حجم الخط:

محتوى الدرس (19)

القاعدة الكبرى الرابعة (لا ضرر ولا ضرار)[1]

الكلام في هذه القاعدة يمكن أن يكون من خلال المسائل الآتية:

Adobe Systemsالمسألة الأولى: مكانة هذه القاعدة:

هذه القاعدة أصلٌ من أصول الشرع ومن أجلِّ قواعده، وتظهر مكانتها من خلال أمرين:

القاعدة الكبرى الرابعة: لا ضرر ولا ضرار

أولهما: أن هذه القاعدة من القواعد ذات الأثر الواسع في أحكام الفقه، فقد ذكر بعض العلماء أن نصف الفقه يندرج تحت هذه القاعدة، ووجه هذا: أن أحكام الشرع لا تخلو إما أن تكون لجلب المنافع وإما أن تكون لدفع المضار، وهذه القاعدة التي معنا تقرر جانب دفع المضار أو تخفيفها، وذلك نصف أحكام الفقه.

ثانيهما: أن لهذه القاعدة صلةً بعلم أصول الفقه، وذلك باعتبارها من أدلة الفقه، أو أنها تشبه أدلة الفقه؛ من حيث إنها يُقضى بها في جزئياتها كأنها دليلٌ على ذلك الجزئي، ومن حيث صلتها بالاستدلال في جانب المصالح، التي تبحث ضمن أدلة التشريع المختلف فيها، حيث إن قاعدة رعاية المصالح ودرء المفاسد قد بُنيت على مضمون هذه القاعدة.

Adobe Systemsالمسألة الثانية: صياغة هذه القاعدة:

هذه القاعدة ارتبطت في مبدأ تطبيقها بنصٍّ نبويٍّ يُذكر بصيغته عند تعليل أحكام فروع هذه القاعدة، وهو قوله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار»[2]، مما يُشير إلى ارتباطها المبكر بواقع أحكام الشرع، إلا أنها لم تذكر بهذه الصيغة باعتبارها قاعدةً فقهيةً إلا في وقتٍ متأخرٍ بالنظر إلى واقع التأليف في القواعد الفقهية؛ فأول ورودها بهذا اللفظ بهذا الاعتبار كان في مجلة الأحكام العدلية ممثلةً في المادة التاسعة عشرة من مواد المجلة، ثم في شروحها بعد ذلك.

مع التنبيه إلى أنها قد وردت بلفظ (الضرر يُزال) أو نحوه قبل ذلك، وهو اللفظ الذي عبَّر به عن القاعدة أكثر علماء القواعد الفقهية، ويُعد العلائي أول من صرَّح بذكر هذه القاعدة باعتبارها قاعدةً فقهيةً، لكن اللفظ الذي ذكرها به محل نظر، فقد ذكرها بلفظ (الضرر المزال)، وهذا اللفظ محل نظرٍ من جهة أن كلمة (المزال) قد ذُكرت معرَّفةً، وتعريفها يجعلها وصفاً للضرر لا حكماً باتّاً، ومن شروط المحمول في القاعدة: أن يكون حكماً باتّاً غير مترددٍ فيه.

وهذا بخلاف ذكر هذه الكلمة منكَّرةً بلفظ (مزال) كما ذكرها الحصني، أو بلفظ (يُزال) كما ذكرها ابن السبكي، ثم السيوطي ومن جاء بعده، فإن هذه الألفاظ من قبيل الأخبار التي هي بمعنى الأمر، فتفيد طلب إزالة الضرر، وتكون مفيدةً للمعنى حينئذٍ.

وهذا اللفظ المذكور للقاعدة يتفق في معناه مع نص الحديث النبوي، لذلك كان من الأولى أن يُستعمل نص الحديث في صياغة القاعدة ويُكتفى به لأمرين:

الأمر الأول: أن ذكر القاعدة بنص الحديث النبوي يُعطيها قوةً في التأثير؛ لأن هذا يجعلها دليلاً شرعيّاً صالحاً لأنْ تبنى عليه الأحكام.

