حجم الخط:

محتوى الدرس (1)

المقدمة التعريفية بالقواعد الفقهية

تعريف القواعد الفقهية

[تمهيد]

هناك بعض الأمور التي لا بد من أخذها في عين الاعتبار هنا، وهي أن مصطلح القواعد الفقهية مصطلحٌ مركَّبٌ من لفظين: لفظ (القواعد) ولفظ (الفقهية)، وهنا لا بد من تعريفين:

أحدهما: تعريف القواعد الفقهية باعتبارها مركَّباً.

وثانيهما: تعريف القواعد الفقهية باعتبارها لقباً، أو علَماً على علْمٍ معيَّنٍ.

أولاً: تعريف القواعد الفقهية باعتبارها مركَّباً. Adobe Systems

القواعد الفقهية مصطلحٌ مركَّبٌ من لفظين كما تقدم، لذا نحتاج إلى تعريف كلٍّ منهما على حدةٍ في اللغة، ثم في الاصطلاح.

فأما لفظ (القواعد) فهو جمع قاعدةٍ، ومادته اللغوية هي (القاف والعين والدال)، وهذه المادة تعني الاستقرار والثبات[1]، ويذكر بعض أهل اللغة لهذه المادة معاني أخرى لكنها ترجع في واقعها إلى هذا المعنى، وأقرب هذه المعاني المذكورة هو: أن القاعدة تعني الأساس، فقواعد البيت أساسه، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ [البَقَرَة: 127]، وقوله تعالى: ﴿ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ [النَّحل: 26]، والعلاقة بينهما من جهة أن الأحكام تُبنى على القاعدة كما أن الجدران تُبنى على الأساس[2].

وأما لفظ القاعدة في الاصطلاح فإن التأمل في تعريفات الأصوليين والفقهاء للقاعدة يظهر منه تقارب عباراتهم في هذا، ويمكن أن نستخلص من هذه التعريفات أنهم يرون أن القاعدة قضيةٌ كليةٌ[3].

وبعضهم قد يستبدل لفظ (قضية) بلفظ (أمْر)[4] أو بلفظ (حُكْم)[5] أو بلفظ (صورة)[6].

ولكن التعبير عن القاعدة بلفظ (قضية) أولى؛ لأن لفظ (أمْر) يشمل المفردات الكلية التي لا تكون قواعد، ولفظ (حُكْم) وإنْ كان جزءاً من القضية، ويمكن إطلاقه عليها من باب إطلاق الجزء على الكل إلا أن التعبير بلفظ (قضية) أتم وأشمل؛ لتناولها جميع الأركان على وجه الحقيقة.

وأما التعبير بلفظ (صورة) فهو تعبيرٌ غير مألوفٍ، كما أن في معناه شيئاً من عدم التميُّز والوضوح؛ لأن صورة المسألة صفتها ونوعها وخيالها في الذهن[7].

وأما وصفنا للقاعدة بأنها (كليَّةٌ) فهذا ركنٌ في معناها لا بد من تحققه ليتحقق وصف المعنى المراد تقريره بأنه قاعدة، وهذا قيدٌ وضعه كثيرٌ من العلماء الذين عرَّفوا لفظ (القاعدة) على اختلاف تعبيراتهم عنها بأنه قضيةٌ أو أمرٌ أو حكمٌ أو صورةٌ.

والمراد بكون القاعدة كليةً عند الأكثر من العلماء: أنها محكومٌ فيها على كافة أفرادها.

وهذا التفسير لكلية القاعدة يُشير إليه كثيرٌ من العلماء في تعريفاتهم للقاعدة بأنها تنطبق على جميع جزئياتها، فإن هذا الانطباق راجعٌ إلى كلية القاعدة؛ لذلك فإن التعبير عن القاعدة بلفظ (كلية) يُغني عن التعبير عنها بكونها تنطبق على جميع جزئياتها.

ولكن الحموي خالف هذا، وفسَّر كلية القاعدة بأنها التي لم تدخل قاعدةٌ منها تحت قاعدةٍ أخرى وإنْ خرج منها بعض الأفراد[8].

وهذا التفسير لكلية القاعدة مع مخالفته لتفسيرات العلماء لكليتها بما ذكرناه آنفاً فإنه أيضاً يلزم منه أن لا توصف جملةٌ كبيرةٌ من القواعد المتفرِّعة بأنها كليةٌ؛ لكونها داخلةً تحت ما هو أعم منها من القواعد الكبرى مع أنها موصوفةٌ بكونها (قواعد) في اصطلاح العلماء، وذلك مثل قاعدة (الضرورات تُبيح المحظورات) فهي داخلةٌ تحت قاعدة (المشقة تجلب التيسير) أو قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) فيلزم من تفسير الحموي لكلية القاعدة أن لا تكون هذه قاعدةً[9].

