أنواع الاتصال:
أشرت في التمهيد إلى أنواع الاتصال: وأنها تنقسم من حيث طريقة النظر إليها: فإما أن ننظر إلى الاتصال من حيث اللغة، أو من حيث العدد (حجم المشاركين)، ولا يخفى تداخل المعنيين حين نستخدمهما، بمعنى أن الاتصال اللفظي يُستخدم في أنواع الاتصال كافة من حيث العدد، وكذلك الاتصال غير اللفظي يُستخدم في كثير من أنواع الاتصال العددي.. لكن التفرقة هنا من أجل التفصيل الدراسي والبيان.
ونريد هنا أن نفصل تلك الأنواع ونقف عند ما يفيد الداعية في كل منها:
أولاً: الاتصال اللفظي وغير اللفظي:
من كرم الله تعالى على البشر أن ميزهم بالقدرة على البيان؛ بل إن الله تعالى أسجد ملائكته لآدم عليه السلام تكريمًا وتشريفًا بعدما علَّمه الأسماء كلها.
والقدرة على البيان قد يستخدمها الإنسان بالخير أو بالشر، وهذا كله من الخصائص الإنسانية اللصيقة، فإن نصر بها حقًّا ودحض بها باطلًا كان البيان هنا بالخير، وإن كان يتكلف ويتقعر ويسيئ ويداهن فإنه على باطل، وقد قال الصحابي الجليل كعب بن مالك: «يا رسول الله، لو كنتُ عند غيرك من أهل الدنيا لخرجتُ من سخطه بعذر، لقد أوتيتُ جدلًا»[1]، ومن القواعد الشرعية: (الأمور بمقاصدها)[2]، وهي مأخوذة من عدة أدلة، مثل الحديث الشريف: «إِنَّمَا الْأعمالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لَكلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»[3].
واستخدام البيان في نصرة الحق وبيانه ودحض الباطل وخذلانه من عمل الخير بلا ريب، وقد استخدم رسول الله ﷺ الخطابة والرسائل والشعر في نصرة الدين.
كما أن استخدام البيان فيما هو مباح لا حرج فيه؛ فالأصل في الأشياء الإباحة - كما هو معروف من القواعد الفقهية-.
والاتصال اللفظي يجمع بين الألفاظ المنطوقة والرموز الصوتية، فعبارة (أهلًا وسهلًا) مثلاً- التي هي في أصلها عبارة ترحيب- يمكن أن تصبح ذات مدلولات أخرى بتغيير نبرة الصوت.
ولا يخفى علينا أن هذا النوع من الاتصال لا يمكن أن يحدث بمعزل عن طرائق الأداء الأخرى غير اللفظية[4].
و يجب علينا ترشيد استخدام طبقات الصوت (هادئة أو حادة، حزينة أو فرحة، أو محايدة) بما يخدم هدف الحديث، وكذلك ترشيد طريقة النطق (سريعة، أو بطيئة)، وطريقة إلقاء السؤال (استفهام، استنكار، تعجب...)، حتى لو كان ذلك لألفاظ واحدة.
وكل هذا يحتاج لتدرب ولملاحظة الداعية لنفسه ومقارنته بغيره حتى تصبح تلك الأمور عادة.
والداعية الناجح هو الذي يحسن الاتصال بكافة أنواعه:
ففي الاتصال اللفظي يجب أن يتقن لغته، ويحسن استخدامها، ويعرف متى يُظهر الفصاحة والبلاغة (غالبًا عندما يكون بين المثقفين والبلغاء)، ويعرف كيف يستخدم اللغة وطريقة الخطاب في التأثير على العواطف.
ولا أحتاج هنا لأبين أن من يستخدم اللغة العربية الفصحى يجب أن يكون على دراية بعلومها، كالنحو والبلاغة والإعراب وفقه اللغة والمعاني؛ كي لا يكون كلامه أو أسلوبه منتقدًا.
ويجب أن يعرف الداعية متى يستخدم اللغة الميسرة الفصحى أيضًا (وهو ما يطلق عليه اللغة الإعلامية) وهي الموجهة للمتابع- قارئًا أو مستمعًا- المشغول أو سريع الملل أو متوسط الثقافة، ويستخدم الداعية هذا الأسلوب في أكثر الأحوال، لا سيما عندما يكون خطابه مختصرًا أو لا يضمن تفهم من يسمعه لما يريد إيصاله، فهو هنا يركز على تيسير المفاهيم والإقناع العقلي والتأثير العاطفي دون الخوض في اللغة المترفعة البليغة، ودون تنازل أيضًا عن الرقي في طريقة التناول.
وقد يستخدم تلك اللغة أيضًا إن كان هناك من يترجم له ترجمة فورية فإنه لا يضمن قدرة المترجِم على الفهم السريع للمفاهيم العميقة؛ فهنا يجب تيسير المفاهيم وتكرير المعاني.
وكذلك قد يستخدم لغة يسيرة دارجة- من غير إسفاف- إن كان بين بسطاء من الناس أو يريد التحبب إليهم بالحديث بلهجة محلية، ولقد استخدم رسول الله ﷺ لهجات أقوام للتحبب إليهم، كقوله: «لَيْسَ مِنَ امْبِرِّ امْصِيَامُ فِي امْسَفَرِ»[5]، مبدلًا اللام ميمًا، كلغة أهل اليمن، وتسمَّى في علم اللغة الطمطمانيَّة، ومن بقايا هذه اللهجة قولنا: امبارح، بدلًا من: البارحة.
ولقد لمست بنفسي كيف أن أحد الدعاة الناجحين الفصحاء جالَس قومًا من قبيلته وفيهم بداوة، فهنا وجدته يتكلم في درسه بلهجتهم وفيها كثير من الكلمات لم أعرفها وطرائق نطق تبدو غريبة على أذني، وفي الوقت نفسه: لمست أثر كلماته واستجابة الناس الفورية له وانبهارهم به؛ ما زاد من يقيني بأهمية أن يتقن الداعية لغة قومه؛ لتوظيف استخدامه وتطويعه اللغة في الاتصال، وصدق الله تعالى حين قال: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ } [إبراهيم: 4].
وهذه اللغة تقربه من مستمعيه إن أحسن استخدامها، وهنا يجب أن يكون على اطلاع واسع بمفاهيم تلك اللغة الدارجة؛ حتى لا يقع في إشكالية سوء الفهم بسبب سوء استخدامه للغة الدارجة.
في كل تلك الاستخدامات للغة نتجنب اللغة السوقية جزئيًّا وكليًّا؛ لأنه يستهجنها كثير من المتابعين، وهي بكل الأحوال لا تليق بالمحترمين من المتحدثين؛ لأنها تمثل صوارف عن التدبر في المعنى الآني للحديث، وهذا من التشويش على الرسالة.
وهو النوع الثاني من الاتصال القائم تصنيفيًّا على استخدام اللغة أو عدمها-، ويطلق عليه أحيانًا: اللغة الصامتة (Silent Language)، فلغة الإشارات، ولغة النظرات، والرسم، والصور، والديكور، وطريقة اللباس ولونه وتناسقه مع لون الجسد.. كل ذلك من الاتصال غير اللفظي.
والحقيقة أن مجال الاتصال غير اللفظي واسع جدًّا؛ لأنه يعتمد على المشاهدة، وهي غالبًا أعمق أثرًا من النطق.
وهذا النوع يستخدمه الإنسان ويستخدمه غيره من المخلوقات؛ فالنظرة لها معنى حتى عند الحيوانات، وتستطيع التفريق بينها وتميز بين نظرة الرضا عند البشر فتقبل، أو نظرة الغضب فتحجم، أو تلمس الخوف منها فتهجم.
فما بالك بالإنسان وكيفية فهمه للرسائل غير المنطوقة؟.
لذا: يجب على الداعية الالتفات إلى أهمية لغة الإشارة وأسلوب النظرات وطريقة اللبس، ويطبقها كلما تحدث إلى الناس؛ لكي يتمكن بكافة سبل الاتصال من التأثير عليهم وإيصال فكرته ودعم رسالته.
قد اعتنى الشرع بلغة الإشارة وبأخلاق لغة الإشارة؛ نظرًا لأهميتها، فمثلًا قول الله تعالى: { وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ } [الهمزة: 1]، وفيه إشارة إلى ذم الهمز واللمز، وكذلك قول النبي ﷺ لأم المؤمنين عائشة، لما أشارت ساخرة من قصر إحدى زوجاته: «لَقَدِ اغْتَبْتِيهَا»[6].. وعلى ذلك قاس العلماء كافة ما يتعلق بالغيبة بالإشارة والسب بالإشارة.
لكن مع وجود النطق معبرًا أساسيًّا عن الأفكار فإن الاتصال غير اللفظي يُعَد مكملًا للنطق في أغلب الأحوال، والمفترض أن يحدث التناسق بين الاتصالين كي تحدث عملية الاتصال بأفضل السبل وتنتفي مشكلة التشويش على الرسالة بوجود صوارف عنها.
ولو ضربنا المثل على ذلك وقلنا: إن متحدثًا كان يتحدث في موضوع جاد ومهم، ولكنه في أثناء حديثه يشير بيده بحركات مضحكة مثلًا، فإن الرسالة التي تصل هي الاستهانة بما يقال.
الشيء نفسه يقال عن متحدث يرتدي ملابس غير لائقة للحديث، مثل: ملابس البحر أو ملابس فاقعة اللون، أو أن يكون الديكور المحيط بالمتحدثين في برنامج جاد ديكور يصلح لبرنامج أطفال، أو ديكور كئيب لبرنامج يبث الأمل.
فتناسق الفكرة المطروحة مع الشكل يزاوج بين نوعي الاتصال فيتعاضدا لإيصال الرسالة.
ويمكن أن نلخص ما يتعلق بإيصال رسائل عبرالإشارات غير اللفظية في الآتي:
رموز الأداء (Performance Code)، وتشمل: حركات الجسد، مثل: تعبيرات الوجه، وحركات العيون، والإيماءات.. وكذلك ما يطلق عليه (شبه اللغة)، مثل: نوعية الصوت، الضحك، الكحة..
رموز اصطناعية، مثل: نوع الملابس، أدوات التجميل، الأثاث والمعمار والديكور، والرموز المعبرة عن مكانة الإنسان.
رموز إعلامية: وفيها يتحقق التأثير بالرمز من خلال استخدام وسائل الاتصال الجماهيرية، مثل: حجم البنط (الخط في الصحيفة)، ولونه، ومكان الخبر في الصحيفة، وهل تصاحبه صورة أم لا؟، وما نوعية الصورة؟، وهل يضاف ظلال على الكتابة أو الصورة؟، وهل يحدث تغيير في لون الصورة لتضفي بهجة أو حزنًا؟.. وقد أضافت البرامج الحديثة للكمبيوتر أبعادًا كثيرة من خلال التحكم في الصور ببرامج، مثل (الفوتوشوب)، وإن كانت قد أفقدت الصور بعضًا من مصداقيتها بسبب التشكك في مدى كونها تعبر عن حقيقة وليس عن خيال.
رموز ظرفية: وتتبع استخدامنا للوقت والمكان، ومن خلال ترتيب المتصلين وما حولهم من أدوات وأشياء، مثل: ترتيب جلوس الزوار حسب أهميتهم الاجتماعية، أو تجاهل شخص نعرفه بطريقة متعمدة.. وهكذا[7].
وبالإضافة لذلك، يمكن التزاوج بين الاتصال اللفظي وغير اللفظي في إيصال رسائل مشتركة على النحو الآتي:
أ- التكرار أو الإعادة: حيث يقوم الاتصال غير اللفظي بإعادة ما قلناه لفظيًّا لكن بطريقة أخرى، كأن نذكر لشخص وجود شيء بالقول (هنا) ثم نشير إلى مكان الشيء، وكذلك عند التحذير أو القَسَم؛ لذا: نحذر المتحدثين الإعلاميين من كثرة الحركات بالأيدي من دون داعٍ؛ حتى لا نشتت المشاهد، ولنحسن استخدامها عند الضرورة للتأكيد أو النفي أو القسم.
ب- التناقض: يمكن للسلوك غير اللفظي أن يناقض المنطوق اللفظي كما سبق أن أشرنا؛ كأن يطلب المدير من موظف مثلًا أن يحضر أوراقًا معينة أمام أحد العملاء ثم يعطي الموظف إشارة ما بعدم إحضارها، ومن ثم: يدعي الموظف أنه لم يجد الأوراق!؛ لأنه تلقى رسالة غير لفظية فهمها وألغت الرسالة اللفظية.
وبأبي هو وأمي؛ فإن رسول الله ﷺ كره هذا الأسلوب حين قال: «إِنَّهُ لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ أَعْيُنٍ»[8].
ج- البديل: يمكن أن يكون الاتصال غير اللفظي بديلًا عن الاتصال اللفظي؛ فتعبيرات الوجه تغني أحيانًا عن اللفظ، ولقد كان رسول الله ﷺ يُرى عليه كراهة الأمر، أو استحسانه، أو الرضا والسرور «... حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَتَهَلَّلُ، كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ»[9]، من غير أن يتلفظ، وهنا الداعية يوصل أحيانًا رسائله بهذا الأسلوب؛ إما لتعضيد المعنى، أو عند عدم القدرة على التعبير اللفظي لضيق الوقت، أو لأي نوع من الحرج قد يصيبه، أو لإكراه يخشى معه الأذى.
د- المكمل أو المعدل: يمكن أن يعمل الاتصال غير اللفظي مكملًا للاتصال اللفظي، مثل: الابتسامة أو التجهم المصاحب لطلب ما أو خبر ما.
ه- التنظيم: يمكن للاتصال غير اللفظي أن ينظم الاتصال بين المشاركين، مثل: حركة الرأس، أو العينين، أو تغيير المكان، أو إعطاء الإشارة لشخص ليكمل الحديث أو يتوقف عنه.. وكلها وظائف تنظيمية يقوم بها الاتصال اللفظي[10].
ومما سبق من المفاهيم المتعلقة بنوعي الاتصال اللفظي وغير اللفظي يمكننا صياغة ملاحظات أساسية للشكل وطريقة الردود يحتاجها المتحدث في الإعلام ومن يشبهه من الدعاة والضيوف في وسائل الإعلام، سواء في محاضرات أو لقاءات أو من خلال شاشات التلفاز.