التحرير الصحفي:
الداعية حين يمسك بقلمه ليكتب مقالًا أو خبرًا يجب أن يسأل نفسه عن الفكرة وعن أسلوب سرده لها: هل ستكون مستوعَبة من القارئ متوسط الثقافة الذي لا يميل للغة المترفعة الملتوية، أم ماذا؟؛ ذلك لأن الترفع المتكلف قد يصرف القارئ فيخسر الكاتب تواصله مع القارئ، وهذا أهم ما ينبغي المحافظة عليه لمن يمارس الإعلام.
وليلاحظ الكاتب أن لغته المستخدمة في الخطابة تختلف عن لغته في الكتابة؛ لأن إيصال المعاني في لغة الخطابة تساعده فيها مجموعة أسباب، مثل المؤثرات الأخرى كافة: كنبرة الصوت، وطريقة الإلقاء، وإشارة اليد، وتعبير الوجه، وكثرة المترادفات.. وهو ما يفتقده في الكتابة للصحافة؛ فلا بد من مراعاة ظروف الكتابة للصحف وأسلوبها.
[التحرير الصحفي باعتباره فنًّا كتابيًّا]
والتحرير الصحفي باعتباره فنًّا كتابيًّا هو نوع من النثر؛ لأن النثر هو كلام مرسل من قيود الوزن والقافية.
والنثر في لغة العرب ثلاثة أنواع: النثر العادي (لغة التخاطب العادية) - النثر العلمي (الذي تصاغ به الحقائق العلمية)- النثر الفني (الكلام المنسق المساق بمهارة ويُعنَى باختيار الألفاظ وتراكيب الجمل).
أما التحرير الصحفي باعتباره فنًّا كتابيًّا يُعَد نوعًا رابعًا، يمكن أن نسميه النثر الصحفي، وهو يقف في منتصف الطريق بين لغة الأدب ولغة الخطاب العادي، وله من النثر الفني حظه من التفكير وعذوبة التعبير، وله من النثر العادي أُلْفَته وسهولته وبساطته.
واستنادًا إلى ذلك المفهوم للنثر الصحفي، فقد أطلق عليه بعض أساتذة الصحافة: الأدب العاجل[1].
والتحرير الصحفي بوصفه عملية كتابية يُعَد أحد فنون الكتابة النثرية الواقعية، وهو عملية تحويل الوقائع والأحداث والآراء والأفكار من إطار التصور الذهني إلى لغة مكتوبة مفهومة للقارئ العادي.
وهذا اللون المشار إليه هو ألصق بالأخبار وصياغتها، بينما المقالات قد تختلف نوعًا ما، فقد تجد من الكُتَّاب من يتميز بأسلوب أدبي راق، حيث رضي لنفسه هذا الأسلوب، وهناك من له أسلوب دقيق علمي، خاصة إن كان يكتب في موضوع علمي.
وكثير من الكتاب من له أسلوب علمي متأدب[2]، أي: يخفف جفاف العلم باستخدام مترادفات أدبية وصور جمالية تجذب القارئ.
يجب أولًا أن نميز بين وظائف معينة يقوم بها الصحفيون، ومن ذلك: معرفة أن الوظيفة الأولى فيما يتعلق بالأخبار هي جمع المادة الخبرية في صورتها الأولية، وهي غالبًا ما يقوم به من نسميه (مراسل، أو مندوب صحفي).
وعمل الصحفي هنا هو جمع الأخبار الخاصة بالحياة العامة، واختيار الصالح منها للنشر، وفقًا لمبادئ معينة، ثم تحريرها ونشرها على الرأي العام، ومن هنا تظهر الصلة بوضوح بين الصحفي وبين تيارات الأحداث اليومية المختفة.
ثم يأتي الخبر (للمحرر) المسؤول، ليختار لها- وبحسب أصول سنشير إليها لاحقًا-: أي قالب من قوالب النشر يصلح له؟.
ثم يبدأ في صياغتها بشكل فني يراعي الأسلوب الصحفي في معالجة مضمون المعلومات أو المادة الصحفية، وتسمى العمليات السابقة بالكتابة.
والمحرر الناجح هو الذي يستطيع الكتابة بلغة صحفية مناسبة، لا يحتاج بعدها لإعادة صياغة بالحذف أو الإضافة أو تغيير الأسلوب.
وبعد انتهاء المحرر من الكتابة تُراجع المادة المكتوبة من قبل المحرر المسؤول (غالبًا رئيس القسم، أو مدير التحرير) أو يكتفى بما أُنجز، وبحسب نظام الصحيفة، وهذا ما نسميه (التحرير).