ثم إن كثيراً من العلماء يُضيف أيضاً إلى تعريف القاعدة أنه يُتعرَّف منها على أحكام الجزئيات، فيقول مثلاً: قضيةٌ كليةٌ يُتعرَّف منها على أحكام جزئياتها.

وهذه الزيادة في التعريف لا داعي لها؛ لأنها تمثِّل ثمرة القاعدة، وهي التي تسمى بالتخريج، وفي التعريفات ينبغي أن لا تدخل ثمرة الشيء في حقيقته[10].

لذلك فإن الذي يترجح أن معنى القاعدة في الاصطلاح أنها: قضيةٌ كليةٌ، وأن القواعد هي: القضايا الكلية.

وهذا التعريف الاصطلاحي منطبقٌ على القاعدة أيّاً كانت، أي سواءٌ أكانت نحويةً، أم أصوليةً، أم فقهيةً.

وأما لفظ (الفقهية) فهو يعني أن هذه القواعد منسوبةٌ إلى الفقه، والفقه في اللغة هو الفهم والعلم[11]، وأما في الاصطلاح فأشهر ما قيل فيه: إنه العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية[12].

وأما إذا أردنا أن نبحث تعريف القاعدة الفقهية بهذا الوصف اللقبي فإن موضوعه هو تعريف القواعد الفقهية باعتبارها لقباً لعلْمٍ معيَّنٍ، الآتي الكلام عنه.

ثانياً: تعريف القواعد الفقهية باعتبارها لقباً:

من المهم التنبيه هنا إلى أن العلماء الذين أفدنا من تعريفاتهم للفظ (القاعدة) فيما سبق لم يكن غرضهم أن يذكروا تعريفاً خاصّاً بالقواعد الفقهية، وإنما كان غرضهم تعريف لفظ (القاعدة) اصطلاحاً بغض النظر عن تقييدها بقيد علمٍ معيَّنٍ.

وإذا أردنا أن نصل إلى تعريفٍ خاصٍّ للقواعد الفقهية بمعناها اللقبي فإنا لا نجد إلا نفراً قليلاً من العلماء المتقدمين يعتني بهذا التعريف، إضافةً إلى بعض المعاصرين. فمن المتقدمين لا نجد إلا تعريفاً لأبي عبد الله المقري المالكي (ت 758هـ)، وتعريفاً آخر لشهاب الدين الحموي الحنفي (ت 1098هـ)، وكلاهما لا يخلو من نظرٍ.

فأما تعريف أبي عبد الله المقري المالكي فهو أن القاعدة الفقهية هي: (كل كليٍّ أخص من الأصول وسائر المعاني العقلية العامة، وأعم من العقود وجملة الضوابط الفقهية الخاصة)[13].

وأما تعريف الحموي فهو أن القاعدة الفقهية (حكمٌ أكثريٌّ، لا كليٌّ، ينطبق على أكثر جزئياته لتُعرفَ أحكامها منه)[14].

وهذان التعريفان لا يخلوان من النقد والمناقشة؛ أما تعريف المقري فيرد عليه ما يأتي:

1- اشتمال تعريفه على نوعٍ من التعميم والإبهام، فهو لا يُصوِّر القاعدة الفقهية في الذهن تصويراً واضحاً، ومما يؤيد هذه الملاحظة اختلاف بعض العلماء والباحثين المعاصرين في تفسيره وشرحه.

2- أن القدْر المتوسط الذي وصف به المقري القاعدة الفقهية لا يمكن قياسه بمقياسٍ محددٍ متفقٍ عليه حتى تستقل به القاعدة الفقهية عن الأصول العامة والضوابط الخاصة[15].

وأما تعريف الحموي فيرد عليه ما يأتي:

1- أنه وصف القاعدة بأنها (حكمٌ) والأولى كما ذكرنا أن توصف بأنها قضيةٌ.

2- أنه قد جعل من سمات القواعد الفقهية أنها أكثرية، وأكَّد هذا بوصفها بأنها تنطبق على أكثر جزئياتها. وقد تقدم لنا أنْ قرَّرنا أن القاعدة لا بد أن تكون كليةً أيّاً كان نوعها، وتقدم لنا تفسير كونها كليةً، وأما تقييدها بأنها أكثريةً أو أغلبيةً فالسبب في هذا يمكن إرجاعه إلى ما يكون قد تقرَّر عند بعض العلماء من أن القواعد لا تخلو من المستثنيات، وإذا كان الأمر كذلك فإن القاعدة تنطبق على أكثر جزئياتها لا كلها، فهي إذاً أكثريةٌ أغلبيةٌ لا كليةٌ.