الأمر الثاني: أن ذكر القاعدة بنص الحديث النبوي فيه من العموم والشمول ما لا يوجد في اللفظ الآخر للقاعدة؛ لأن نص الحديث يشمل إزالة الضرر ابتداءً ومقابلةً، قبل الوقوع وبعده، أما اللفظ الآخر للقاعدة فهو خاصٌّ بإزالة الضرر بعد وقوعه[3].

يُضاف إلى هذين الأمرين أن نص الحديث النبوي لفظٌ مختصرٌ، فتحققت فيه الفائدة من صياغة القاعدة الفقهية، وهي سهولة حفظها.

مع التنبيه إلى أن هذه القاعدة قد وردت بهذين اللفظين في مجلة الأحكام العدلية، وهذا تكرارٌ يغني عنه ذكر القاعدة بأحد اللفظين، إلا أن الشيخ أحمد الزرقا قد ذكر أن القصد من إعادة ذكرها باللفظ الآخر هو التأكيد على جانب وجوب إزالة الضرر في حال وقوعه[4].

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: معنى القاعدة:

أولاً: المعنى الإفرادي[5]:

هذه القاعدة تدور حول لفظي الضرر والضرار المنفيين، ومادة هذين اللفظين اللذين اشتُقا منها واحدةٌ، وهي الضَّرُّ أو الضُرُّ، وهما لغتان، وهي في اللغة تعني خلاف النفع.

وقيل الضَّر خلاف النفع، والضُّر ما كان من سوء حالٍ أو فقرٍ وشدةٍ، فمن الأول قوله تعالى: ﴿ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ [آل عِمرَان: 120]، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا [الزُّمَر: 49].

وأما (الضرر) و(الضرار) في الاصطلاح فقد قيل: إنهما بمعنًى واحدٍ، فكلٌّ منهما يعني: نقصانٌ يدخل على الشيء، أو مفسدةٌ تلحق بالشيء. وتكرارهما في لفظ الحديث من باب التأكيد، فالثانية توكيدٌ للأولى.

والذي يترجح أن لكلٍّ منهما معنًى اصطلاحيّاً خاصّاً؛ وذلك لما هو معلومٌ من أن التأسيس أولى من التأكيد. ولكن حصل الخلاف في تحديد معنى كل منهما على أقوالٍ:

القول الأول: أن الضرر إلحاق الإنسان مفسدةً بغيره بحيث ينتفع هو بذلك الإلحاق، وأما الضرار فهو إلحاق الإنسان مفسدةً بغيره بحيث لا ينتفع هو بذلك الإلحاق.

القول الثاني: أن الضرر إلحاق الإنسان مفسدةً بغيره ابتداءً، وأما الضرار فهو إلحاق الإنسان مفسدةً بمن أضر به على سبيل المجازاة على وجهٍ غير جائزٍ.

القول الثالث: أن الضرر اسمٌ والضرار مصدرٌ، فالمصدر الذي هو الضرار يُشير إلى فعل الضرر والوقوع فيه، والاسم الذي هو الضرر يُشير إلى ما يُوصل إلى فعل الضرر والوقوع فيه ويكون وسيلةً إليه. فيكون النهي وارداً على ارتكاب الضرر أو ارتكاب وسيلته.

والذي يترجح من هذه المعاني للفظي الضرر والضرار هو ما تضمنه القول الثاني؛ وذلك لأن لفظ (الضرار) مصدرٌ قياسيٌّ على وزن (فِعال)، وفعله على وزن (فاعَلَ) وهو يدل على المشاركة بين اثنين فأكثر[6].

ويجدر التنبيه إلى أن التعريفات المشار إليها هنا قد اتجهت إلى تخصيص معنى الضرر بما يقع على الغير، بينما أنه يمكن أن يدخل فيه أيضاً الضرر الذي يوقعه أو يمكن أن يوقعه الإنسان على نفسه.

كما أنه ينبغي التنبه إلى أن الضرر والضرار يمكن أن يكون كلٌّ منهما حسيّاً ويمكن أن يكون معنويّاً.

