عناصر جودة الخبر الصحفي:
وهي الأركان التي تحدد جودته وصلاحيته للنشر، وإذا خلا الخبر أو الموضوع من أحد هذه العناصر أو الأركان، قلَّت أهميته، وأصبح نشره محل نظر ومناقشة.
ويلاحظ أن أغلب هذه العناصر متعلقة أيضًا بالتقرير والتحقيق والحوار والمقال وكل فنون التحرير.
وأهم هذه العناصر ما يأتي:
1- الجِدَة (Newness) أو الحالية (Freshness):
ويقصد بها: أن يحمل الخبر مضمونًا جديدًا، أو أن يقدم زاوية جديدة حول مضمون قديم تمثل أهمية في حد ذاتها.
والداعية الناجح حينما يمارس الإعلام يجب أن يكون موضوعه دائمًا يواكب الأحداث، فلا يكون الناس في واد وهو في واد آخر.
مثال: أين كلمته حول الانتخابات- الأحداث العالمية الجديدة- الانتخابات العالمية ونتائجها- الأحداث المحلية المؤثرة والقرارات الحكومية المهمة..إلخ؟.
لكن لا يحملنه هذا على نسيان أصول دعوته، والمهارة هنا تكمن في كيفية توظيف كل جديد ليرده إلى أصول دعوته دون تعسف في الربط.
مثال: ربط أحداث الربيع العربي بقدرة الله تعالى وإرادته.
2- الفائدة أو المصلحة الشخصية أو العامة (Personal or Public Benefit):
فكلما كان الخبر يهم القارئ أو يعود عليه بالمصلحة.. كان قابلًا للنشر، ويقال الشيء نفسه عن المصلحة العامة أو مصلحة المجموع.
ويعلم الداعية أنه أينما وجدت المصلحة فثم شرع الله، والمهم أن تكون هنا المصلحة ثابتة وليست ظنية أو متوهمة أو مهدرة. فالمهدر هو ما يخالف الشرع، مثل المصلحة من بيع المحرمات كما هو ثابت في الشرع.
المهم هنا أن المصلحة المقصودة ما يتعلق بحياة الناس، مثل: الوظائف والأعمال والدراسة، أو توافر المواد الأساسية أو فقدانها، أو المشكلات المحلية أو العالمية ذات الأثر المباشر.
3- التوقيت (Timeliness):
فتوقيت وقوع الحدث وتوافقه مع الظروف العامة يعطيه أهمية كبيرة. والداعية قد يؤخر استعراضه لموضوعٍ ما حتى يأتي وقته المناسب؛ فيكون حديثه عنه في هذا الوقت هو الأنسب.
والمثال الحاضر في هذا: حلول مواسم العبادة كالصوم الحج.
لكن تأمل معي أيضًا: توقيت منع المصريين الغاز عن إسرائيل، وارتباطه بالتفاعلات الداخلية والرفض الشعبي.. يعطيك مثالًا واقعيًّا.
وهنا عندما يستخدم الإعلام أسلحته لطلب التغيير يجب أن يستفيد من تشكل الرأي العام حول قضايا معينة؛ ليساهم في دعمه أو توجيهه.
4- الضخامة (Huge):
أو العدد أو الحجم، أي: ارتباط الواقعة التي يدور حولها الخبر بعدد كبير من الناس، وهنا يحس الناس من الداعية أنه معهم ويشعر باهتماماتهم.
5- التشويق (Suspense):
فالخبر المشوِّق، مثل القصة البوليسية التي تجعل القارئ يتابع فصولها ويلاحق تطوراتها بلهفة وشوق، وهنا يتدخل أسلوب الطرح للموضوع في التشويق، لكن لا ننس أن الموضوع هنا يكون مشوقًا في ذاته ليكون جذابًا.
مثال: متابعة تطور أحداث ينبني بعضها على بعض، كالثورات- تتبع حلول مشكلات تلفت النظر، كالعودة للتحقق من وعود الحكومات عن تلك الحلول.
6- الصراع (Conflict):
الحياة قائمة على الصراع: صراع من أجل لقمة العيش، وصراع من أجل البقاء، ليس بين الأفراد فقط، ولكن أيضًا بين الدول والأمم.. وقد يكون ذلك حتى في المنافسات الرياضية.
فتتبع أخبار الصراعات قد يكون جذابًا، لكن يجب أن يحسن الداعية استخدام هذا النوع من الجذب، فلا يستخدمه في تأجيج الصراعات الممنوعة شرعًا، كالاختلاف بين الدول الشقيقة أو المنافسات الممنوعة شرعًا، كالصراع حول المحرمات أو التعصبات العرقية أو الرياضية، لكن في الوقت نفسه: يستفيد من الجاذبية للصراع للدفع بمفاهيم صحيحة، مثل: الحديث عن عقيدة الإسلام أو شريعته وسموها في إطار ما يَعُدُّه بعض المراقبين صراعًا فكريًّا مع المخالفين.