وتقييد القاعدة بكونها أكثريةً لأجل هذا السبب يمكن الجواب عنه ودفعه من وجهين:

الوجه الأول: أن كثيراً من القواعد لا بد له من شروطٍ مع مراعاة انتفاء موانع إعماله، ولو تتبعنا أكثرَ ما يُذكرُ أنه مستثنى من القواعد لوجدنا أنه إما لم ينطبق عليه شرط القاعدة، أو أنه وُجد مانعٌ يمنع من دخوله تحت نص القاعدة، فما يُذكر أنه من مستثنيات القواعد ينبغي التأمل فيه إذ ربما فقد شرطاً من شروط القاعدة أو وُجد ما يمنع من دخوله تحتها، فحينئذٍ لا يعد داخلاً في الأصل تحت نص القاعدة حتى يُقال: إنه من مستثنياتها، وهذا الأمر ينطبق على جميع القواعد، وليس على القواعد الفقهية وحدها.

الوجه الثاني: أنا لو سلمنا بان هناك ما يُمكن أن يكون من مستثنيات القواعد فإننا لا نسلم أنه يقدح في كلية القاعدة؛ لأن الأمر الكلي إذا ثبت، فإن تخلف بعض جزئياته عن مقتضى هذا الكلي لا يُخرجه عن كونه كليّاً إلا في الكليات العقلية[16].

3- أنه ذكر في تعريفه ما يعد ثمرةً للقاعدة الفقهية، وهو: تعرُّفُ أحكام الجزئيات من القاعدة، وهذا كما تقدم يعد ثمرةً للقاعدة الفقهية وليس جزءاً من حقيقتها.

وأما المعاصرون فقد اختلفت ألفاظهم في تعريف القواعد الفقهية، وفي غالبها لا تخلو من المناقشات التي وردت على تعريفي المقري والحموي[17]، إلا أننا هنا نرجح ما ذكره شيخنا الدكتور يعقوب الباحسين من تعريفٍ للقاعدة الفقهية بأنها: قضيةٌ كليةٌ فقهيةٌ، جزئياتها قضايا كليةٌ فقهيةٌ[18].

وبناءً عليه يكون تعريف القواعد الفقهية باعتبارها لقباً لعلْمٍ معيَّنٍ أنه: القضايا الكلية الفقهية التي جزئيات كل قضيةٍ فيها تمثِّل قضايا كليةً فقهيةً.

Adobe Systemsالعلاقة بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي:

إذا أردنا أن نُدرك العلاقة بين هذين المصطلحين بما تتضمنه من وجه الجمع ووجه الفرق فإنه ينبغي لنا أن نتعرف على حقيقة الضابط الفقهي أولاً، ولمعرفة هذه الحقيقة يجب علينا مراجعة تعريفات العلماء لهذا المصطلح وإطلاقاتهم له، وقد انحصرت هذه التعريفات والإطلاقات - في الغالب - فيما يأتي[19]:

أولاً: إطلاق الضابط على القضية الكلية الفقهية التي تتكون جزئياتها من قضايا كليةٍ فقهيةٍ.

وعلى هذا لا فرق بينه وبين القاعدة الفقهية، وهذا مما يُفهم من تعريفات بعض العلماء كالفيومي، والكمال بن الهمام، وغيرهما[20].

ثانياً: إطلاق الضابط على القضية الكلية الفقهية التي تتكون جزئياتها من قضايا كليةٍ فقهيةٍ من بابٍ فقهيٍّ واحدٍ.

وهذا ما يُفهم من كلام ابن السبكي، والزركشي، والسيوطي، وابن نجيم، وغيرهم[21].

وهم يذكرون هذا المعنى للضابط في مقابلة معنى القاعدة الفقهية التي يُفهم من كلامهم تعريفها بهذا المعنى دون أن تكون جزئياتها مقيَّدةً ببابٍ واحدٍ أو نحوه.

فالذي يُفهم من هذا الاستعمال للضابط أنه يفترق عن القاعدة الفقهية من وجهين:

الوجه الأول: أن القاعدة الفقهية تجمع فروعاً من أبوابٍ شتَّى، وأما الضابط فإنه يجمع فروعاً من بابٍ واحدٍ، فمثلاً (الأمور بمقاصدها) قاعدةٌ؛ لأنها تجمع فروعاً من أبواب مختلفةٍ، أما قولنا: (كل ميتةٍ نجسةٌ إلا السمك والجراد) فيعد ضابطاً فقهيّاً؛ لتعلقه بباب واحدٍ أو بابين؛ إذ هو قد يتعلق بباب النجاسات، وبباب الذبائح والصيد.

الوجه الثاني: أن القاعدة الفقهية متفقٌ عليها - في الغالب - بين مجموع المذاهب أو أغلبها، أما الضابط الفقهي فالغالب فيه أن يختص بمذهبٍ معيَّنٍ، بل إن من الضوابط ما يكون وجهة نظرٍ فقهيةٍ خاصةٍ في مذهبٍ معيَّنٍ قد يُخالفها فقهاء آخرون من المذهب نفسه.

فمثلاً قولهم: (ما غيَّر الفرض في أوله غيَّره في آخره) يعد ضابطاً، حيث ذكره بعض علماء الحنفية واستنبطوه من فتاوى أبي حنيفة، وخالفه في حكم هذا الضابط صاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن[22].

