تفسير سورة النور
الآيات (53-57)
الآية (53): يقول تعالى مُخبرًا عن أهل النفاق، الذين كانوا يَحلِفُون للرسول ﷺ: لَئِنْ أَمَرْتَهُم بالخروج في الغزو لَيَخْرُجُنَّ، قال الله تعالى: ﴿ قُلْ لَا تُقْسِمُوا ﴾ أي: لا تحلفوا.
وقوله: ﴿ طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ﴾ قيل: معناه: طاعتُكم طاعةٌ معروفةٌ؛ أي: قد عُلِم طاعتكم، إنما هي قولٌ لا فِعْلَ معه، وكلَّما حَلَفْتُم كَذَبْتم؛ كما قال تعالى: ﴿ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴾ [التوبة:96]، وقال تعالى: ﴿ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [المنافقون:2]، فَهُمْ من سَجِيَّتِهِم الْكَذِب حتى فيما يختارونه؛ كما قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿ ١١ ﴾ لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ﴾ [الحشر:11-12].
وقيل: المعنى في قوله: ﴿ طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ﴾ أي: لِيَكُنْ أَمْرُكُم طاعةً معروفةً، أي: بالمعروف من غير حَلِف ولا إِقْسَام، كما يطيع الله ورسوله المؤمنون بغير حَلِف، فكونوا أنتم مثلهم.
﴿ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ أي: هو خبير بكم، وبمن يُطِيع ممَّن يَعْصِي، فالـحَلِف وإظهار الطاعة -والباطن بخلافه، وإن راج على المخلوق- فالخالق تعالى يعلم السِّرَّ وأَخْفَى، لا يَرُوج عليه شيء من التدليس، بل هو خبير بضمائر عباده، وإن أظهروا خلافها.
الآية (54): ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ أي: اتَّبِعوا كتاب الله وسنة رسوله، ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا ﴾ أي: تَتَوَلَّوا عنه وتَتْرُكُوا ما جاءكم به، ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ ﴾ أي: إبلاغ الرسالة وأداء الأمانة.
﴿ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ ﴾ أي: من ذلك، وتعظيمه والقيام بمقتضاه، ﴿ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ﴾ وذلك لأنه يدعو إلى صراط مستقيم ﴿ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ [الشورى:53].
وقوله: ﴿ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾ كقوله: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ﴾ [الرعد:40]، وقوله: ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ﴿ ٢١ ﴾ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ﴾ [الغاشية:21-22].
الآية (55): هذا وَعدٌ من الله لرسوله ﷺ، بأنه سيجعل أُمّته خلفاء الأرض؛ أي: أئمةَ الناس والولاةَ عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، ولَيُبَدِّلَنَّهُم من بعد خوفهم أَمْنًا وحُكْمًا فيهم، وقد فَعَل تبارك وتعالى، وله الحمد والمنة؛ فها نحن نتقلَّب فيما وَعَدَنا الله ورسوله، وصَدَق الله ورسوله، فنسأل الله الإيمان به وبرسوله، والقيام بشكره على الوجه الذي يُرضيه عَنَّا.
﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ كما قال تعالى عن موسى عليه السلام أنه قال لقومه: ﴿ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف:129]، وقال تعالى: ﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴿ ٥ ﴾ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾ [القصص:5-6].
﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ ﴾ الآية، كما قال رسول الله ﷺ لعديِّ بن حاتم حين وَفَدَ عليه: «أَتَعْرِفُ الـحِيرَةَ؟» قال: لم أعرفها، ولكن قد سمعتُ بها. قال: «فوالذي نفسي بيده، ليُتِمَّنَّ الله هذا الأمر حتى تَخرُج الظَّعِينَة من الحِيْرَة حتى تطوف بالبيت في غير جِوار أحد، ولتفتحنّ كنوز كسرى بن هرمز». قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: «نعم، كسرى بن هرمز، وليُبذَلَنّ المالُ حتى لا يَقْبَلَهُ أحد» [رواه البخاري].
قوله: ﴿ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴾ عن معاذ بن جبل قال: بَيْنَا أنا رَدِيف رسول الله ﷺ، قال: «يا معاذ»، قلتُ: لبَّيْكَ يا رسول الله وسَعْدَيك. قال: «هل تَدْرِي ما حَقُّ الله على العباد؟»، قلتُ: الله ورسوله أعلم. قال: «حَقُّ الله على العباد أن يَعبُدُوه ولا يُشْرِكوا به شيئًا». قال: «فهل تَدْرِي ما حَقُّ العباد على الله إذا فَعَلُوا ذلك؟»، قال: قلتُ: الله ورسوله أعلم. قال: «فإن حَقَّ العِبَاد على الله أن لا يُعَذِّبَهُم» [متفق عليه].
﴿ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ أي: فمن خَرَجَ عن طاعتي بعد ذلك فقد فَسَقَ عن أَمْر رَبِّه، وكَفَى بذلك ذنبًا عظيمًا. فالصحابة y لَـمَّا كانوا أقوَم الناس بعد النبي ﷺ بأوامر الله عز وجل ، وأطوعهم لله كان نَصْرُهُم بِحَسَبِهِم، وأَظهَرُوا كلمةَ الله في المشارق والمغارب، وأيَّدَهم تأييدًا عظيمًا، وتحكَّموا في سائر العباد والبلاد. ولَـمَّا قَصَّر الناس بعدهم في بعض الأوامر، نَقَصَ ظهورهم بِحَسَبِهِم، ولكن قد ثَبَت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقِّ، لا يَضُرُّهم من خَذَلَـهم ولا من خَالفهم إلى يوم القيامة».
الآية (56-57): يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بإقام الصلاة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة، وهي: الإحسان إلى المخلوقين: ضعفائهم وفقرائهم، وأن يكونوا في ذلك مطيعين لرسول الله ﷺ؛ أي: سالكين وراءه فيما به أَمَرَهم، وتاركين ما عنه زَجَرَهم، لعلَّ الله يرحمهم بذلك. ولا شكَّ أن من فَعَل هذا أن الله سيرحمه؛ كما قال تعالى: ﴿ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ﴾ [التوبة:71].
﴿ لَا تَحْسَبَنَّ ﴾ أي: لا تَظُنَّ يا محمد ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أي: خالفوك وكذَّبوك ﴿ مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ﴾ أي: لا يعجزون الله، بل الله قادر عليهم، وسيُعَذِّبهم على ذلك أَشَدَّ العذاب؛ ولهذا قال: ﴿ وَمَأْوَاهُمُ ﴾ أي: في الدار الآخرة ﴿ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ أي: بئس المآل مآلُ الكافرين، وبئس القرار وبئس المهاد.