا يعني أن يتناول عملًا ما أو شخصًا ما بالنقد أن تنتهك حقوقه أو يخرج الأمر من إطار النقد العام إلى التجريح والإساءة.. فانظر لأي مدى بلغ الإسلام من صيانة كرامة الناس وحقوقهم، واعتبارهم؟.
يحرم الإسلام التجسس؛ ولذا: فالإعلام لا يحصل على معلوماته من خلال التجسس، ففي المجتمع الإسلامي الرفيع: يعيش الناس آمنين على أنفسهم، آمنين على بيوتهم، وعلى أسرارهم، وعلى عوراتهم، ولا يوجد مسوِّغ- تحت أي ذريعة- لانتهاك حرمات الأنفس والبيوت والأسرار والعورات، وحتى تتبع الجريمة لا تصلح في النظام الإسلامي ذريعة ومسوغًا للتجسس على الناس، فالناس على ظواهرهم، وليس لأحد أن يتعقب بواطنهم، وليس لأحد أن يأخذهم إلا بما ظهر منهم، من مخالفات أو جرائم، جاء في الأثر: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ، لا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنِ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعُ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ»[12].