وتُرى هذه الفوارق- أي: فوارق الكتابة والتحرير والمراجعة- بوضوح في الصحف الكبرى، بينما تتلاشى في الصحف الصغرى، حيث يقوم الصحفي بواجبات عديدة، وعمومًا تصعب التفرقة بين هذه الواجبات؛ لأنها في واقع الحياة متداخلة بعضها مع بعض، وعمل الصحفي لا يقتصر على الكتابة والتحرير فقط، بل يُضَم لهذا: تنظيم الأخبار، وصبها في قالب جديد. ومهارة الصحفي وقوته لا يظهرها التحرير فقط، ولكن أيضًا: جمع الأخبار وطريقة عرضها المناسبة في الوقت المناسب، فمهمة تحرير الأخبار اليومية في ذاتها كبيرة، وعملية اختيار الأخبار المهمة من بين آلاف الأخبار اليومية هي في ذاتها عملية صعبة. ومن بين الأعمال التحريرية: جمع الأخبار المتشابهة أو الصلة ببعضها، وتوضيح النصوص الخبرية الغامضة فيها، وفي تيار الحوادث اليومية السريعة يجب على الصحفي أن يعرض آخر الأخبار في شكل واضح. كما يشارك الصحفي في إخراج الصحيفة عن طريق تنسيق الصفحة[3].
وعمومًا فإن التحرير هو عملية تُراجَع فيها المادة المكتوبة، وتضبط لغويًّا وصحفيًّا، بما يناسب سياسة الصحيفة.
ويهدف التحرير إلى تحقيق ما يأتي:
· جعل النص مناسبًا لسياسة الصحيفة، وسياسة النشر وقوانينه، بحيث يتجنب ما قد يعود على الصحيفة باللوم أو المحاسبة.
· تصحيح الأخطاء اللغوية، أو تصحيح ما يتعلق بدقة الحقائق والأرقام والأسماء والهجاء.
· مناسبة النص للمساحة المخصصة له.
· تيسير المعاني وتوضيحها، وحذف الكلمات والمعاني الصعبة أو تعديلها.
· الانتباه إلى منطقية الخبر وموضوعيته.
· تحسين الأسلوب في الصياغة لجذب القارئ.
· التأكد من دقة المعلومات الواردة حين الشك فيها، وقد يكون ذلك بسؤال المتخصصين والرجوع للأرشيف.
· إضافة معلومات أخرى مكملة، خاصة إن تقرر كتابة تقرير أو تحقيق حول الخبر.
ملحوظات يجب الانتباه إليها عند التحرير:
· يجب أن يتضمن الخبر بيانًا للمصدر الذي استُقِيَ منه، فإما أن يذكر الصحفي مصدره صراحة؛ أو أن يجعل المصدر مضمرًا في الخبر، ربما ليحمي مصدره من اللوم أو التعقب، وعند ذكر ما ينقله عن مصدره- في جميع الخبر- بلفظه يضعه بين علامتي تنصيص (" ")، وإذا نقل فحواه لا يضعه بين علامتي تنصيص.
· يستحسن تغيير الأسلوب في الإشارة إلى المصدر، بمثل قوله: قال- صرَّح- أعلن- أشار- أصرَّ..إلخ.
· لا حرج من استخدام ألفاظ معرَّبة درج على استخدامها، مثل (الاستراتيجية- الدبلوماسية- التكتيك...)، ولا حرج من استخدام ألفاظ وتراكيب جديدة صحيحة متداولة، مثل: (أعراض الانسحاب) التي تستخدم للإشارة للتخلص من الإدمان.
· استخدام علامات الترقيم ضرورة لوضوح الأسلوب ولسهولة فهم القارئ: كالنقطة (.)، والفاصلة (،)، والشرطة (-)، وأقواس الاقتباس/علامات التنصيص (" ")..
· مراعاة النصائح الخاصة بالأرقام لتسهيل القراءة، ويحسن كتابة الأرقام من واحد لتسعة بالحروف؛ ويكتب بالحروف كل رقم تبدأ به الجملة، وكذلك أرقام القرون (القرن الثامن عشر)، وبعض الجمل، مثل: واحد في المئة؛ وما عدا ذلك يكتب بالأرقام، مثل: المبالغ المالية، ونتائج المباريات، والإحصاءات، والأرقام المتعددة، مثل: 12 مليون و15ألف.
· الحرص على إيراد اسم الشخص كاملًا في أول الخبر، والتدقيق في الأسماء والألقاب؛ منعًا للَّبس، ولا مانع بعد ذلك من ذكر جزء من اسمه أو استخدام الألقاب، مثل الرئيس أو الملك، وإذا كان الشخص لا يحمل لقبًا فيمكن وصفه بالسيد إذا كان عربيًّا.
· يقسم الموضوع لفقرات، لكن دون أن يطغى ذلك على وحدة الخبر وتجانسه، ودون أن يؤدي الاختصار والجمل القصيرة إلى تهلهل الأسلوب وتداعيه.
· يُراعَى ألا يزيد عدد كلمات الفقرة الواحدة عن 75 كلمة؛ وألا تزيد الفقرة عن أربع جمل، وقد يقل حتى جملة واحدة في الفقرة، ويشمل السطر نحو 30-35 حرفًا[4].