7- المنافسة (Competition):
وهي مكملة للصراع، وهي سمة من سمات الحياة الإنسانية، وهي الدافع إلى الإجادة والتطوير، كأخبار المنافسات الرياضية والانتخابات.. وغيرها.
8- التوقع أو النتائج (Consequence):
وهي ما يثيره الخبر من توقعات، وما يمكن أن يثيره من أسئلة. وهذا النوع يفيد الداعية حين يكون له نظرة مستقبلية تصدق فيها توقعاته حول قضية ما، وسرعان ما يكتسب مصداقية عالية عند متابعيه حين يصدق توقعه.
9- الغرابة أو الطرافة (Novelty):
وهي الخروج عن المألوف، وأن يكون مضمون الخبر خلاف ما اعتاد عليه الناس، والمثال المشهور في ذلك: أن يقال: (إن رجلًا عض كلبًا) هو الخبر المستحق للتداول، عن أن يقال: (إن كلبًا عض رجلًا). والداعية يستفيد من طرافة الأحداث؛ لتكون مدخلًا لما يريد الحديث عنه.
10- الشهرة (Famous):
الأسماء الكبيرة والمهمة تصنع الأخبار، والشهرة لا تقتصر على الأشخاص، وإنما تنسحب أيضًا على الأماكن، والآثار، والقضايا، والكتب.
وهذه النقطة في غاية الأهمية للدعوة؛ فإن تصريحًا أو فتوى لأحد العلماء يكون له أثره الكبير في تحريك الناس نحو قضايا معينة، ويجب أن نستخدم هذه الجاذبية للشهرة في الاستدلال أو التوجيه.
11- الاهتمامات الإنسانية (Human Interests):
الأخبار التي تدور حول العنصر الإنساني، هي أكثر الأخبار تأثيرًا على عواطف القراء، لذا: فمن المهم الدخول من مدخل القصة، واستخدام حالة واحدة وتتبعها باعتبارها مدخلًا للقضية أو القضايا التي تشبهها.
12- الإثارة (Excitement):
ويقصد بها: أن يكون الخبر مثيرًا وجذابًا، يشد انتباه القراء لما يحمله من إثارة تتعلق بالغرائز والفضائح والجرائم، ويجب أن تكون الصحيفة معتدلة في نشر الأخبار من هذه النوعية.
والضابط الشرعي في المسألة هو: الإجمال والاختصار في ذكر الفضائح، والتعمية عن الشخصيات، تجنبًا للفضيحة المنهي عنها شرعًا، لكننا نستخدم الموضوع بحذر؛ رغبة في عدم تفويت الجزء الجذاب للناس واتباعه باستخراج الفوائد، مثل: الحديث عن بعض جوانب الحياة الزوجية الخاصة بلغة محترمة، وبغية التوجيه أو الإفتاء.
13- الأهمية (Importance):
وهي أن يتوافر في الخبر أكثر من عنصر من العناصر، مثل: الشهرة، والصراع، والضخامة.. وغيرها.
يستطيع الصحفي من خلال الفنون التحريرية المختلفة أداء الوظائف أو المهام المطلوبة منه.
وهو يختار من تلك الفنون ما يناسب موضوعه، سواءً من حيث حجم الطرح أو أسلوبه، وهذه الفنون التحريرية هي الأشكال الصحفية التي يوصِل الصحفي رسالته من خلالها إلى القارئ أو المستقبِل لهذه الرسالة.
ومن هنا:
فإن التحرير الصحفي هو: الفن الذي يقوم الصحفي من خلاله بالتعبير عما يدور أو يجري في المجتمع من وقائع أو أحداث، من خلال أشكال فنية تتبع قواعد وأسس معينة لا بد أن يعيها الصحفي.
وأقدم عمل صحفي هو جمع الأخبار، الذي كان يقوم به المندوب الصحفي، وبعد تحريرها ينتج عنها: الأخبار، وذلك في حالة تحريرها باختصار، بحيث تظهر الحقائق واضحة، أو التقرير في حال التفصيل لخبر واحد.
وأما التحقيق الصحفي: ففيه يعرض المندوب الصحفي ما رآه بطريقة مطولة، وأهم ما يميز التحقيق الصحفي هو حيويته وقرب طريقة عرضه من الواقع، بحيث يتخيل القارئ أنه يعيش ما يقرأ، على عكس كتابة المقال المعبِّر عن كاتبه، فإن المندوب الصحفي يسرد الواقع باختصار، ملتزمًا في ذلك الواقعية بجانب إبداء رأيه في الخبر، ويطلب من الصحفي تحرير المقال، عندما يكون هناك أمر يستلزم ذلك، بينما التحقيق الصحفي يقتصر على توضيح جانب من الحدث دون أن تكون الصورة كلية كالتي يظهرها التقرير، ويكون ذلك عن طريق الكلمة أو الصورة أو كليهما معًا.