والتأمل في واقع كتب القواعد الفقهية واستعمالات العلماء لمصطلح الضابط يؤيد هذا التفريق، ولكن يبقى أنه هو (الغالب) فحسب في إطلاق الضابط.

وإذا أطلنا التأمل في واقع كتب القواعد الفقهية فإننا نجد أن العلماء قد يُطلقون الضابط على معانٍ أخرى يمكن إضافتها إلى ما تقدم وإلحاقها به، وهي على النحو الآتي:

ثالثاً: إطلاق الضابط على تعريف الشيء. ومثاله قول ابن السبكي: «وراء هذه القواعد ضوابط يذكرها الفقهاء... وهي مثل قولنا: العصبة: كل ذكرٍ ليس بينه وبين الميت أنثى»[23].

رابعاً: إطلاق الضابط على المقياس الذي يكون علامةً على تحقق معنىً من المعاني. ومثاله قول الزركشي: «ضابط: ما كان تمليكاً محضاً لا يدخل التعليق فيه قطعاً كالبيع... وما كان حلاً محضاً يدخله التعليق قطعاً كالعتق»[24].

خامساً: إطلاق الضابط على تقاسيم الشيء. ومثاله قول السيوطي: «ضابط: الناس في الإمامة أقسام، الأول: من لا تجوز إمامته بحالٍ...»[25].

سادساً: إطلاق الضابط على أحكامٍ فقهيةٍ جزئيةٍ. ومثاله قول السيوطي: «تعتبر مسافة القصر في غير الصلاة في الجُمَع، والفطر، والمسح...»[26].

ولذلك فإن الذي يظهر من هذه الإطلاقات جميعاً أنه يمكن أن نجمع بينها، فنقول في تعريف الضابط: إنه (ما انتظم صوراً متشابهةً في موضوعٍ واحدٍ، غيرَ ملتفَتٍ فيها إلى معنًى جامعٍ مؤثِّرٍ)[27].

وإنما قلنا بهذا ليشمل هذا المعنى جميع استعمالات العلماء لمصطلح (الضابط) في كتب القواعد الفقهية.

وبذلك يكون الفرق الرئيس بين الضابط وبين القاعدة هو ما ذكرناه فيما تقدم من أن القاعدة تشمل صوراً أو فروعاً متشابهةً في موضوعاتٍ متعددةٍ، أما الضابط فيشمل صوراً أو فروعاً في موضوعٍ واحدٍ.

Adobe Systemsالعلاقة بين القواعد الفقهية والأشباه والنظائر:

إذا أردنا تحديد العلاقة بين هذين المصطلحين فإنه لا بد أن نتعرف على المراد بالأشباه والنظائر، وأن ننظر في واقع الكتب المؤلفة في القواعد الفقهية التي عُنون لها بــ(الأشباه والنظائر).

فأما المراد بالأشباه في اللغة فهي جمع شِبْهٍ، والنظائر جمع نظيرةٍ، وكلاهما يعني المِثْل[28]. فدلالة هاتين الكلمتين واحدةٌ من حيث اللغة.

وأما في الاصطلاح فقد ذكر السيوطي أن المشابهة هي الاشتراك في أكثر الوجوه لا كلها، وأن المناظرة يكفي فيها الاشتراك في بعض الوجوه ولو كان وجهاً واحداً[29].

وبناءً على ذلك فإن الذي يظهر بدايةً أن المقصود بالأشباه على وفق ما هي عليه في كتب القواعد الفقهية: الفروع التي أشبه بعضها بعضاً في الصورة والحكم.

وأن المقصود بالنظائر: الفروع التي أشبه بعضها بعضاً في الصورة ولكن قد يكون فيها من الأوصاف ما يمنع من إلحاقها في الحكم بما يُشبهها.

وهذا يتفق مع ما ذكره السيوطي في معنى الأشباه والنظائر فيما تقدم؛ لأن الأشباه حصلت فيها المماثلة في أكثر الوجوه، فكان ذلك مظنةً لأن يتفق الحكم بينها، بينما أن النظائر حصلت فيها المماثلة في بعض الوجوه، فكان من المنتظر أن يختلف الحكم.

لكن لا يعني هذا أن ما قلَّت فيه أوجه الشبه يمتنع فيه الإلحاق، بل ربما كان هذا الوجه من القوة بحيث يؤثر في مساواة الفرعين في حكمٍ واحدٍ.

إذاً يتقرر لدينا أن المراد بالأشباه والنظائر: الفروع الفقهية المتشابهة صورةً وحكماً أو صورةً لا حكماً.

وإذا تأملنا كتب القواعد الفقهية التي عُنون لها بــ(الأشباه والنظائر) نجد أنها اشتملت على هذه الفروع بهذه الصفة، ولكنها ضَمَّت إليها الكلام على فنونٍ أخرى ربما ليس لها علاقةٌ بالأشباه والنظائر كالألغاز الفقهية، والحيل الفقهية، وبعض الحكايات والمراسلات، التي لا نجد فيها شيئاً من المعنى المراد الذي قرَّرناه للأشباه والنظائر.

وبناءً على هذا فإنه يمكن القول إن العلاقة بين القواعد الفقهية والأشباه والنظائر هي: أن القواعد تمثل الأمر الجامع بين الفروع الفقهية المتشابهة، وأن الأشباه والنظائر تمثل الفروع أو الجزئيات التي تجمعها تلك القاعدة.

وهذا يُفسِّر لنا وجه تسمية بعض العلماء مؤلفاتهم بــ(القواعد) والبعض الآخر بــ(الأشباه والنظائر)؛ وذلك أن من نظر إلى المعنى الجامع بين الفروع والجزئيات أطلق على كتابه (القواعد)، ومن نظر إلى الفروع والجزئيات المتشابهة أطلق على كتابه (الأشباه والنظائر)[30].

Adobe Systemsالعلاقة بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية:

لم يعتنِ العلماء المتقدمون ببيان هذه العلاقة من حيث بيان وجه الشبه ووجه الافتراق، ويمكن أن يُستثنى من هذا ما ذكره القرافي في مقدمة كتابه (الفروق) إلا أنه لم يقصد بذلك بيان الفرق بين القاعدة الأصولية والقاعدة الفقهية بقدر ما هو بيانٌ لقسمي أصول الشريعة.

وقد كان هذا الموضوع محل اهتمام المعاصرين الذين ألَّفوا في القواعد الفقهية، ومع ذلك فكل ما ذكروه كان اجتهاداً مبنياً على تأمل واقع كلٍّ من أصول الفقه والقواعد الفقهية.

وقد نبعت عنايتهم هذه بسبب وجود شبهٍ بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية؛ حيث يشتركان في وجهي الشبه الآتيين:

الوجه الأول: أن كلّاً منهما قضيةٌ كليةٌ متعلِّقةٌ بالفقه، يدخل تحتها فروعٌ فقهيةٌ كثيرةٌ.

الوجه الثاني: أن كلّاً منهما يعد معياراً وميزاناً للفروع الفقهية، فقواعد الأصول معيارٌ لاستنباط الفروع من الأدلة، وأما القواعد الفقهية فهي معيارٌ لضبط الفروع المتشابهة بعد الاستنباط.

وقد اختلف المعاصرون في عدِّ أوجه الفروق هنا، وهي فروقٌ متفاوتةٌ؛ فمنها ما يُعد فرقاً بعيداً وغير معتبرٍ عند التحقيق، ومنها ما يعد فرقاً معتبراً له حظٌّ من النظر[31]، وسأكتفي هنا بإيراد بعض أوجه الفرق بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية مكتفياً بما أراه فرقاً مؤثراً ومعتبراً، فمن ذلك ما يأتي:

الوجه الأول: أن القاعدة الفقهية متعلِّقةٌ بكيفية العمل بلا واسطةٍ، وأما القاعدة الأصولية فهي متعلِّقةٌ بكيفية العمل مع الواسطة، وبيان ذلك: أن القاعدة الفقهية تستخرج منها أحكام الجزئيات الفقهية مباشرةً بدون توسط الدليل، بخلاف القاعدة الأصولية التي تستخرج منها أحكام الجزئيات الفقهية بواسطة الدليل وليس مباشرةً.

فمثلاً: قاعدة (اليقين لا يزول بالشك) تفيد أن من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث فإنه يعمل بيقين الطهارة، بدون الحاجة إلى توسط الدليل.

وأما قاعدة (الأمر المجرَّد عن القرينة للوجوب) فلا تفيد وجوب الصلاة أو الزكاة مباشرةً، بل لا بد من توسط الدليل بين القاعدة والحكم، كقوله تعالى: ﴿ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ [النِّسَاء: 77].

الوجه الثاني: أن موضوع القاعدة الفقهية هو فعل المكلَّف، بينما موضوع القاعدة الأصولية هو الأدلة وما يعرض لها.

وبناءً على هذا الفرق فإن القاعدة الفقهية تستعمل في تفسير تصرفات المكلَّف القولية أو الفعلية وفهمها وتوجيهها، أما القاعدة الأصولية فإنها تستعمل في تفسير تصرفات الشارع وفهمهما وتوجيهها، وهذا يُمكن أن يُفسِّر لنا وصف بعض القواعد بأنها (أصوليةٌ فقهيةٌ)، أي أنها تستعمل في الأمرين، وذلك كقاعدة (إعمال الكلام أولى من إهماله)، وقاعدة (لا يُنسب إلى ساكتٍ قولٌ) ونحوهما.

كما أنه يُفسِّر لنا اشتمال كثيرٍ من كتب القواعد الفقهية على بعض القواعد والمسائل التي اشتهر عرضها في كتب أصول الفقه على أنها قواعدُ أصوليةٌ خالصةٌ.