وأما النفي الوارد في نص القاعدة وفي نص الحديث قبل ذلك فهو بمعنى النهي؛ إذ إن (لا) نافيةٌ، وهي ليست لنفي الوقوع؛ لأن الضرر والضرار يقعان كثيراً بحسب الواقع، وبناءً عليه يكون المقصود بالنفي هنا نفي الجواز، فيثبت حينئذٍ التحريم شرعاً[7].

ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:

أن الضرر والضرار بحسب ما ترجح من معناهما محرمان في شريعتنا، ولذا يحرم إيقاع الضرر ابتداءً أو مقابلةً على وجهٍ غير جائزٍ، ويُفهم من هذا أن الضرر الواقع بهذه الكيفية يجب دفعه قبل وقوعه أو رفعه بعد الوقوع إنْ أمكن.

Adobe Systemsالمسألة الرابعة: مجال إعمال القاعدة[8]:

هذه القاعدة أساسٌ في منع الفعل الضار وتلافي نتائجه، وهي كما تقدم سندٌ لمبدأ الاستصلاح المتعلق بجلب المصالح ودرء المفاسد، ولذلك فإن كثيراً من أبواب الفقه تنبني على هذه القاعدة، ومن ذلك:

- مشروعية الخيار بأنواعه، فإنه شُرع لرفع الضرر الذي يلحق بأحد المتعاقدين.

- ومشروعية الحجر بأنواعه؛ فحجر الفلس شُرع لرفع الضرر عن الغرماء، وحجر السفه شُرع لدفع ضرر السفيه المحجور عليه.

- ومشروعية الشُّفعة؛ فإنها شُرعت لدفع ضرر الشريك أو الجار الذي لا يريده الإنسان.

- ومشروعية القصاص؛ فإنه شُرع لرفع ضرر المعتدى عليه أو وليِّه، ولدفع ضرر متوقعٍ، وهو الاعتداء على الناس في المستقبل.

- ومشروعية نصب الأئمة والقضاة، فإنه شُرع لرفع الضرر عن المظلومين، ودفعٌ للضرار المحتمل من قيام المعتدى عليه بأخذ حقه بنفسه.

- ومشروعية الحدود، فإنها شُرعت لدفع الضرر ورفعه عن الناس في أنفسهم وأعراضهم وأموالهم.

- ومشروعية قتال المشركين والبغاة، فإنه شُرع لدفع الضرر ورفعه عن الدين والأنفس والأموال.

ففي كل بابٍ من هذه الأبواب دفعٌ أو رفعٌ لأضرارٍ كثيرةٍ معلومةٍ.

وإذا تقرر هذا فإن هذه القاعدة وإنْ وردت مطلقةً في لفظها فهي مقيَّدةٌ في واقعها، فهي من قبيل العموم المخصوص؛ فليس كل ضررٍ محرماً شرعاً، وذلك أنه يخرج من هذه القاعدة ثلاثة أنواعٍ من الضرر:

أولها: الضرر الذي أذن الشرع في إيقاع العمل المشتمل عليه: وهو الضرر الواقع بوجه حقٍّ، ومنه ضرر العقوبات من الحدود والقصاص، فإنه وإنْ كان ضرراً على من يُقام عليه إلا أنه ضررٌ بحقٍّ، وقد أذن فيه الشارع، بل أوجبه في حالاتٍ كثيرةٍ[9].

ثانيها: الضرر الذي تعم به البلوى: أي يعسر الاحتراز منه أو يعسر الاستغناء عن العمل إلا معه، وهذا النوع من الضرر في غالب وقوعه ضررٌ يسيرٌ يمكن احتماله، ومن قبيل هذا النوع: الضرر الذي يكون في بعض المعاملات إما بسبب الغبن أو الغرر، فإنه وإنْ كان ضرراً إلا أنه إذا عمت به البلوى فإنه يُغتفر.

وثالثها: ما رضي به المكلف مما كان متعلقاً بحقه لا بحق الله تعالى: فمتى اشتمل العمل على ضررٍ للمكلف وكان متعلقاً بحقه هو ورضي به فإنه يُغتفر هذا الضرر، ومن هذا القبيل: أن في تزويج الولي موليته بغير كفءٍ - نسباً أو تديناً- ضرراً عليها، فلو أنها رضيت بذلك فإن العقد يصح؛ لأن الضرر الذي اشتمل عليه العقد وهو عدم الكفاءة في هذا الأمر ضررٌ متعلقٌ بالمرأة في حقٍّ من حقوقها، وقد رضيت به.

وكذا فإن في القذف بالزنا ونحوه ضرراً يلحق بالمقذوف، فلو أن المقذوف سكت في هذه الحال ولم يطالب بالحد، فإنه لا يُقام الحد على القاذف؛ لأن الضرر الذي اشتمل عليه القذف ضررٌ بحق المكلف المقذوف، وقد رضي به؛ لسكوته.

Adobe Systemsالمسألة الخامسة: الأدلة على القاعدة:

دل على هذه القاعدة أدلةٌ من القرآن والسنة، ولعل أصرح دليلٍ على القاعدة على سبيل الإجمال ما ورد في حديث أبي سعيدٍ الخدري وابن عباسٍ وعائشة M أن رسول الله ﷺ قال: «لا ضرر ولا ضرار»[10].

ووجه الاستدلال منه: أن هذا الحديث قد ورد بنفي الضرر مطلقاً، وهذا يوجب إزالته إما بدفعه قبل وقوعه بطرق الوقاية الممكنة وإما برفعه بعد وقوعه بما يمكن من التدابير التي تزيل آثاره وتمنع من تكراره.

يُضاف إلى هذا أن القرآن والسنة قد دلا على النهي عن إيقاع الضرر بالغير بغير وجهِ حقٍّ، وبيَّنا كيفية رفعه بعد وقوعه، وذلك في صورٍ كثيرةٍ، ومنها:

1- النهي عن المضارة بالمطلقات كما في قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ۚ [البَقَرَة: 231]، وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ۚ [الطّلَاق: 6].

فهذا نهيٌ صريحٌ عن المضارَّة بالمطلقة إما بمراجعتها قبل انتهاء عدتها وتطليقها مرةً أخرى لتطول عليها العدة أو لتعطيه شيئاً مما آتاها، وإما بالتضييق عليها حتى تفتدي منه بمالها أو تخرج من مسكنه.

2- النهي للوالدة والوالد عن الإضرار بولدهما كما في قوله تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ۚ [البَقَرَة: 233].

وهذا نهيٌ للوالدة عن الإضرار بولدها بأن تابى أن ترضع ولدها إضراراً بوالده، ونهيٌ للوالد عن أن ينتزع الولد من والدته ويمنعها من إرضاعه لمجرد الإضرار بها.

3- النهي عن مضارة الكاتب والشاهد كما في قوله تعالى: ﴿ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ [البَقَرَة: 282].

فهذا نهيٌ إما عن المضارة من الكاتب والشاهد وذلك بأن يكتب الكاتب بخلاف ما يُملى عليه أو يمتنع من الكتابة أصلاً، ويشهد الشاهد بخلاف ما سمع أو يكتم الشهادة بالكلية، وإما نهيٌ عن المضارة بالكاتب والشاهد وذلك بأن يُدعيا إلى الكتابة أو الشهادة وهما مشغولان فإذا اعتذرا بعذرهما أوقع بهما صاحب الحق الأذى.

4- النهي عن المضارة في الوصية كما في قوله تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ۚ [ النِّسَاء: 12].

وهذا نهيٌ للمورِّث عن إدخال الضرر على الورثة في الوصية والدين بأن يوصي بأكثر من الثلث أو يوصي لوارثٍ، أو أن يُقرَّ بدينٍ ليس عليه.

5- النهي عن المضارة في استعمال الحق كما في حديث سمرة بن جندبٍ رضي الله عنه أنه كانت له عضدٌ[11] من نخلٍ في حائط رجلٍ من الأنصار، وكان مع الرجل أهله، فكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذى به الأنصاري ويشق عليه، فطلب الأنصاري من سمرة أن يبيعه، فأبى، فطلب منه أن يُناقله فأبى، فأتى الأنصاريُّ النبيَّ فذكر له ذلك، فطلب النبي من سمرة أن يبيعه، فأبى، فطلب منه أن يُناقله، فأبى، وقال لسمرة: «فهبه له ولك كذا وكذا»[12]، فأبى، فقال النبي ﷺ لسمرة: «أنت مضارٌ»، ثم قال رسول الله ﷺ للأنصاري: «اذهب فاقلع نخله»[13].

فقد عد النبي ﷺ استعمال الحق على وجهٍ يلحق به الأذى بالغير من قبيل المضارَّة، وسعى إلى إزالة ما تضمنه من ضررٍ، وذلك بارتكاب أدنى المفسدتين دفعاً لأعلاهما.

ومن قبيل هذه الصورة ما ورد في حديث أبي قلابة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لا تُضارُّوا في الحُفَر»[14]. فقد نهى النبي ﷺ عن إلحاق الأذى بالغير عن طريق استعمال الحق، وذلك بأن يحفر الرجل بئراً في ملكه المجاور لبئر الغير فيذهب بذلك ماء بئر الجار[15]، وعدَّ هذا الفعل من قبيل المضارَّة.

Adobe Systemsالمسألة السادسة: علاقة هذه القاعدة بقاعدة (المشقة تجلب التيسير):

ذكر بعض العلماء أن قاعدة (الضرر يُزال) وهي التي عبَّرنا عنها بقاعدة (لا ضرر ولا ضرار) متحدةٌ أو متداخلةٌ مع قاعدة (المشقة تجلب التيسير) وممن ذكر هذا السيوطي وابن نجيم، حيث قال السيوطي: (وهي مع التي قبلها متحدةٌ أو متداخلةٌ)[16]، وقال ابن نجيم: (وهذه القاعدة مع التي قبلها متحدة أو متداخلة)[17].

وعبارتهما هذه فيها شيءٌ من التردد وعدم الجزم في العلاقة بين القاعدتين، فهل هما قاعدتان متحدتان؟ أي تستويان في موضوعهما، فتصدق كل واحدةٍ منهما على ما تصدق عليه الأخرى؟[18]، أو أن بينهما شيئاً من التداخل فحسب؟ بحيث تشترك القاعدتان في أمرٍ وتفترقان في أمرٍ آخر؟[19].

والذي يظهر هنا أن القاعدتين ليستا متحدتين، بل بينهما تداخلٌ، وبيان هذا:

أن كلا القاعدتين يمكن أن يُحكَّم في الأمر الخارج عن المعتاد في الشدة في تصرفات المكلفين، إلا أن قاعدة (المشقة تجلب التيسير) تُحكَّم في تصرفات الخلق مع الخالق، وأما قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) فتُحكَّم في تصرفات الخلق فيما بينهم[20].

وبناءً على هذا فإن ذلك التردد الذي جاء في كلام السيوطي وابن نجيم له ما يُبرره بالنظر إلى ما تُحكَّم فيه كلتا القاعدتين، وهذا الأمر يُفسِّر لنا الاختلاف الواقع في تفريع بعض القواعد على هاتين القاعدتين لأجل أن موضوعات تلك القواعد شاملةٌ للحكم على تصرفات الخلق مع الخالق وعلى تصرفاتهم فيما بينهم كما وقع في قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات)، فبعضهم يُفرِّعها على قاعدة (المشقة تجلب التيسير) وبعضهم يُفرِّعها على قاعدة (لا ضرر ولا ضرار)، وكلا النظرين سائغٌ.

وإذا تقرر هذا فإن من البعيد القول بتفريع قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) على قاعدة (المشقة تجلب التيسير) كما ذهب إلى ذلك بعض الباحثين[21]، من جهة أن في رفع الضرر تيسيراً وتسهيلاً على الأمة.

وإنما استبعدنا ذلك القول لأنه ليس تفريع قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) على قاعدة (المشقة تجلب التيسير) بأولى من عكسه، فإن لقائلٍ أن يقول: إن قاعدة (المشقة تجلب التيسير) متفرعةٌ عن قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) باعتبار أن في التيسير والتسهيل على الأمة إزالةً للضرر عنهم.

Adobe Systemsالمسألة السابعة: القواعد المتفرعة عن قاعدة (لا ضرر ولا ضرار):

يمكن أن نصنف القواعد المتفرعة عن هذه القاعدة في صنفين:

الصنف الأول: القواعد الخاصة بإزالة الضرر في حال انفراده.

وهي على النحو الآتي:

القاعدة الأولى (الضرر يُزال)[22]

لفظ هذه القاعدة جعله كثيرٌ من العلماء والباحثين بدلاً من لفظ القاعدة الكبرى المعتمد هنا، لذلك فإن ما ذُكر من أدلةٍ للقاعدة الكبرى يجعلونه أدلةً على هذه القاعدة، وقد مرَّ بنا فيما تقدم التمييز بين هذين اللفظين وأن هذا اللفظ المذكور هنا يختص برفع الضرر بعد وقوعه بخلاف اللفظ المعتمد للقاعدة الكبرى، فكما أنه يشمل رفع الضرر بعد وقوعه فإنه كذلك يشمل دفعه قبل وقوعه بطرق الوقاية الممكنة، لذلك عُدت هذه القاعدة التي معنا هنا من القواعد المتفرعة عن القاعدة الكبرى.

والكلام على هذه القاعدة سيكون بحسب المسائل الآتية:

Adobe Systemsالمسألة الأولى: معنى القاعدة:

أن الواجب شرعاً في شان الضرر إذا كان واقعاً أن يُسعى في إزالته ورفعه.

Adobe Systemsالمسألة الثانية: الفروع المبنية على القاعدة:

ينبني على هذه القاعدة كثيرٌ من الفروع الفقهية في كثيرٍ من أبواب الفقه يستوي في ذلك ما يتعلق بالتعويض عن الضرر في الحقوق العامة أو التعويض عن الضرر في الحقوق الخاصة، ومن أمثلة ذلك ما يأتي:

1- أن أحد المتبايعين قد يقع له ضررٌ بعد لزوم عقد البيع، كأن يُغبن فيه، أو يُدلَّس عليه، أو يظهر عيبٌ في السلعة، فشُرع خيار الغبن وخيار التدليس وخيار العيب؛ لرفع الضرر الواقع لأحد المتعاقدين.

2- لو أن بعض التجار عمد إلى شراء ما يحتاج إليه الناس من الطعام، فحبسه عنهم بقصد إغلائه عليهم[23] فإنه يجب على ولي الأمر أن يأمره بالبيع إزالةً للضرر عن الناس، ويجوز لولي الأمر في هذه الحالة أن يُكره التاجر على البيع بقيمة المثل.

3- لو سلَّط شخصٌ ميزابه على الطريق العام بحيث يتأذى به المارُّون فإنه يجب على ولي الأمر أن يأمره بإزالة ميزابه إزالةً للضرر عن المارين في الطريق.

4- لو غرس شخصٌ شجرةً في بيته ثم تدلت أغصانها في بيت جاره، وتأذى منها ذلك الجار، فإنه يجب على صاحب الشجرة إزالة هذا الضرر إما بقطع تلك الأغصان أو رفعها.

5- لو أحدث شخصٌ نافذةً في بيته وصارت تكشف بيت جاره بحيث يتأذى منها ذلك الجار فإنه يجب على من أحدث تلك النافذة أن يزيلها أو يضع حائلاً يمنع من انكشاف بيت جاره.

6- لو غاب الزوج عن زوجته غيبةً طويلةً وتضررت الزوجة بسبب تلك الغيبة فإنه يجب على الزوج أن يسعى في إزالة هذا الضرر إما بحضوره أو بإحضار الزوجة عنده أو بطلاقها إنْ كان الزوج معلوم المكان، فأما إن كان مفقوداً بحيث لا يُعلم مكانه فللقاضي أن يحكم بطلاق المرأة.

7- لو غُصبت عينٌ مملوكةٌ لشخصٍ فإنه يجب إزالة الضرر عنه إما برد العين المغصوبة إليه سليمةً، وإما بردها في حال نقصها مع ضمان الغاصب لما نقص منها؛ إزالةً للضرر عن المالك.

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:

هذه القاعدة تفيد وجوب السعي في إزالة الضرر ورفعه بعد وقوعه، وهذا جزءٌ مما أفادته القاعدة الكبرى.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة