تفسير سورة محمد (القتال)
الآيات (30-38)
الآية (30-31): ﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ ﴾ يقول تعالى: ولو نَشَاء يا محمد لأَرَيْنَاك أشخاصهم، فعَرَفْتَهُم عيانًا، ولكن لم يَفعَل تعالى ذلك في جميع المنافقين سترًا منه على خَلْقِه، وحَمْلًا للأمور على ظاهر السلامة، ورَدّ السرائر إلى عالمها.
﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ﴾ أي: فيما يَبدُو من كلامهم الدَّالِّ على مقاصِدِهم؛ يَفْهَم الْـمُتَكَلِّمَ من أي الحزبين هو بمعاني كلامه وفَحْواه، وهو المراد من لَـحْن القول؛ كما قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان: ما أَسَرَّ أَحَدٌ سَرِيْرَةً إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفَلَتَات لسانه.
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ﴾ أي: ولنَخْتَبِرَنَّكم بالأوامر والنواهي، ﴿ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾ وليس في تَقَدُّمِ عِلْم الله تعالى -بما هو كائن أنه سيكون- شكٌّ ولا ريبٌ، فالمراد: حتى نعلم وقوعه؛ ولهذا يقول ابن عباس في مثل هذا: إلا لنَعْلَم، أي: لنرى.
الآية (32-35): يُخْبِرُ تعالى عمَّن كَفَر وصَدَّ عن سبيل الله، وخالف الرسول وشاقَّه، وارتَدَّ عن الإيمان من بعد ما تبيَّن له الهدى: أنه لن يَضُرَّ الله شيئًا، وإنما يَضُرُّ نفسه ويَخْسَرُها يوم مَعَادها، وسيُحْبِطُ الله عملَه فلا يُثِيبُهُ على سالف ما تقدَّم من عمله الذي عَقَّبَهُ بِرِدَّتِهِ مثقال بعوضة من خير، بل يُحْبِطه ويَمْحَقه بالكلية، كما أن الحسنات يُذْهِبْن السيئات.
ثم أَمَر تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله ﷺ التي هي سعادتهم في الدنيا والآخرة، ونهاهم عن الارتداد الذي هو مُبْطِلٌ للأعمال؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ﴾ أي: بالرِّدَّة؛ ولهذا قال بعدها: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ۚ ﴾ [النساء:48، 116].
ثم قال جلَّ وعلا لعباده المؤمنين: ﴿ فَلَا تَهِنُوا ﴾ أي: لا تَضْعُفُوا عن الأعداء، ﴿ وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ ﴾ أي: المهادنة والمسالَـمة، ووَضْع القتال بينكم وبين الكفار في حال قُوَّتِكم وكثرة عَدَدِكم وعُدَدِكُم؛ ولهذا قال: ﴿ فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾ أي: في حال عُلُوِّكم على عَدُوِّكم، فأمَّا إذا كان الكفار فيهم قوة وكَثْرة بالنسبة إلى جميع المسلمين، ورأى الإمام في المعاهدة والمهادنة مَصْلَحَة، فَلَه أن يَفْعَل ذلك، كما فَعَلَ رسول الله ﷺ حين صَدَّه كفار قريش عن مكة، ودَعَوه إلى الصُّلْح ووَضْع الـحَرْب بينهم وبينه عَشْر سنين، فأجابهم ﷺ إلى ذلك.
وقوله: ﴿ وَاللَّهُ مَعَكُمْ ﴾ فيه بشارة عظيمة بالنَّصْر والظَّفَر على الأعداء، ﴿ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ﴾ أي: ولن يُحْبِطَها ويُبْطِلَها ويَسْلُبَكم إيَّاها، بل يُوَفِّيكم ثوابها ولا يُنْقِصُكم منها شيئًا.
الآية (36-38): يقول تعالى تحقيرًا لأمر الدنيا وتَهْوينًا لشأنها: ﴿ إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ أي: حاصلها ذلك إلا ما كان منها لله عز وجل ؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ﴾ أي: هو غني عنكم لا يَطلُب منكم شيئًا، وإنما فَرَضَ عليكم الصدقات من الأموال مواساةً لإخوانكم الفقراء، ليعود نَفْعُ ذلك عليكم، ويَرجِعَ ثوابه إليكم.
ثم قال: ﴿ إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا ﴾ أي: يُحْرِجكم تَبْخَلُوا: ﴿ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ ﴾ قال قتادة: «قد عَلِمَ الله أن في إخراج الأموال إخراجَ الأضغان». وصَدَقَ قتادة؛ فإن المال محبوب، ولا يُصْرَف إلا فيما هو أَحَبُّ إلى الشخص منه.
وقوله: ﴿ هَا أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ ﴾ أي: لا يجيب إلى ذلك، ﴿ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ أي: إنما نَقَص نفسه من الأجر، وإنما يعود وبال ذلك عليه.
﴿ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ ﴾ أي: عن كل ما سواه، وكل شيء فقير إليه دائمًا؛ ولهذا قال: ﴿ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ ﴾ أي: بالذات إليه. فوَصْفُه بالغِنَى وَصْفٌ لازم له، ووَصْفُ الخلق بالفقر وَصْفٌ لازم لهم، لا ينفَكُّون عنه.
وقوله: ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا ﴾ أي: عن طاعته واتباع شرعه ﴿ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ أي: ولكن يكونون سامعين مطيعين له ولأوامره.