الوجه الثالث: أن القاعدة الأصولية وسيلةٌ يتوصل بها المجتهد إلى التعرف على الأحكام الفقهية، وأما القاعدة الفقهية فهي ضابطٌ كليٌّ للأحكام الفقهية التي توصل إليها المجتهد باستعماله القاعدة الأصولية، فتكون القواعد الفقهية ضوابط للثمرة المتحققة من أصول الفقه.

ويترتب على وجه الفرق هذا فرقٌ آخر، وهو:

الوجه الرابع: أن القاعدة الأصولية متقدمةٌ في وجودها الذهني والواقعي على القواعد الفقهية، بل إن القاعدة الأصولية متقدمةٌ على الفروع نفسها التي جاءت القواعد الفقهية لجمعها وضبطها.

Adobe Systemsالعلاقة بين القواعد الفقهية والنظريات الفقهية:

إن مصطلح (النظريات) من المصطلحات المستحدثة التي اقتضتها حاجة الدارسين للفقه في كليات الحقوق والقانون الآخذة في مناهجها بطريق دراسات الغرب، ولذلك نجد أن الذين درَّسوا موضوعات الفقه في هذه الكليات قد تأثروا بذلك، وهم وإنْ كانوا قد ألَّفوا في (النظريات الفقهية) كنظرية الحق، ونظرية العقد، ونظرية التعسف في استعمال الحق، وغيرها، إلا أنهم لم يعتنوا بتحديد معنى النظرية، بل إن بعض العلماء والباحثين قد عدُّوا النظريات الفقهية من قبيل القواعد الفقهية[32]، ولذلك فإننا نحتاج إلى بيان المراد بها حتى يسهل علينا بيان علاقتها بالقواعد الفقهية.

ولكي يتضح لنا المراد بالنظريات لا بد من النظر في واقع الكتب المؤلفة فيها، مع تأمل ما ذكره بعض العلماء والباحثين المعاصرين في هذا الأمر.

وبناءً على هذا يمكن القول إن المراد بالنظريات الفقهية: هي موضوعٌ كليٌّ فقهيٌّ يدخل تحته موضوعاتٌ فقهيةٌ عامةٌ متشابهةٌ في الأركان والشروط والأحكام العامة مع اختصاص كل موضوعٍ بأركانه وشروطه الخاصة.

وبهذا يكون فيها نوعٌ من التشابه مع القواعد الفقهية من جهة اشتراكهما في أنهما يجمعان أحكاماً فقهيةً من أبوابٍ مختلفةٍ.

ولكن لا يعني هذا أن القواعد الفقهية يمكن أن نطلق عليها أنها نظرياتٌ فقهيةٌ؛ وذلك لوجود الفرق بينهما، ومن أوجه الفروق المعتبرة هنا ما يأتي[33]:

الوجه الأول: أن القاعدة الفقهية تتضمن حكماً فقهيّاً في ذاتها، وهذا الحكم الذي تضمنته القاعدة ينتقل إلى الفروع المندرجة تحتها، فقاعدة (اليقين لا يزول بالشك) مثلاً تضمنت حكماً فقهيّاً في كل مسألةٍ اجتمع فيها يقينٌ وشكٌّ.

وهذا بخلاف النظرية الفقهية فإنها تمثل معنًى عامّاً ليس فيه حكمٌ فقهيٌّ، وذلك مثل (نظرية الضمان) و(نظرية الفسخ والبطلان) ونحوها.

الوجه الثاني: أن بينهما عموماً وخصوصاً وجهيّاً، وذلك أن النظريات الفقهية تعد أعم وأوسع من القواعد الفقهية من جهة أن القواعد الفقهية يمكن أن تدخل تحت النظرية وتخدمها، والقواعد الفقهية تعد أعم من النظرية من جهة أن القاعدة لا تتقيد بموضوعٍ ولا بابٍ معيَّنٍ، أما النظرية فلا بد فيها أن تكون متعلِّقةً بموضوعٍ معيَّنٍ، كالعقد، أو الملكية، فلا تدخل حينئذٍ في العبادات مثلاً.

Adobe Systemsأقسام القواعد الفقهية:

[تمهيد]

تنقسم القواعد الفقهية أقساماً متعددةً باعتباراتٍ مختلفةٍ[34]، وذلك على النحو الآتي:

Adobe Systemsالتقسيم الأول: تقسيم القواعد الفقهية باعتبار الشمول والاتساع:

وتنقسم القواعد بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسامٍ:

القسم الأول: القواعد الكلية الكبرى، وهي القواعد الداخلة في جميع أبواب الفقه أو غالبها، وهي القواعد التي ذكروا أن الفقه مبنيٌّ عليها، وهي القواعد الخمس الكبرى، وهي:

1- قاعدة الأمور بمقاصدها. 2- قاعدة اليقين لا يزول بالشك.

3- قاعدة المشقة تجلب التيسير. 4- قاعدة الضرر يُزال.

5- قاعدة العادة محكَّمة.

وبعضهم يزيد قاعدة: (لا ثواب إلا بالنية) ويجعلها قاعدةً سادسةً[35]، والذي أراه أنها قاعدةٌ متداخلةٌ مع قاعدة (الأمور بمقاصدها)، وأما القاعدة التي تستحق أن تكون قاعدة سادسةً فهي قاعدة (إعمال الكلام أولى من إهماله).

القسم الثاني: القواعد الصغرى، وهي القواعد الكلية غير الكبرى، وإنما أطلقنا عليها القواعد الصغرى تمييزاً لها عن القواعد الكبرى، وهذه على نوعين:

النوع الأول: القواعد الداخلة في أبوابٍ فقهيةٍ كثيرةٍ مع عدم اختصاصها ببابٍ فقهيٍّ معيَّنٍ، وهي أقل شمولاً واتساعاً من القواعد الكبرى، وهذا النوع عدَّ منه السيوطي أربعين قاعدةً[36]، واقتصر ابن نجيم منها على تسع عشرة قاعدةً[37]، منها ما هو متفرِّعٌ أو يُمكن تفريعه عن القواعد الكبرى، كقاعدة (لا يُنسب إلى ساكتٍ قولٌ) وقاعدة (لا عبرة بالظن البيِّن خطؤه) اللتين تفرَّعتا عن قاعدة (اليقين لا يزول بالشك).

ومنها ما هو من القواعد المستقلة عن القواعد الكبرى، والتي يُمكن أن يتفرَّع عنها بعض القواعد، ومنها قاعدة (التابع تابعٌ) وقاعدة (الاجتهاد لا يُنقض بالاجتهاد).

وقد أدخل السيوطي وابن نجيم في هذا النوع قاعدة (إعمال الكلام أولى من إهماله)؛ لأنهما لا يعدَّانها من القواعد الكبرى.

النوع الثاني: القواعد المتفرِّعة عن القواعد الكبرى أو يُمكن تفريعها عنها مع كونها مختصةً بأبوابٍ معيَّنةٍ من أبواب الفقه، وذلك كقاعدة (العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني)، وقاعدة (الأيمان مبنيةٌ على الأغراض لا على الألفاظ) المتفرِّعتين عن قاعدة (الأمور بمقاصدها).

القسم الثالث: القواعد الخاصة، وهي القواعد المختصة بأبوابٍ فقهيةٍ معيَّنةٍ، ولكنها لا تتفرع عن القواعد في القسمين المتقدمين، وهي بمعنى الضابط بناءً على وجهة نظر من يرى أن الضابط هو ما اختص ببابٍ فقهيٍّ معيَّنٍ، ومن أمثلة هذا القسم قولهم: (قاعدة: كل ميتةٍ نجسةٌ إلا السمك والجراد)[38]، وقولهم: (قاعدة: كل مكروهٍ في الصلاة يُسقط فضيلتها)[39].

Adobe Systemsالتقسيم الثاني: تقسيم القواعد الفقهية باعتبار الاتفاق عليها وعدمه:

وتنقسم القواعد بهذا الاعتبار إلى قسمين:

القسم الأول: القواعد المتفق عليها بين جميع المذاهب في الجملة، ومنها القواعد الخمس الكبرى التي ذُكر أن الفقه مبنيٌّ عليها، والغالب في هذا القسم أن يُصاغ بأسلوبٍ خبريٍّ لا إنشائي.

القسم الثاني: القواعد المختلف فيها في الجملة، وهذه يتفاوت الخلاف فيها، فقد يكثر المخالف فيها وقد يقل فتكون حينئذٍ أقرب إلى القواعد المتفق عليها، وهذا القسم على نوعين:

النوع الأول: القواعد المختلف فيها بين علماء المذاهب الفقهية المختلفة، وهذا النوع يُمثِّله القواعد الأربعين التي ذكر السيوطي أنها قواعد كليةٌ يتخرج عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية، واقتصر منها ابن نجيم على تسع عشرة قاعدةً، ومنها قاعدة (الرخص لا تُناط بالمعاصي).

النوع الثاني: القواعد المختلف فيها بين علماء المذهب الواحد، والغالب في هذا النوع من القواعد أن يُصاغ بأسلوبٍ إنشائيٍّ، فيرد بصيغة الاستفهام؛ إشارةً إلى وقوع الخلاف فيه في المذهب، ومن أمثلته: قول السيوطي: قاعدة (هل العبرة بصيغ العقود أو بمعانيها؟)[40]، وقول الونشريسي: (القاعدة الأولى: الغالب هل هو كالمحقق أم لا؟)[41].

Adobe Systemsالتقسيم الثالث: تقسيم القواعد الفقهية باعتبار الاستقلال والتبعية:

وتنقسم القواعد بهذا الاعتبار إلى قسمين:

القسم الأول: القواعد الأصلية، وهي القواعد المستقلة عن غيرها، بحيث لا تكون قيداً لقاعدةٍ أخرى، ولا متفرِّعةً عن غيرها. وهذا القسم يشمل القواعد الخمس الكبرى، ويشمل القواعد الصغرى غير المتفرعة من القواعد الكبرى.