والتحقيق الصحفي هو أهم الأعمال الصحفية، إذ إن وظيفته عرض الأحداث المهمة على الرأي العام بطريقة متكاملة، ويمكن الاعتماد عليه من حيث عرضه للواقع دون تزييف، بحيث يشعر القارئ أنه جزء من الأحداث عينها، والصحفي الناجح هو الذي يبرَع في كتابة التحقيق الصحفي؛ لأنه يعطي عن طريق الكلمات ما تعطيه الكاميرا عن طريق عدستها.
المقالات والأعمدة: وتعد من الأشكال الصحفية التي تُقدَّم من خلالها مواد الرأي للتأثير على القراء، وإتاحة الفرصة لكبار الكتاب والمحررين والمختصين لعرض آرائهم للعامة بحرية وأمانة ودقة، دون سعي لتحصيل مكاسب شخصية، وقد تستند المقالات لدراسات علمية وتحليل واقعي لتزيدها عمقًا، وينصح بعض الباحثين كاتب المقال بأن يكون كالمعلم: يشرح وينصح، ويكون لديه القدرة على التحليل الصائب المتوازن، ولا يكون كالمحامي يُسوِّغ ويجادِل[1].
والمقال: مادة في الصحيفة أو المجلة (أو الموقع الإلكتروني) يعبر بها الكاتب بأسلوب سهل عن فكرة معينة يتلقفها من بيئته، ويُشترَط فيها التجدد والابتكار، وهو محاولة لتدبر رأي من الآراء أو اختبار فكرة من الأفكار أو تأمل اتجاه من الاتجاهات، والتعبير عنها بأسلوب سلس جذاب[2].
أما المقابلة أو الحوار: فهي حديث الصحفي مع شخصيات مهمة، بقصد الحصول بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على معلومات، وصعوبة المقابلة تتمثل في أن الصحفي لا يستهدف الحصول على الأخبار والمعلومات من الشخصية فقط، ولكن عليه كذلك أن يحافظ على سلامة المشهد العام وسهولته في أثناء المقابلة، كما أنه لا بد عليه أن يجيد طريقة العرض والتوضيح.
ويمكن للحديث الصحفي أن يكشف للصحيفة عما يختبئ وراء الأخبار، كما يمكن بواسطته الكشف عن الإجابة عن أسئلة مجهولة أو على معلومات جديدة، ويصبح الحديث الصحفي من دون قيمة إذا أُخِذ مع شخصية معروفة الآراء، لدرجة أن الصحفي لا يعرف ما يضيف إليه من آراء جديدة، وهذا النوع لا فائدة له بالنسبة للأحاديث الصحفية التي تبحث وراء الأخبار.
ويهدف الصحفي من الحديث الصحفي ثلاثة أشياء: إما الحصول على الأخبار، أو على وجهة نظر، أو للتعريف بشخصية.
ولضمان نجاح العمل الصحفي وضمان سيره لا بد من تقسيم العمل: فمن تحرير الافتتاحية، إلى كتابة الأخبار، والنقد، والتعليق، والإعلان، ومن أهم الواجبات الصحفية: أن يختار من بين الحوادث أهمها، ويُخرِج منها في وضوح أخبارًا تهم الرأي العام، وهذا العمل الصحفي التقييمي يتطلب من الصحفي أن يكون ذا علم واسع ومقدرة قوية وموهبة لغوية، يمكن بواسطتها أن يعطي الأخبار الشكل واللون المناسب[3].
التحرير الصحفي والمسؤولية المهنية:
وبكل الأحوال، وفي كل فن من تلك الفنون، لا بد للصحفي أن يعرف اتجاه قارئيه؛ حتى يكسب ثقتهم وميولهم، ويبقى مع ذلك مراعيًا لاتجاه الصحيفة وميولها السياسية، وفي الدول الحرة يتحمل كل محرر مسؤولية عمله، وفي بعض الأحيان يتحمل الناشر أو رئيس تحرير الصحيفة المسؤولية القانونية كاملة، والمسؤولية هنا مزدوجة: فمن ناحية تعني المسؤولية القانونية، ومن ناحية أخرى تعني المسؤولية أمام الرأي العام.
والمسؤولية أمام الرأي العام تعني: احترام ما يعرضه عليهم وتحري الصدق والموضوعية، وهذا ما يحتم على الصحفيين التأكد من صحة الأخبار ومحتواها ومنبعها، وعدم نشر الأخبار الغامضة أو الخاصة بشخص ما، إلا إذا رأي أن الصالح العام في ذلك.