تفسير سورة الفتح
الآيات (24-29)
الآية (27-28): كان رسول الله ﷺ قد رأى في المنام أنه دَخَل مكة وطاف بالبيت فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة، فلمَّا ساروا عام الحديبية لم يَشُكَّ جماعة منهم أن هذه الرؤيا تَتَفَسَّرُ هذا العام، فلمَّا وَقَع ما وَقَع من قضية الصُّلْح ورَجَعُوا عامَهم ذلك على أن يعودوا من قابل، وَقَع في نفوس بعض الصحابة من ذلك شيء، حتى سأل عمر ابن الخطاب في ذلك، فقال له فيما قال: أفلم تكن تُخْبِرنا أنا سنأتي البيت ونَطُوف به؟! قال: «بلى، أفأخبرتُكَ أنكَ تأتيه عامَك هذا؟!» قال: لا، قال: «فإنك آتيه ومُطوِّف به». وبهذا أجاب الصديق، أيضًا حَذْو القُذَّة بالقُذَّة[1]؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ﴾ هذا لتحقيق الخبر وتوكيده، وليس هذا من الاستثناء في شيء.
وقوله: ﴿ آمِنِينَ ﴾ أي: في حال دخولكم. وقوله: ﴿ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ﴾ حالٌ مُقَدَّرَة؛ لأنهم في حال دخولهم لم يكونوا مُحَلِّقِين ومُقَصِّرِين، وإنما كان هذا في ثاني الحال، كان منهم من حَلَق رأسه ومنهم من قَصَّره. وقوله: ﴿ لَا تَخَافُونَ ﴾ حال مؤكدة في المعنى، فأَثْبَتَ لهم الأمن حال الدخول، ونَفَى عنهم الخوف حال استقرارهم في البلد لا يخافون من أحد. وهذا كان في عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع.
وقوله: ﴿ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ أي: فعَلِمَ الله تعالى من الـخَيْرَةِ والـمَصْلحة في صَرْفِكم عن مكة ودخولكم إليها عامَكم ذلك ما لم تعلموا أنتم. ﴿ فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَٰلِكَ ﴾ أي: قبل دخولكم الذي وُعِدْتُم به في رؤيا النبي ﷺ ﴿ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ وهو الصلح الذي كان بينكم وبين أعدائكم من المشركين.
ثم قال تعالى مُبَشِّرًا للمؤمنين بنصرة الرسول صلوات الله وسلامه عليه على عدوه وعلى سائر أهل الأرض: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ ﴾ أي: بالعلم النافع والعمل الصالح؛ فإن الشريعة تشتمل على شيئين: علم وعمل، فالعلم الشرعي صحيح، والعمل الشرعي مقبول، فإخباراتها حقٌّ وإنشاءاتها عَدْل.
﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ﴾ أي: على أهل جميع الأديان من سائر أهل الأرض، من عَرَب وعَجَم، ومِلِّيِّينَ ومشركين، ﴿ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ أي: أنه رسوله، وهو ناصره.
الآية (29): يُخْبِر تعالى عن محمد ﷺ أنه رسوله حَقًّا بلا شكٍّ ولا ريب، فقال: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ ، وهذا مبتدأ وخبر، وهو مشتمل على كل وَصْف جميل، ثم ثَنَّى بالثناء على أصحابه فقال: ﴿ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ وهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديدًا عنيفًا على الكفار، رحيمًا بَرًّا بالأخيار، غضوبًا عبوسًا في وجه الكافر[2]، ضَحُوكًا بشوشًا في وجه أخيه المؤمن؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ﴾ [التوبة: 123] وقال النبي ﷺ: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». وقال ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا». وشبك ﷺ بين أصابعه، كلا الحديثين في الصحيح.
وقوله: ﴿ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ﴾ وَصَفَهم بكثرة العمل وكَثرة الصلاة، وهي خير الأعمال، ووَصَفَهم بالإخلاص فيها لله عز وجل ، والاحتساب عند الله جزيل الثواب، وهو الجنة المشتملة على فضل الله، وهو سعة الرزق عليهم، ورضاه تعالى عنهم وهو أكبر من الأول؛ كما قال: ﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ [التوبة:72].
وقوله: ﴿ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ﴾ قال ابن عباس: ﴿ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ ﴾ يعني: السَّمْت الـحَسَن. وقال مجاهد وغير واحد: يعني: الخشوع والتواضع. وقال السُّدِّي: الصلاة تُحَسِّنُ وُجُوهَهم. وقال بعض السلف: من كَثُرَتْ صَلَاتُه بالليل حَسُنَ وجهه بالنهار. وقال بعضهم: إن للحسنةِ نورًا في القلب، وضياءً في الوجه، وسَعَةً في الرزق، ومَحَبِّةً في قلوب الناس. وقال أمير المؤمنين عثمان: ما أَسَرَّ أحدٌ سريرةً إلا أبداها الله على صَفَحَات وجهه، وفَلتَات لسانه. والغرض أن الشيء الكامن في النفس يَظْهَر على صفحات الوجه؛ فالمؤمن إذا كانت سريرته صحيحة مع الله أصلحَ الله ظاهره للناس، كما رُوي عن عمر بن الخطاب، أنه قال: من أَصْلَحَ سريرته أَصْلَحَ الله علانيته. وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ، قال: «إن الهدي الصالح، والسمت الصالح، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة» [رواه أحمد، وصحح إسناده أحمد شاكر]. فالصحابة y خَلُصَتْ نياتهم وحَسُنَتْ أعمالهم، فكلُّ من نَظَر إليهم أعجبوه في سَمْتِهم وهَدْيِهم. وقال مالك رضي الله عنه: بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة y الذين فتحوا الشام يقولون: والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا، وصدقوا في ذلك؛ فإن هذه الأمة معظَّمَة في الكتب الـمُتَقَدِّمَة، وأَعْظَمُها وأَفْضَلها أصحاب رسول الله ﷺ، وقد نَوَّه الله بِذِكْرهم في الكُتُب الـمُنْزَلَة والأخبار الـمُتَدَاوَلَة؛ ولهذا قال ههنا: ﴿ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ﴾ أي: فراخه، ﴿ فَآزَرَهُ ﴾ أي: شَدَّهُ ﴿ فَاسْتَغْلَظَ ﴾ أي: شَبَّ وطال، ﴿ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ﴾ أي: فكذلك أصحاب محمد ﷺ آزروه وأيَّدُوه ونَصَرُوه فَهُم معه كالشَّطْءِ مع الزرع، ﴿ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ﴾ . ومن هذه الآية انتزع الإمام مالك -في رواية عنه- [القول] بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة؛ قال: لأنهم يَغِيظُونهم، ومن [غَاظه] الصحابةُ فهو كافر؛ لهذه الآية. ووافقه طائفة من العلماء على ذلك. والأحاديث في فضائل الصحابة والنهي عن التَّعَرُّض لهم بمساءة كثيرة، ويكفيهم ثناء الله عليهم، ورضاه عنهم. ثم قال: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ ﴾ «مِن» هذه لبيان الجنس، ﴿ مَغْفِرَةً ﴾ أي: لذنوبهم، ﴿ وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ أي: ثوابًا جزيلًا ورزقًا كريمًا، ووَعْد الله حقٌّ وصِدْق، لا يُخْلَفُ ولا يُبَدَّل، وكل من اقتفى أثر الصحابة فهو في حكمهم، ولهم الفضل والسَّبْق والكمال الذي لا يَلحَقُهم فيه أحد من هذه الأمة رضي الله عنهم وأرضاهم، وجَعَل جنات الفردوس مأواهم، وقد فَعَل.