القسم الثاني: القواعد المتفرِّعة، وهي القواعد التابعة لغيرها من القواعد الخادمة لها إما من جهة أنها تمثل جانباً من جوانب قاعدةٍ أخرى أو تطبيقاً لها في مجالاتٍ معينةٍ، وإما من جهة كونها قيداً لقاعدةٍ أخرى أو مستثناةً منها على القول بوجود المستثنيات من القواعد حقيقةً.

ومن أمثلة هذا القسم: قاعدة (الأصل براءة الذمة) فهي متفرعةٌ عن قاعدة (اليقين لا يزول بالشك) من جهة أن براءة الذمة فيها تُمثِّل جانب اليقين، وكذا قاعدة (إنما تعتبر العادة إذا اطَّردت أو غلبت) فهي متفرِّعة عن قاعدة (العادة محكَّمة) إذ هي تعد قيداً لها.

وكذا قاعدة (من استعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه) فهي متفرِّعةٌ عن قاعدة (الأمور بمقاصدها) إذ إنها مستثناةٌ منها عند البعض.

Adobe Systemsالتقسيم الرابع: تقسيم القواعد الفقهية باعتبار الأصل الذي استُمدت منه، أو باعتبار مصدرها:

وتنقسم القواعد بهذا الاعتبار إلى قسمين:

القسم الأول: القواعد التي أصلها النص الشرعي، أو أن مصدرها النص، إما من الكتاب أو من السنة، وهذا القسم على نوعين:

النوع الأول: القواعد التي تمثل بلفظها نصّاً شرعيّاً، بحيث لا تختلف عنه مطلقاً، أو كان الاختلاف بينهما يسيراً، ومن أمثلة هذا: قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) فهي نص حديثٍ نبويٍّ[42]، وكذا قاعدة (الخراج بالضمان) فهي نص حديثٍ نبويٍّ كذلك[43].

النوع الثاني: القواعد التي تمثِّل بمعناها نصّاً شرعيّاً، ومن أمثلة هذا: قاعدة (الأمور بمقاصدها) فقد أُخذ لفظها من معنى قوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»[44].

وقد تؤخذ من مجموعةٍ من النصوص الشرعية، كقاعدة (اليقين لا يزول بالشك) أُخذت من نحو قوله ﷺ: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخرج منه شيءٌ أم لا؟ فلا يخرجنَّ من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً»[45]، وقوله ﷺ أيضاً: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدرِ كم صلى أثلاثاً أم أربعاً؟ فليطَّرح الشك وليبنِ على ما استيقن...»[46].

القسم الثاني: القواعد التي أصلها الاستقراء للأحكام الفقهية، والمقصود بها: القواعد التي استنبطها العلماء من خلال تتبعهم لأحكام الفقه في مواردها المختلفة، وهذا القسم أكثر من القسم الأول في واقع القواعد الفقهية، ويكون هذا الاستنباط إما من نصٍّ صريحٍ لأحد الأئمة، وإما بالنظر إلى مجموع فتاوى ذلك الإمام وإلى عللها، وما بين هذه الفتاوى من معانٍ مشتركةٍ، ومن ثمَّ تتم صياغة القاعدة في صورة قضيةٍ كليةٍ.

ومن أمثلة هذا القسم: قاعدة (لا يُنسب للساكت قولٌ)[47]، وقاعدة (إذا ضاق الأمر اتسع)[48] اللتان أُثرتا عن الإمام الشافعي بهذا النص.

وكذا قاعدة: (ما غيَّر الفرض في أوله غيَّره في آخره) التي استنبطها أبو الحسن الكرخي من خلال تأمله لكلام الإمام أبي حنيفة في اثني عشر فرعاً فقهيّاً في باب الصلاة، فبعد نظره في المعنى الجامع بين هذه الفروع الفقهية توصل إلى هذه القاعدة، فصاغها بهذه العبارة الجامعة[49].

Adobe Systemsالتقسيم الخامس: تقسيم القواعد الفقهية باعتبار الموضوع:

والمقصود به أن القواعد الفقهية على كثرتها يُمكن أن تُقسَّم إلى أقسامٍ متعددةٍ من حيث موضوع كل مجموعةٍ منها، فهذه قواعد موضوعها الشروط، وهذه قواعد موضوعها العقود المالية، وتلك قواعد موضوعها الحقوق والضمان، وأخرى موضوعها السياسة الشرعية، وهكذا.

وهذا النظر إلى تقسيم القواعد شاع لدى المعاصرين، حتى تميَّزت كثيرٌ من المؤلفات المعاصرة وخاصةً الرسائل العلمية بما يتوافق مع هذا الاعتبار في هذا التقسيم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة