حجم الخط:

محتوى الدرس (37)

أنواع البرامج في الإذاعة والتليفزيون:

[بداية]

نود أن نشير إلى أن ما يُبَث في الإذاعة والتلفاز ينقسم إلى نوعين مختلفين[1]:

أما النوع الأول: فهو النوع السردي، ويمثله: النشرات، والتقارير، والدراما، حيث تسرد المعلومات دون تدخل من المذيع أو أي جهة أخرى بخلاف الإعداد، فالنص هنا مُعَد سلفًا ولا يجوز الخروج عنه.

أما النوع الثاني: فهو (البرامج) بشتى أنواعها، وهي تتميز:

أولًا: باستخدام الحوار محورًا أساسيًّا أو فرعيًّا، أي: إن الحوار هو محور العمل، فيكون أساسيًّا كالبرامج الحوارية والنقاشات، أو يكون الحوار فرعيًّا كبرامج المسابقات والوثائقيات.

ثانيًا: بتلقائية يمنحها لهم البعد عن النصوص المكتوبة سلفًا، حيث لا يجب عليهم قراءة تلك النصوص- أو في الأقل في الجزء الحواري-؛ ولذا: يُميِّز تلك البرامج التعبير التلقائي الذي غالبًا ما يكون جذابًا للجماهير[2]. وتنبع أهمية البرامج من الفلسفة الواضحة التي تقوم عليها السياسة الثقافية للإذاعة والتليفزيون[3].

ويجب على من يُخطِّط للبرنامج أن يكون مُطِّلعًا على الصور المختلفة للبرامج، بحيث يستفيد أحيانًا من تلك الصور المذكورة في البرامج المختلفة - من ناحية الشكل-، فيطوِّر من أدائه وينشئ صورًا أكثر جاذبية لبرنامجه لو استطاع؛ لأن الصور الموصوفة هي لواقع يمكن الابتكار فيه.

والبرنامج الحواري بوصفه أحد أهم أنواع البرامج- من ناحية الأفكار- هو شكل برامجي يمكن أن يحوي مضامين مختلفة ومتنوعة: سياسية، وثقافية، واجتماعية، ودينية، ورياضية، وفنية..[4]. وفي التخطيط البرامجي الناجح تتكامل الصور التي سنذكرها، بحيث يمكنها استيعاب أشكال الإنتاج التليفزيوني كافة، بالإضافة إلى تناول تلك الأشكال بمضمون مُرْضٍ رصين وهادئ، ومنضبط بالشرع، غير منفلت ولا مداهن.

وتهدف البرامج على اختلاف مضمونها وأشكالها إلى: الإعلام، والتثقيف، والتعليم، والتوجيه، والتسلية والترفيه، والإعلان.. ويستطيع الجهاز الإعلامي - تليفزيون، أو إذاعة- أن يحقق كل تلك الأهداف من خلال برامجه المتنوعة[5].

[الحوار كعنصر أساس للبرامج]

[نقاط أساسية]

فنخلص من هذا إلى أن هناك نقطتين يجب استحضارهما عند الحديث عن نوعية البرامج:

· ما يتعلق بشكل البرنامج، ويسميه بعض المتخصصين: الوعاء البرامجي[6]، ويمكن إضافة النواحي الفنية المتعلقة به إليه.

· ما يتعلق بمضمون البرنامج، وذلك يتضمن أيضًا المفاهيم والأهداف[7].

وهنا نشير إلى أن البرامج جميعها يمكن أن يدخل فيها الحوار إما بشكل أساسي وإما بشكل فرعي، فيما عدا الأنواع الآتية:

[البرامج التي لا يدخلها الحوار]

1- الحديث ذو الطرف الواحد:

وهو من أقدم الصور المعروفة، حيث يقوم عالم أو مفكر أو داعية له ثقله بتقديم نصائح أو تجارب أو إرشادات مرتبطة بسلسلة حلقات أو غير مرتبطة، وهذه الصورة يمكن للجنة البرامج أن تقدم اقتراحات بالموضوعات فيها للعلماء؛ ليتسنى ضبط الموضوعات التي تحتاج القناة إلى طرحها، لتتكامل الصور المطلوب إيصالها للمتلقين.

وقد يكون الحديث من طرف واحد، من خلال مذيع ناجح له القدرة على العرض بيسر ووضوح دون إخلال بمقتضياته، ويسميه بعض المتخصصين: بالبرنامج الاستدلالي أو الوصفي[8].

وكثيرًا ما يُسنَد هذا النوع من البرامج للدعاة المرموقين والمفكرين المعروفين، الذين لهم القدرة على جذب اهتمام الجمهور ولديهم مصداقية عالية.

2- البرامج الإبداعية والدرامية:

وتُستخدم فيها بعض المشاهد التمثيلية الخفيفة والتعليمية، إما لقراءة كتاب، أو لتقويم سلوك، وهي تحتاج لجهد في الإعداد وإسناد الجزء الإبداعي فيها لمتخصصين[9].

3- الجزء السردي أو المعد سلفًا:

من التقارير أو الوثائقيات أو النشرات أو المسابقات المعدة سلفًا، والتي لا يدخل الحوار المعروف ضمنها.

وفيما عدا هذه الأنواع فكل البرامج تستخدم الحوار بشكلٍ ما.

أنواع البرامج من ناحية الشكل، متضمنًا الإشارة للمضمون:

[بداية]

يرتبط الشكل بالمضمون ارتباطًا وثيقًا، ذلك أن نجاح تأثير الرسالة في البرنامج يعني تحقيق التكامل بين الشكل والمضمون من جهة؛ وبين استغلال الإمكانات الفنية للجهاز وسيلةً ذات كيان فني متميز بين وسائل الاتصال من جهة أخرى[10].

وهناك أنواع عدة لأشكال البرامج يجب أن تتوازن في خريطة القناة أو الإذاعة من حيث شكلها، وقد استقصيتُها جميعًا من مراجعها[11]، كما أضفْتُ صورًا أخرى رأيتها تصلح للإضافة- ومستحضرًا دراسة لأنواع البرامج المقدمة في القنوات الشهيرة-، وهي باختصار:

1- البرامج الحوارية لشخصين:

[تمهيد]

وهذا النوع أساسي في البرامج الحوارية بأصنافها المختلفة، مثل: حوار الرأي، حوار المعلومات، حوار الشخصية، ويسميها روبرت ل. هليارد: مقابلة الرأي، مقابلة الإعلام، مقابلة الشخصية[12]، ولا يخفى أن استخدام لفظة حوار- بوجهة نظر الباحث- أكثر دقة، من جهة أن بعض الحوارات لا تُجرَى بالضرورة بطريقة المقابلة، كما أن حوار الشخصية قد يكون عنها وليس معها؛ ولذا: فالتقسيم الذي يميل إليه الباحث هو ما قدمه سالفًا.. والبرامج الحوارية تشمل أنواعًا عدة، أهمها:

أ- حوار الرأي:

يُستضاف فيه ضيف- غالبًا من الخبراء المتخصصين- ليتحدث عن رأيه بصراحة في قضية ما. وقد يتناول قضية فكرية أو علمية أو سياسية أو قضية أقليات مثلًا، ويستعرض رأيه ونصائحه فيها، وتشمل هذه النوعية لحوار الرأي برامج (المناظرات)[13]؛ حيث يمكن أن يستعرض بعض المتحاورين آراءهم المختلفة ويرد بعضهم على بعض.

وقد يأخذ صورة البرنامج (ثنائيات)[14]: يستضاف شخصان من مكانين مختلفين لهما اهتمامات مشتركة، ويمكن أن يكونا: صحفيَّيْن- كاتبين- مذيعين- سياسيين- داعيين.. ثم يدور الحديث حول مواطن الاختلاف ومواطن الاتفاق في آرائهما.

ويمكن أن يفسح برنامج حوار الرأي لمشاركة المشاهدِين في الحوار مع مذيع، على غرار برامج: منبر الجزيرة، أو نقطة حوار (BBC).

ب- حوار المعلومة:

برامج حوارية تركز على استنباط المعلومات من الواقع، فهدف الحوار هنا هو معرفة المعلومات، ويتسم هذا النوع من الحوار بالسرعة والحيوية، ويستخدم كثيرًا في برامج الأخبار والمجلات والبرامج الوثائقية[15]. وقد يستعرض تاريخ ما كُشِفَ من أسرار (للحروب- العلاقات الدولية- تقارير سرية- إملاءات- معاهدات...إلخ).

يتحدث في هذه الحوارات ضيف من المتخصصين في العلوم المتعلقة بموضوع البرنامج أو الحلقة عن معلومات سياسية أو جغرافية أو تاريخية أو اجتماعية..إلخ، فيتمحور الحوار على أساس إفادته للمتابعين عن تلك المعلومات، بينما يستجلي منه المذيع ما يفيد المتابع في فهم ما يقال، وقد تُقدَّم تلك المعلومات مع تقارير مصاحبة تجمع فيها المعلومات الأساسية بطريقة وثائقية.

كما تشمل تلك النوعية تعليقًا من ضيف على تقارير عن أحداث جارية، فيدور الحوار حول المعلومة نفسها وما يمكن استنباطه منها[16]، والأصل في حوار المعلومة أن يكون متداخلًا مع حوار الرأي؛ لأنه يصعب الفصل بين الرأي والمعلومة التي يقولها الضيف، فهو يراها بمنظاره وثقافته هو.

ومع ذلك فيبقى الفرق في أن حوار المعلومة يحاول قدر المستطاع أن يقلل من تدخل الضيف في صياغة المعلومة فيتمحور الحوار حول سردها.

ج- حوار الشخصية:

ويطلق عليه بعض المتخصصين: حوار السمات الشخصية[17]، وهو برنامج حواري يُعَد من برامج الاهتمامات الإنسانية، حيث يستضيف البرنامج شخصيات مهمة لها قيمتها في الفكر والأثر أو الدعوة أو السياسة أو الأدب أو الاجتماع[18].

ويتحدث الضيف فيه عن مشوار حياته (النشأة، والتطور، والسمات، والسلوكيات، والأفكار..)، كما يتحدث عن بعض تجاربه وآرائه وذكرياته في مواقف معينة: كاتخاذ قرار مهم- شاهد على حرب- ذكرياته عندما كان مسؤولًا في موقع شهد أحداثًا مهمة.

وهذه النوعية فيها حيوية يضفيها المذيع، تجعل الحوار مختلفًا عن الحوار من طرف واحد المذكور آنفًا، الذي ينصب غالبًا على ذكر آراء الشخصية، بينما قد يأخذ الحوار أبعادًا أخرى تكشف عن أبعاد الشخصية وتسبر غورها[19]، كملامح الشخصية، وخبراتها الحياتية والحديث عن معلميها ومن تأثرت بهم، وربما تُذكر آراء مخالفيه.. ويختلف كذلك عن حوار الرأي؛ لكونه يشمل موضوعات متنوعة ويهتم غالبًا بجوانب متعددة شخصية وإنسانية للضيف، بينما حوار الرأي يكون محوره قضية ما، يبدي الضيف رأيه فيها.

وقد تشمل نوعية حوار الشخصية برامج تتحدث عن شخصيات صنعت التاريخ: وتستعرض فيها شخصية معاصرة أو قديمة لها قيمتها (فكرية- سياسية- علمية- ثقافية)؛ ويكشف الحوار هنا عن جهود تلك الشخصية من خلال الحوار مع بعض مَن عاصره إن كانت الشخصية معاصرة، أو نستضيف بعض من يهتم بهذه الشخصية ولو كان قديمًا.

وكما ذكرتُ يمكن أن يكون البرنامج سياسيًّا فيسمى باسم سياسي، بينما يسمى البرنامج الأدبي باسم آخر.

ومن نوعية هذه البرامج: برنامج (زيارة لمكتبة فلان)[20]: وفيه تُزار مكتبة الشخصية المستضافة، ويُجرَى حوار معها حول موضوعات يحبها، وبعض ما كتبه، وبعض ما تأثر به وقرأه.

[الجمع بين هذه الأنواع]

وقد تجد من البرامج الحوارية برنامجًا يجمع الأنواع الثلاثة للحوار (الرأي، والشخصية، والمعلومة)، بمعنى أنه يمكن الربط بين تلك الصور كلها في برنامج واحد[21]، ويشبه ذلك البرنامج التسجيلي (الوثائقي)، حيث يبدأ بتقرير مصور، ثم يتبع ذلك حوار لشخصيات وربما تلقي اتصالات، فيستعرض في تقرير مُعَد سلفًا- يعرض على الضيوف والجمهور معًا- مشكلة عامة، كالفقر مثلًا، أو الجهل، أو الاتكالية، أو الإنفاق الحكومي.. أو قد يكون الحديث عالميًّا، مثل: مؤامرات تحاك في الظلام، أسرار معاصرة، آراء وتصريحات مهمة لشخصيات مؤثرة أو لمراكز بحوث، استطلاعات.. ومن ثم: يبدأ حوار بين الضيوف والمذيع عن هذا الموضوع انطلاقًا من هذا التقرير، ليشمل الحديث: سردًا لتجارب شخصية (حوار شخصية)، وبيانًا لمعلومات متعلقة بالموضوع (حوار معلومة)، وتحليل مواقف وإبداء تصورات (حوار الرأي)[22].

وتحظى البرامج الحوارية بالمتابعة من المشاهدين؛ نظرًا لحيويتها، ولأنها غالبًا ما تكون مباشرة يمكن الاتصال أثناءها بالمتحاورين، وقد سبقت الإشارة في مقدمة البحث إلى أهمية الحوار في العمل الإعلامي عمومًا- وبطبيعة الحال في البرامج الحوارية- وإلى مدى تأثير البرامج الحوارية في المتابعين، ونضيف هنا الإشارة إلى نتيجة دراسة الدكتور محمد محمود المرسي عن البرامج الحوارية، التي أفادت بأن نسبة هذه البرامج في خريطة برامج عينة الدراسة (تليفزيونات دول الخليج الست) تتراوح من 25% إلى30% من إجمالي البرامج[23].

2- برامج المناقشات والندوات:

[حوار الرأي المتعدد]

وهي تنتمي أيضًا للبرامج الحوارية، لكن يكون فيها أكثر من مُحاوِر حول موضوع الندوة، وقد يكون على الهواء أيضًا، وهو ما يمكن تسميته: (حوار الرأي المتعدد)؛ حيث تُتَداول فيه آراء متنوعة لموضوع واحد، أو يتناول كل ضيف الموضوع من وجه يتخصص فيه، وقد يتناول البرنامج قضية فكرية مهمة تحتاج إلى تعدد آراء - ولو اختلف المتحاورون-، وقد يُسمح فيه بالتعليق لجمهور من الحضور داخل الأستوديو أو خارجه.

ويُفرِد بعض الباحثين[24] شكل المائدة المستديرة شكلًا برامجيًّا منفصلًا، وهي ندوة يشترك فيها متحاورون يتحدثون ويستمعون ويعدلون آراءهم وفقًا للحقائق التي يعرضها كل منهم، ولا يرى الباحث ضرورة لإفرادها؛ فهي في نهاية الأمر نوع من أنواع النقاش[25].

[تعقيب]

وأشير هنا إلى نوعية مذكورة في البحوث الثقافية يمكن أن ندرجها تحت نوعية برامج المناقشات، وهي: شكل المحاكمة، وبحسب رأي د. سهير جاد فإنها من أصلح أشكال البرامج الثقافية؛ حيث يعتمد على شكل المحاكمة العادية، بما فيها من: قضاة، ومستشارين، ومحامين، وشهود إثبات، وشهود نفي، ومُدِّعٍ عام.. ويمكن طرح كثير من القضايا الثقافية من خلال الشكل الذي يفيد من إمكانات التليفزيون في جذب الجمهور المشاهِد إلى المضمون الثقافي[26].

ويشار هنا إلى دراسة الدكتور محمد محمود المرسي عن البرامج الحوارية في تليفزيونات دول مجلس التعاون، حيث اتضح من نتائج الدراسة أن برامج المناقشات (المائدة المستديرة- الجماعية- الندوة الأفقية) هي أكثر أشكال البرامج الحوارية انتشارًا في تليفزيونات العينة.

ومن أمثلة ذلك: برامج: حديث الساعة، أو قضية الساعة، أو نقطة ساخنة، أو مع الأحداث[27]، ويُعلَّق فيها على أحداث ملِحَّة وجارية، عن طريق استضافة أكثر من ضيف.

ومنها: برامج حوار الحضارات، ويُختار فيها بعض المنصِفِين من الأديان الأخرى والأفكار الأخرى، لتُجرى محاورة بصورة حضارية حول تلك الأفكار.

ومنها: برامج المقارنات، وفيه يقارَن بين نظام إسلامي ونظام علماني مثلًا، مثل: الشورى والديمقراطية- الزكاة والضرائب- الزواج والمخادنة، أو الزواج المدني- ولي المرأة وعدم وجوده...

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة