حجم الخط:

محتوى الدرس (30)

القاعدة السادسة (يُغتفر في التوابع ما لا يُغتفر في غيرها)[1]

والكلام على هذه القاعدة في عدة مسائل:

Adobe Systemsالمسألة الأولى: معنى القاعدة:

أولاً: المعنى الإفرادي:

- فأما لفظ (يُغتفر) فهو من الاغتفار وهو يعني التسامح والتساهل.

- وأما لفظ (غيرها) فالمقصود به المتبوعات أو الأصول.

ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:

أنه يُتسامح ويُتساهل في الأشياء إذا كانت تابعةً ما لا يُتسامح ويُتساهل فيها لو كانت متبوعةً أو أصيلةً أو مقصودةً في أنفسها.

ولذا قد يُعبَّر عن هذه القاعدة بما يفيد هذا المعنى كقولهم: (يُغتفر في الشيء ضمناً ما لا يُغتفر فيه قصداً)[2].

Adobe Systemsالمسألة الثانية: الفروع المبنية على القاعدة:

فروع هذه القاعدة يمكن ذكرها من خلال ذكر صور الاغتفار في التوابع، وذلك على النحو الآتي:

الصورة الأولى: أن لا يُشترط في التابع ما يُشترط في المتبوع.

ومثاله: أن المسبوق في صلاة الجمعة إذا أدرك ركعةً منها فإنه يعد مدركاً للجمعة، فيقضي ما فاته، ولا يُشترط للمسبوق العدد، لأنه مدركٌ للجمعة تبعاً، والتابع لا يُشترط فيه ما يُشترط في المتبوع؛ لأن التوابع يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في غيرها.

الصورة الثانية: أن يجوز في التابع من الغرر ما لا يجوز في المتبوع.

ومثاله: أنه يجوز بيع البذر في الأرض مع الأرض، ويجوز بيع الحمل مع الأم، ويجوز بيع السقف وأساسات الحيطان مع الدار، مع وجود الجهالة فيها، وذلك لأن البذر والحمل والسقف وأساسات الحيطان توابعٌ، والتابع يجوز فيه من الغرر ما لا يجوز في المتبوع؛ لأن التوابع يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في غيرها.

الصورة الثالثة: أن لا يلزم في التابع من الضمان ما يلزم في المتبوع.

ومثاله: أنه لو كُشط جلد المحرم، فزال معه بعض الشعر، فإنه لا يلزم من ذلك الفدية، لأن إزالة الشعر حصلت تبعاً لإزالة الجلد، ولا يلزم في التابع من الضمان ما يلزم في المتبوع؛ لأن التوابع يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في غيرها.

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: علاقة هذه القاعدة بقاعدتها المتفرعة عنها:

هذه القاعدة تشير إلى حالة استثناءٍ من قاعدة (التابع تابعٌ)؛ وذلك أن هذه القاعدة تفيد أن التوابع لشدة ارتباطها بمتبوعاتها ارتباطاً لا يقبل الانفكاك في غالب الأمر بحيث تعسر معه مراعاة حال التابع بحكمٍ مستقلٍّ فإنه ينبغي أن يُتساهل ويُتسامح فيها، فلا تأخذ أحكام متبوعاتها استقلالاً.

القاعدة الكلية الثانية (لا مساغ للاجتهاد في مورد النص)[3]

والكلام على هذه القاعدة في مسألتين:

Adobe Systemsالمسألة الأولى: معنى القاعدة:

أولاً: المعنى الإفرادي:

- أما لفظ (لا مساغ) فمعناه لا يجوز ولا يصح.

- ولفظ (الاجتهاد) يُراد به بذل الجهد في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها.

- ولفظ (مورد) المراد به المحل.

- ولفظ (النص) يُراد به آيات القرآن الصريحة ونصوص السنة الصحيحة الصريحة وكذا الإجماع الثابت بالنقل الصحيح.

ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:

أنه لا يجوز ولا يصح الاجتهاد في حكم مسألةٍ ورد بشأنها نصٌّ صريحٌ من القرآن أو السنة الصحيحة أو الإجماع الثابت. والمقصود بذلك أنه لا يجوز ولا يصح الاجتهاد في الحكم من حيث ثبوته ومن حيث دلالته إنْ كان واضح الدلالة، ومفهوم ذلك أن الاجتهاد في دلالته إنْ كان غير واضح الدلالة، أو الاجتهاد في تطبيق النص أي في توسيع دلالته وتحقيق مناطه أمرٌ لا يدخل تحت المنع الوارد في القاعدة.

Adobe Systemsالمسألة الثانية: الفروع المبنية على القاعدة:

1- لو اجتهد مجتهدٌ وقال: إن المطلَّقة الرجعية يشترط رضاها لصحة رجعتها، فإن اجتهاده هذا غير صحيحٍ، وهو محرَّمٌ ومردودٌ؛ لأنه مخالفٌ لنصٍ شرعيٍّ واضح الدلالة، وهو قوله تعالى: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ [البَقَرَة: 228].

2- لو اجتهد مجتهدٌ وقال بطلب البيِّنة من المدعى عليه أو بتحليف المدعي ابتداءً، فإن اجتهاده هذا غير صحيحٍ، وهو محرَّمٌ ومردودٌ؛ لأنه مخالفٌ لنصٍّ شرعيٍّ واضح الدلالة، وهو قوله ﷺ: «البيِّنة على المدعي واليمين على المدعى عليه»[4].

القاعدة الكلية الثالثة (الاجتهاد لا يُنقض بمثله)[5]

والكلام على هذه القاعدة في مسائل:

Adobe Systemsالمسألة الأولى: معنى القاعدة:

أنه إذا حصل اجتهادٌ في حكمٍ شرعيٍّ لمسألةٍ من المسائل بطريق الفتوى أو القضاء أو التحري، وأُمضي الحكم الذي تضمنه ذلك الاجتهاد، ثم وقعت مسألةٌ أخرى مناظرةٌ لها، فتغير اجتهاد المجتهد سواءٌ أكان هو المفتي أم القاضي نفسه أم غيره إلى حكمٍ مخالفٍ، فإنه لا يصح نقض الاجتهاد السابق بهذا الاجتهاد المخالف.

Adobe Systemsالمسألة الثانية: ضوابط إعمال هذه القاعدة:

الذي يُفهم من واقع هذه القاعدة أن إعمالها مقيَّدٌ بأمرين:

الأمر الأول: أن يكون الاجتهاد الثاني مساوياً للاجتهاد الأول، والمفهوم المخالف لذلك أن الاجتهاد الأول يُنقض إذا كان الاجتهاد الثاني أقوى، فيُنقض إذا ثبتت مخالفته للنص أو للإجماع الثابت؛ لأن الاجتهاد السابق يكون حينئذٍ من قبيل العمل بالظن الذي تبين خطؤه، و(لا عبرة بالظن البيِّن خطؤه) كما تقدم.

الأمر الثاني: أن يكون الاجتهاد الأول في أحكام قد مضت واستقر العمل بها فتوًى أو قضاءً، ويدل على هذا قول عمر رضي الله عنه: (تلك على ما قضيناه، وهذه على ما قضينا)[6]، وأما إذا لم يُمضَ الحكم الذي تضمنه الاجتهاد الأول فإنه يجوز نقضه ولو كان باجتهادٍ مساوٍ.

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: الأدلة على القاعدة:

دل على هذه القاعدة دليلان من النقل والعقل:

- فأما النقل: فقد أجمع الصحابة رضوان الله عليهم على عدم مشروعية نقض الاجتهاد السابق، وذلك أن أبا بكرٍ رضي الله عنه قد حكم في مسائل باجتهاده، وخالفه فيها عمر رضي الله عنه، ولما ولي عمر رضي الله عنه الخلافة لم ينقض تلك الاجتهادات، وقد أقرَّه الصحابة على ذلك فكان إجماعاً.

- وأما العقل: فلأنه لو ساغ نقض العمل بالاجتهادات في الفتاوى والأقضية كلما تغير اجتهاد المجتهد لما استقر حكمٌ في حادثةٍ؛ لأن الاجتهاد عرضةٌ للتبدل بتكرير النظر في الأدلة والأمارات.

Adobe Systemsالمسألة الرابعة: الفروع المبنية على القاعدة:

1- لو صلى شخصٌ إلى جهةٍ بناءً على الاجتهاد في القبلة، ثم اجتهد مرةً أخرى في القبلة فتغير اجتهاده، فإنه لا يُحكم على صلاته الأولى بالبطلان؛ لأنه بناها على الاجتهاد، والاجتهاد لا يُنقض بمثله.

2- لو اجتهد القاضي في مسألةٍ وحكم فيها، ثم عُرضت عليه مسألةٌ أخرى مشابهةٌ، فتغير اجتهاده، فإنه لا يعود إلى القضية الأولى لينقض حكمه فيها؛ لأن الاجتهاد لا يُنقض بمثله.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة