أنشطة الاتصال وفنونه:
هناك أنشطة أو فنون عدة للاتصال، وهي: الإعلام بأنواعه ومستوياته - الدعاية بألوانها وأنواعها- الدعوة- الإعلان- العلاقات العامة..
وكل منها يستهدف تحقيق غايات معينة في مجالات متنوعة، وقد تختلف مع بعضها أو تتفق لكنها كلها من الاتصال، فهي أوجه مختلفة لعملية الاتصال نفسها.
لذا: فسنسوق بعض المفاهيم والتعريفات المتعلقة بكل صنف منها لتتضح صورته أكثر.
هو أشهر الأنشطة الاتصالية، وله تعريفات كثيرة؛ لعل أيسرها ما يأتي:
الإعلام لغة: الإبلاغ، أو التبليغ، أو الإخبار (إبلاغ المخاطَب أمرًا)[2].
ويعرفه الباحث بقوله: (الإعلام: رسالة علنية مقصودة وموضوعية وغير تجارية).
فيتضمن قوله (رسالة): أن لها أهدافًا يعمل على إبرازها فريق العمل المتضمن كل العاملين في الهيئة الإعلامية (مَصدَر، ومرسِل للرسالة).
وتضمن قوله (علنية): أن المقصد من تلك الرسالة هو نشرها بين الناس ووصولها إلى أكبر عدد ممكن منهم، ومعنى ذلك أن الرسالة غير العلنية لا تصلح أن تكون إعلامًا، وفي الوقت نفسه: تراعي ما للعلنية من ضوابط، مثل: لياقة أسلوب الحديث فيما يحسن طرحه في العلن، وما لا يؤذي المشاعر من الصور والموضوعات، ومراعاة فهم الناس لمضمون الرسالة وانتفاء غموضها، ومراعاة المصالح والمفاسد فيما يقال من أسرار قد تضر بعض الجهات أو الأفراد أو تعارض مصلحة الدولة.
وتضمن قوله (مقصودة)، أي: خُطِّطَ لها، ويتعمد فريق العمل التأثير بها في الناس (المستقبِلين).
و(الموضوعية) من معانيها: الحيادية[3]، وهي احتراز يميز الإعلام عن الدعاية.
وقوله (غير تجارية): يميزها عن الإعلان، الذي هو رسالة تجارية.
وهذا لا يمنع التربح من وراء وسيلة الإعلام، لكن التربح لا يكون في الرسالة الإعلامية نفسها، وإلا فقدت مصداقيتها، وإنما باستخدام الوسيلة وليس الرسالة.
وبوجه عام: فإن الإعلام يعني كافة الأنشطة الاتصالية التي تستهدف تزويد الجمهور بالحقائق والأخبار الصحيحة والمعلومات السليمة عن القضايا والمعلومات والمشكلات بطريقة موضوعية ودون تحريف؛ بما يؤدي إلى إيجاد أكبر درجة ممكنة من الوعي لدى جمهور المتلقين، وبما يساهم في تنوير الرأي العام وتكوين آراء صائبة عن الموضوعات المطروحة.
والنشاط الإعلامي نشاط موضوعي غير متحيز، ولا يتأثر بشخصية الإعلاميين، ويسعى لمحاربة التحيزات والخرافات، كما تزداد أهميته كلما ازداد المجتمع تعقيدًا وتقدمت المدنية وارتفع المستوى التعليمي والثقافي والفكري لأفراد المجتمع[4].
وهذا البيان لموضوعية الإعلام هو الأساس الذي يميز الإعلام عن غيره من أنشطة الاتصال كما تنقله لنا الدراسات الأكاديمية، لكن الواقع أن تحيزات واضحة تستخدم في الإعلام إلى حد كبير، فلقد استُخدِم الإعلام للتشويه، ولبث تصورات خاطئة، ولتسويغ سياسات منحرفة.. في كل من الدول المتقدمة والنامية على حد سواء.
فمع متابعة الجماهير لتلك الوسائل، وتأثرهم في كثير من الأحيان بما تنقله وما تقوله، وجدت الجهات المؤثرة (حكومات، وجماعات ضغط، وأصحاب مصالح، ورجال أعمال) في التسلط على الوسائل الإعلامية سبيلًا لصياغة الرأي العام وفقًا لما يريدون وبمعزل عن الحقيقة والمصداقية.
ونظرة إلى الأراجيف حول شريعة الإسلام وبث الشبهات والتخوفات وتحجيم الدعاة ومحاولة تشويههم وتصيد الأخطاء لهم داخل مجتمعات المسلمين وخارجها (إلا من رحم ربك).. تنبئك عن سوء استخدام وسائل الإعلام في كثير من الأحيان.
ولذا: فالواجب على العقلاء والدعاة أن يتبنوا إعلامًا نقيًّا نظيفًا موضوعيًّا، يعيد للفكرة وجهها الملائم لها.
ويعرفها الباحث بقوله: (هي رسالة فكرية سرية أو علنية مصاغة بطريقة تؤدي لإحداث أثر مقصود).
وقوله (رسالة فكرية): للتميز عن الغرض التجاري للرسالة.
و(السرية أو العلنية): فالدعاية قد تساق بشكل سري لبعض الأشخاص أو بشكل علني ولو في صورة منشورات توزع، والسرية تميزها عن الإعلام الذي هو علني فقط.
و(الصياغة التي تحدث أثرًا): سياق يدل على تحيزها لحكم ترغب في تسويقه للفئة المستهدفة ودراستها لكيفية إحداث الأثر فيها؛ بغية السيطرة على من يتعرض لها.
فالدعاية عبارة عن جهود اتصالية يقوم بها مؤديها، فينقل معلومات وينشر أفكارًا واتجاهات معينة، تُعد وتُصاغ بأسلوب يؤدي لإحداث تأثير مقصود ومحسوب، بغرض التحكم في السلوك الاجتماعي للجماهير بما يخدم أهداف من يقوم بالدعاية.
فبينما يسعى الإعلام لتنوير الرأي العام وزيادة الوعي، فإن الدعاية تسعى لتحقيق أهداف مدبرة في التأثير المتعمد في المعلومات والآراء؛ ولذا: توصَف الدعاية بأنها فن الإلحاح والإقناع الذي يسعى للترغيب في قبول وجهات نظر من يقوم بالدعاية[5]، وعلى ذلك فكثير من وسائل الإعلام تمارس دعاية لا إعلامًا في كثير من المواقف.
العناصر الأساسية لعملية الدعاية[6]:
تُحدد أهداف الدعاية وفقًا لقوة المؤسسة التنظيمية والاقتصادية، فقد توظف المؤسسة الدعاية بغرض تدعيم شرعية المؤسسة ومكانتها في المجتمع، وقد توظف الدعاية بغرض إثارة الرأي العام أو جذبه لما تتبناه المؤسسة من أفكار أو اتجاهات أيديولوجية.
هم أولئك الأفراد الذين ييسرون عملية انسياب المعلومات الدعائية عبر مختلف الوسائل الاتصالية، وفقًا لأهداف المؤسسة (وقد يتميزون بالمصداقية أو النفوذ أو الكاريزما).
يختلف نمط الوسيلة من قبل القائم بالدعاية حسب طبيعة الجمهور, وحسب النظام السياسي؛ ففي الدول النامية تكون الوسائل في أغلبها ملكًا للدولة، ويترتب على ذلك تعرض المعلومات الدعائية لنوع من الرفض، ويتعرض الجمهور لهذه الرسائل تعرضًا انتقائيًّا بما يتفق مع: القيم- العادات- التقاليد- المعايير الاجتماعية..
تتكون من قادة الرأي الذين يستطيعون بحكم خصائصهم أو مكانتهم ممارسة التأثير على الجمهور.. كما تشمل الجماعات المرجعية (الأصدقاء- زملاء العمل- الأسرة).
قد يسعى القائم بالدعاية إلى التأثير في الجمهور بصفة عامة، وقد يركز على شريحة جماهيرية بعينها، ويتوقف ذلك على طبيعة الموضوع، والهدف من التأثير، وحجم الاستجابة المتوقعة..
· تسعى الدعاية إلى تحقيق أهداف خفية أو كامنة تمس مصالح جهة الدعاية.
· تعمل الدعاية باعتبارها وظيفة اتصالية وإعلامية تحاول أن تُوجِّه الجمهور إلى الكيفية التي يفكرون بها ويتصرفون وفقًا لها.
· تمثل الرسالة الاتصالية أو الإعلامية لب التأثير الإقناعي للدعاية (أي: إنها تُوهم المتلقي بأنها إعلام)، ولذلك فإن بناءها يحتاج إلى دراسة متعمقة للمحتوى والمعاني والرموز.
· لا يستجيب الجمهور للدعاية بطرائق موحدة، في ضوء الفروق الفردية والخصائص الديموجرافية للمتلقين.
· أسهمت التكنولوجيا الحديثة في تطوير الدعاية وتسهيل عمليات البث والتأثير عبر الزمان والمكان.
· ليس بالضرورة أن تكون الدعاية أمرًا خبيثًا، ولكن يجب أن تُفهم في ضوء مبادئها والأهداف التي تسعى لتحقيقها؛ فالدعاية ليست شرًّا كلها، لكنها تزيين لوجهة نظر معينة قد تكون صحيحة وقد تكون خاطئة؛ فكل دعاية قصدت إرشادًا لخير وتزيينًا لطاعة وترويجًا لحق.. هي دعاية إيجابية، وعكس ذلك من تزيين الانحراف والباطل وإشاعة الأراجيف.. هي دعاية سلبية، فليست كل الأحوال أو القضايا تقتضي الحيادية في العرض، بل القضايا التي هي من ثوابت الدين وأصول الثقافة والمجتمع يجب المحافظة عليها وتزيين اتباعها، وهنا نستخدم أسلوب الدعاية.
· وعمومًا اصطلح على تسمية الدعاية الواضحة المكشوفة المصدر التي تسعى لنقل الحقائق وللتأثير الإيجابي بمصطلح: (دعاية بيضاء)، وهي تقترب من الإعلام، وإن اختلفت عنه من حيث وجود أهداف تأثيرية مسبقة وإخفاء الجوانب السلبية.
أما الدعاية التي تعتمد على ترويج الإشاعات والأكاذيب، التي تكون غالبًا سرية (أو مجهولة) المصدر، فقد اصطُلِح على تسميتها: (دعاية سوداء)، مثل تلك الدعايات التي يطلقها أطراف متعادية كل تجاه الآخر معتمدًا على المغالطات والتشهير؛ ليخذل الجبهة الداخلية للطرف الآخر، وهو ما يسميه بعض الباحثين (الحرب النفسية).
وتوجد كذلك (الدعاية الرمادية) التي تعتمد التأثير لكن بالطرائق غير المباشرة ومن خلال مصادر متنوعة.
وعندما تُبذَل الجهود لكشف الدعايات المغرضة أو حتى مقاومة الدعايات البيضاء فإنه يصطلح على هذا بمصطلح: (الدعاية المضادة).